http://kouttab-al-internet-almaghariba.page.tl/
  خوان غويتسولو
 
 
خوان غويتسولو
«الاربعينية» والخيال الديني الصوفي
محمـــد آيــت لعميم
خــوان غويتسولـــو «الاربعينية» والخيال الديني الصوفي يعتبر الكاتب الاسباني خوان غويتسولو –نزيل مراكش- من أبرز الكتاب المعاصرين، وذلك أنه حافظ على الطابع الالتزامي في الأدب؛ إضافة إلى أنه دافع ويدافع عن الانفتاح الثقافي ونبذ كل عنصرية ضيقة شأنه شأن أصدقاءه كارلوس فوينتيس، وكونتركراس وكارسيا ماركيز. ناهيك عن أنه تبنى تصورا في الكتابة الروائية ينهض على مزج سجلات متنوعة وأنواع أدبية مختلفة، يجعلها تتحاور فيما بينها؛ وهكذا فهو ينتمي لسلالة دشن لها سرفانتس برائعته الدونكيخوط. لقد تمثل خوان غويتيسولو درس سرفانتس تمثلا جيدا، سواء على مستوى الكتابة أو على مستوى التنظير، فانحاز إلى الكتابة التي تنبذ الخطية جانبا وتحتفي بالتقطيع والقفز والمراوحة والذهاب والإياب، وتتعايش فيها أنواع القول المختلفة والمتقابلة، السخرية والجد، الحلم والواقع، الهذيان والتأمل... أما على مستوى التنظير فقد كانت روافده ومشاربه متعددة، تنهل من باختين، والمؤرخ الشهير أميركوكاسترو؛ لكن سرفانتس هو الآخر كان يمده بتصورات حول طبيعة الكتابة، فقد كان خوان يستلهم بعض الإجابات الواردة في رواية الدونكيخوطي، فقد سأله مرة أحد النقاد قائلا: «بعد محاولاتكم العديدة في كتابة الروايات الاتوبيوغرافية الساخرة والجادة بدءا من «مشاهد بعد المعركة» إلى «الحظيرة الممنوعة ومرورا» بممالك الطوائف» هل يمكن أن نعرف ما انتم بصدد كتابته، ألقى عليه خوان نظرة ساخرة وشاذة فأجابه «إذن، أنا بصدد كتابة «القصة الحقيقية لغزو خوان غويتيسولو الجديد»، سأله الناقد، هل انهيتموها، فأجابه كيف يمكن أن أنهيها، وان خوان الجديد هذا لا زال لم يولد بعد»؛ هذا الجواب مأخوذ من مقطع ورد في رواية الدونكيخوطي. يتحدث فيه سرفانتس عن حوار دار بين الفارس التائه وGines de pasamonte حول الكتاب الذي كان يكتبه هذا الأخير، ساله دون كيخوطي عن عنوان الكتاب فأجابه «حياة Gines de pasamonte»، سأله دون كيخوطي هل أكملته، فأجابه الآخر كيف يمكن أن يكتمل، إذا كانت حياتي نفسها لم تكتمل».(1) ما يستفاد من هذا الدرس هو أن الكتابة مشروع لا يكتمل، وأن قارئ خوان ينبغي أن يميز بين خوان الحقيقي المبثوت داخل أعماله وخوان المبتدع من قبل خوان من خلال تخيله. بين خوان الذي يحاكي نفسه محاكاة ساخرة وبين خوان الهادئ المتأمل. لقد عرف خوان من الناحية السياسية بعدائه المعلن والصريح للدكتاتور فرانكو وهو الآن يدافع بالكلمة والحضور الفعلي عن قضايا الشعوب المستضعفة (فلسطين، العراق، الشيشان، البوسنة، الجزائر...)، هو رجل من دعاة السلام ويرفض الحرب (فأمه ذهبت ضحية الحرب الأهلية في اسبانيا وهو ابن ست سنين) وقد كان هذا الاختفاء المفاجئ لوجه الأم جرحا غائرا في نفسه. أما من الناحية الجمالية فقد «استعاد تقنية ما بعد الحداثة المتمثلة في التناص وأضاف عليها نكهة عربية ليس فقط من جانب اقتراض الاستشهادات من مؤلفين عرب أو ايرانيين، ولكن أيضا. بمحاكاة القواعد الراسخة الخاصة بالموسيقى والهندسة العربية، التكرارات، والتجريدات، والتنويعات المنسابة حول موضوعة وحيدة، الارتجالات، الزخرفة والعفوية»(2)وفي هذا الاتجاه يمكن القول كما ذهب إلى ذلك Edmud withe بأن خوان قد أبدع ما يمكن تسميته «الخيال المأسلم»(3) (la fiction Islamisant) وفي هذا السياق تندرج مجموعة من أعماله التي استوحى فيها الخيال الديني كما تجلى عند المتصوفة المسلمين كروايته «فضائل الطائر المتوحد»، و«الأربعينية». 1- دلالة العنوان: تشكل عنوان الرواية من رقم دال، هو الأربعينية وقد ترجمت إلى الفرنسية بعنوان «البرزخ» وكلا الترجمتين تشيران إلى المدة الزمينة التي تقضيها الأرواح في الحياة البرزخية قبل الاستعداد للبعث، وقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: «وبينهما برزخ إلى يوم يبعثون»(4). إن هذا الرقم له دلالة كونية، فهو يدل على الانتظار والاستعداد للجزاء أو العقاب؛ وله حضور قوي في سياقات متعددة، فمثلا طوفان نوح عليه السلام دام أربعين يوما، داوود وسليمان عليهما السلام حكما أربعين سنة، موسى عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم أوحي لهما في سن الأربعين، مكث موسى في طور سيناء أربعين يوما، العبرانيون غير المؤمنين عوقبوا بالتيه أربعين سنة في الصحراء، يستمر الحداد عند الأفارقة أربعين ليلة، وعند البوذيين الكاريم الذي يهيئ للبعث يستمر أربعين يوما. إن هذا الرقم يدل على اكتمال الدورة، دورة ينبغي أن تصل ليس فقط إلى تكرار بسيط ولكن إلى تحول جذري، إنها مرور إلى نظام آخر من الفعل والحياة. إنه عدد يرمز إلى دورة الحياة واللاحياة(5). لقد وظف خوان في الأربعينية هذا الرقم توظيفات عدة تدل على الانتقال والعزلة والدمار. فقد ظهر هذا العدد في بداية الرواية للدلالة على الانتقال من حياة الكثافة إلى حياة الخفة واللطافة، يقول السارد: «في اللحظة التي بدأت استعد فيها لإملاء الكتاب على نحو مادي قضيت نحبي. ثم انفصلت عن ذاتي حينما انتقلت من الزمن الوجيز إلى اللامتناهي. فدخلت توا إلى حالتي الخفة واللطافة، رأيت نفسي من خارج. أصم أعمى دون روح أو شعور، محاطا برعاية أهلي، وإزاء الألم الصامت لزوجتي مكثت برهة أخرى في الحجرة وأنا أحرص على ألا أعكر بميوعتي حركات الحداد، منتظرا الشخص المكلف بغسلي بغية التأكد من أن الشعائر ستنفذ حسب آخر رغباتي ورغم أن مفهوم الزمن في البرزخ الفاصل بين العالمين يتوقف ويمحى، فأنا أتذكر أنني رتبت النص ذهنيا كما رتبت صفحاته المتراكبة خلال التسكع العام للأرواح في فترة الأربيعنية»(6) وقد ورد هذا العدد أيضا في سياق الحديث عن الجحيم الجوي على العراق الذي دام أربعين يوما من القصف المتواصل من طرف الحلفاء. إضافة إلى هذا فقد اختار الروائي أن يقسم روايته إلى أربعين فصلا صغيرا، واعتبر أن فعل الكتابة وفعل القراءة شبيه بحجر صحي يدوم أربعين يوما، فلكتابة نص روائي لا بد من العزلة والتقوقع، وأيضا لقراءة هذا النص لا بد وأن يلوذ القارئ بأربعينيته أي عزلته حتى لا يتشوش فضاء قراءته واستيعابه للنص. يقول السارد: «فشأن كل الأوبئة ينشد الوباء الذي ترعرع في محاصيل الروائي امتداده الطبيعي بعد مرور الأربعينية، في صورة القارئ الذي يتلقى اقتراحه المعدي والمخصب وبمجرد ما يتجشم هذا الأخير مخاطرة المغامرة يعيش بدوره أربعينية الكاتب وأربعينية القارئ وأربعينية الكتاب أوضاع لا غنى عنها لإحداث الكلمة المكتوبة أثرها التحويلي النشيط».(7) لقد شكل العدد أربعين محورا أساسيا في بناء العالم الروائي في الأربعينية سواء من الناحية المضمونية أو من الناحية المعمارية للنص، وقد حقق النص ذلك الانسجام العصي بين خيوط النسيج النصي. فنص الأربعينية يصيب قارئه بالدوار، لأنه نص مكتبة كثف فيه السارد مجموعة من الانشغالات الحياتية والثقافية والاستيهامية. وعلى عادة الرواية المثقفة والمكتبية، فإنه يتخللها خطاب نقدي موازي معلن هو بمثابة دليل للقراءة وموجه لمساراتها، ورد في الجملة المفتتح من الرواية ما يلي: «تفترض كتابة نص ما وجود شبكة مرهفة من العلاقات فيما بين العقيدات الصغيرة التي تؤلفه. كل الروافد تصب هناك: فالأحداث الخارجية، ومجريات المعيش، والميولات والاسفار، والصدف حينما تمتزج بالقراءات والصور والاستيهامات تشكل حشدا اتفاقيا، حسب نسق توليفي، من التقاطعات والتوافقات وتطابقات الذاكرة والبصائر المباغتة والتيارات المتناوبة ولقد ارتسمت كتابة هذا الكتاب في أفقي عشية عام الحرب».(8) إن هذه الجملة التدشينية تلعب دور الدليل في حديقة الرواية ذات السبل المتشعبة، فالنص في جملته يراوح بين مشاهد من الواقع المعيش، اسفار السارد المتعددة (فرنسا، القاهرة، تركيا، مراكش)، يركب الطائرة، يستقل السيارة، يشاهد الأخبار المتلفزة، يستحم في حمام شعبي، يرتاد حلقة الشرقاوي والصاروخ. وبين مشاهد التيه في عالم الخفة واللطافة، والحلم، هذه الحركة المكوكية هي التي تسبب لدى القارئ التباسا ودوارا. «إن رواية البرزخ أو الأربعينية عنوان أصيل، وهي نموذج لعمل غني بإيقاعات صارخة، صارخة بخفة دمها وبقوة مضبوطة وبصمت غزير ضمني يفرق فيما بين هذه النصوص الأربعين القصيرة، موضوعاتها القائدة واخزة، وضعت في سلسلة وحبكة متقاطعتين نسجتا بطريقة دقيقة»(9) 2) في الحرب: كتبت رواية الأربعينية عام الحرب على العراق (1991)، وموضوعة الحرب تخترق حبكة الرواية، فالحرب حاضرة دائما، ودائما تعود، تدور من بلد إلى آخر على طول القرن العشرين، وها هي تدشن القرن 21. مخلفة بذلك مشاهد مؤلمة وكارثية وقيامية، رعب تشترك فيه كل الأراضي المدمرة، فمن إبادة المستضعفين إلى هروب الأبرياء إلى المنافي، والخروج من مسقط الرأس ومن مشهد الطفولة. إن الحرب تروي باللون الأحمر هذا الكتاب، وتلغم التركيب الروائي واستمرارية الجمل، إنها تغرز مخالبها في نثر الرواية، إنها تدميرات برمجها التطور نفسه للتقنية العمياء. يقول السارد: «بين الأحلام والسحب، أطللت برأسك، أو ما ظننت إنه رأسك دون أن تستطيع تدعيم هذا الظن بمرآة مغيثة فرأيت مشهد الشتات القاسي لأمم بكاملها، آلاف مؤلفة من خلائق عمياء تائهة، وهي تفر من أراضي متكلسة ومتحجرة، عبر غابات تحولت إلى رماد وأنهار بدون ماء، هل كان ذلك وعيدا افتتاحيا لألفية مشؤومة ستشتت الشعوب في هدير غامض، صوب شتى الاتجاهات؟ وهل تبحث هذه الشعوب عن ملجأ لها في محيط العتمات الثخينة المتماسكة هربا من جحيم السلاح النووي والحرب الكيماوية النهمة المحرقة».(10) لقد اختار السارد ساحة جامع الفنا بمراكش مسرحا لأحداث الحروب، وكأنه يستعيد للساحة اسمها الأسطوري الذي يشير إلى الإفناء والإعدام والقتل، إذ يلمح السارد في مجاله البصري وصول أولى عربات الجثث قادمة من باب الفتوح والسمارين ورياض الزيتون وشارع محمد الخامس، تفرغ حمولتها لتشكل أكواما هائلة من أجسام مخلعة أو متخشبة، أفواه مشرعة، عيون جاحظة، أجساد موثقة، أقفية خرقها الرصاص، صدور خرمتها البنادق الرشاشة، ضربات صوبت إلى الظهر غيلة، وجوه جمدتها الغازات السامة، فيضانات من الدم تتقدم في الشوارع المحاذية لبنك المغرب، أهي دماء تفصدت من شرايين محرومي بنسودة أم من متظاهري شوارع وهران، أم من أذلاء الأحياء الشعبية في القاهرة أم من شهداء صبرا وشاتيلا أم من الأمهات اللواتي باغتهن القصف في شوارع بيروت، أم من الأطفال المكدسين أكواما في جحيم مخيم الشطي أم هي فقط قيعان دجلة والفرات غمرت مدينة السبعة رجال. إن خوان غويتسولو يدمج المغرب في هذيانه الذي يتحول إلى خيال رؤيوي ليتمدد هذا الاستيطان للمغرب ليشمل الكائن العربي واللغة العربية والثقافة الإسلامية، فجامع الفنا يفسح المجال لتركيا والمقطم بالقاهرة والقباب والقبور والمنازل والزوايا والمدارس التي قطعها منذ سنين باحثا عن «الحب الخالص»(11). إن فيضان الدم غمر الساحة والدروب وتسرب إلى مكتبة السارد الذي استغاث بجيرانه لينقذوا على الأقل المخطوطات وجذاذات هذا النص (الأربعينية)، وكتب المتصوفة المسلمين والمسيحيين واليهود، وأشعار دانتي وابن عربي والدليل الروحي وكتاب المعراج، وهو يصرخ «لا تسمحوا أن يغمر الدم تعابير الذكاء الإنساني والفؤاد البشري فيمحوها، ولا تمكنوه من إبطال مفعول الكلمات الجوهرية»(12). إن رواية الأربعينية هي رواية أقوى من الخطابات السياسية لإدانة الحرب في العالم. 3) ابن عربي ودانتي تكمن أصالة الأربعينية في نجاحها في حبك كل هذه الخيوط بالموضوعة الثقافية الكبرى حول الجحيم، وبذلك جعلت جل الأدب القيامي يتحاور، نصوص الكوميديا الإلهية ونصوص ابن عربي ورواية المعراج والدليل الروحي لمولينوس، ولوحات الفنان التشكيلي جيروم بوش (إشارات الرواية فقط للوحة حدائق الملذات ولم تشر للوحته الجحيم الموسيقي) ومحفورات غوستاف دوري، ورسوم تشخص الجحيم بريشة واضع الرسوم المزينة للكوميديا، والحضور الخافت للمعري صاحب رسالة الغفران، وهي من أولى النصوص التي عالجت الرحلة إلى العالم الآخر، لم يظهر في الرواية إلا ببيته الشهير خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد. إن هذا الحشد الكبير للأدب الأخروي، أضفى على الرواية بعدا ثقافيا وسمح بمناقشة مجموعة من القضايا الحساسة فيما يتعلق بالعالم الأخروي بين السارد وصديقته التي كانت بمثابة دليل له، لكنها تخلت عنه عندما أراد الذهاب لزيارة الجحيم، فبياتريس في الكوميديا الإلهية قادت دانتي في الفردوس، في حين أن فرجيل هو الذي كان دليله في الجحيم. وبالنسبة لسارد الأربعينية، فقد كانت المرأة ذات المظلة هي دليله، كان جحيم السارد هو نتاج مشاهداته في الطفولة للوحات جيروم بوش وحفريات غوستاف دوري، والكتب الأخروية. إذا ما أمعنا النظر جيدا في هذا النسيج الضخم من الصور والمشاهد القيامية المرعبة، نلاحظ أن السارد انحاز بشكل كبير ومعلن للخيال الديني الإسلامي المتمثل في إنجاز ابن عربي. فالشعلة الأولى لميلاد هذا النص نبعت من نص عثر عليه السارد في كتاب الفتوحات المكية (لابن عربي)، وكان بمثابة إطار للنص، يقول ابن عربي متحدثا عن العالم الأخروي «..فإنها دار انفعال سريع لا بطء فيه كباطن هذه النشأة الدنياوية في الخواطر التي لها سواء، فالإنسان في الآخرة مقلوب النشأة، فباطنه ثابت على صورة واحدة كظاهر هنا، وظاهر سريع التحول في الصور كباطنه»(13) إن هذه الإشارة القوية للمتصوف المرسي –الشيخ الأكبر وختم الأولياء- كانت هي النواة التمهيدية لعمل فرض نفسه على السارد منذ مدة. وحين المقارنة بين تصورات ابن عربي للجحيم وتصورات دانتي نلمح نقدا مبطنا لدانتي الذي كان يقذف بعداته وخصومه إلى الجحيم ملحا على الغيظ والانتقام. يقول السارد: «فهل يفترض تبنيه (أي دانتي) للأخرويات حسب الصيغ الأولى المعقدة من كتاب «المعراج تقدما ما في الطريق القديم للإنسان حول السلام والتآلف؟ ولماذا الإلحاح على الغيظ والعقاب بدل العفو والمغفرة؟ أليس من الأجدى الاعتصام بالمتصوفة وترك اللعنات المغتاظة جانبا وإلى الأبد؟»(14). فلماذا هذا الميل لابن عربي والانتصار له؟ في حوار بين السارد وصديقته هذه الأخيرة تثير انتباهه إلى ضرورة تعميق المقارنة بين الكوميديا الإلهية ومعراج ابن عربي والذي سبق للمستشرق الكبير «آسين بلاسيوس» أن أبرز الأثر الكبير للمعراج على الكوميديا، قائلا: «فمفهوم الرحمة الإلهية لدى ختم الأولياء لا يطابق في شيء مفهومها لدى الشاعر، كما أن ختم الأولياء لا يمكنه أن يشاطر هنا قساوته وانعدام أحاسيسه»(15). إن دانتي كما صورته صديقة السارد من خلال تلهفه على حشر معارضيه وخصومه في دوائر جحيم الهالكين يخضع لمرض نفسي طفولي وشبه منحرف. فبدل أن يتأثر لمعاناة المعذب البائس، يلتذ بالتأمل فيه. يعترف السارد لدانتي بريادته في تأسيس لغته القومية، وأن أشعاره النفاذة قوية لكنه يلاحظ «أن فهمه الهندسي البارد للعالم الآخر يصطدم بمبادئ عصرنا وأحاسيسه. إن ضراوة أوصافه الشرسة لا تنسجم وقيم التسامح والرحمة التي تهدي خطانا اليوم»(16). إن ما يبرر انحياز خطاب الرواية ورهانها لابن عربي هو مفهومه المتسامح للرحمة الإلهية التي وسعت كل شيء، وسعت حتى نازلي الجحيم، إذ العذاب بالنسبة لهم رحمة. لقد علقت صديقة السارد حول الأبيات المشهورة لابن عربي لقد صار قلبي قابلا كل صورة فمرعى لغزلان وديرا لرهبان وبيتا لأصنام وكعبة طائف وألواح توراة ومصحف قرآن أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه فالحب ديني وإيماني(17) قائلة: «فلو كان رداء الرحمة يشمل كل مخلوق وحتى الجمادات – وهي أمم أمثالكم- تسبح بالخلق والخالق، ألم يمزق ابن عربي بذلك حجب دانتي، وحدود رؤيته لعالم ماوراء القبور؟»(18). إن هذه الإحالات والشواهد وهذه المقايسات بين ابن عربي ودانتي تكشف لنا بجلاء عن ميل السارد إلى استبطان الخيال الديني الإسلامي لأنه يلبي حاجته في دعوته للسلام والتسامح والحب. لذلك وجدنا السارد ينتصر لابن عربي وللفكر الصوفي ضد خصومه، لدرجة أنه أرسل هؤلاء الخصوم إلى العذاب المهذب، يقول: «تمثل هذه الشخصيات التي ترتدي ملابس أنيقة، وتحيط بها هالة الفضيلة والقداسة، ابن تيمية وتوركيمادا، ومنيذيت يلايو، إنهم لا يعانون من أي عذاب، فلا كبريت يغلي، ولا نهش يتواصل، ولا كلاب يحمى إلى حد الحمرة، إنما عذابهم مهذب شديد النفاذ، فهم يتأملون من أدانوا واتهموا بالبدعة والمزدكية والكفر والانحراف الشائن، وهم يتقلبون في دوائر الرضوان، الشيخ الأكبر ختم الأولياء ابن عربي، الحلاج، البسطامي، والسهروردي والشاذلية الملهمون المهجورون، والسني الذكر ميغيل دي مولينوس، وضون خوسي ماريا بلانكو، فأي درس لقنوه ! لما تصوروا فردوسهم أو جنتهم ناديا مغلقا مقصورا على طائفة صغيرة، وجهلوا أن رحمة الواحد الأحد لا يحيط بها حصر»(19) ينتصر السارد للمتصوفة المسلمين والمسيحيين ضدا على الطوائف التي تكفر وتبدع وتتهم أعداءها بالزندقة والمزدكة والكفر. ونلمح من طرف خفي أن السارد يتصور فردوسه خاليا من الأدباء والمتفيهقين والمدعين والمتحلقين فهو يمقت المنتدى الكبير، قالت له المرأة: «لو كنت أعرفك حق المعرفة لقلت إن هذه المرتبة، ليست بالمرتبة التي تناسبك، أنا لا أتصورك مطلقا في إحدى تلك المسامرات النشطة، التي تخلب لب مواطنيك بين الشعراء والروائيين، والنقاد وفقهاء اللغة وعلماء النحو، وأنت تنافسهم في موضوعات أدبية إلى الأبد الآبدين، فأي عقاب قاس أن ترغم على تحمل صحبة الجامعيين والمتملقين المزينين بالأوسمة والمدللين من وسائل الإعلام وكل تلك الزمرة الغبية من الكتبة والشعراء اللوطيين، وربات الفن المتحذلقات وفاقدي الشخصية المنتفخين بغرور الاكتفاء الذين وليت منهم الأدبار فرارا»(20) لكل جنته، وكل واحد يتخيل فردوسه الخاص، والرفقة التي يريد لذلك لم يلتق خوان مع المعري الذي تخيل فردوسه ناديا أدبيا كبيرا، كان يمكن للمعري أن يلتقي ببورخيس الذي تصور الفردوس مكتبة. وأخيرا لنقل كما قال هشام جعيط «إن خوان غويتيسولو ينتمي إلى صنف الكتاب المثقفين، يشبه شيئا ما بورخيس الذي كان هو الآخر مهموما بالعالمية ومهتما بالثقافة العربية لكنه كان أكثر ارتباطا باستيهامات أوربوية، في حين أن غويتسولو ولج بعمق في الثقافة العربية –الإسلامية التي تجري دماؤها في عروقه ليظل أكبر ممثل للأدب الإسباني المعاصر. فأهمية خوان غويتيسولو تكمن في أنه أدخل الكائن العربي والإسلامي في ثنايا بناء روائي معاصر، وأصيل ومدوخ، وقد ظل بعيدا عن كل أدب استشراقي»(21) إن الأربعينية رواية كتبت بيد مقبوضة، استطاع كاتبها أن يقبض على الخيط الناظم لحبكتها ونسيجها وهي إدانة صارخة للحرب في شتى أشكالها وصيغها. وهي فضاء لتعايش الثقافات ولتعايش الخيال الديني الإسلامي والمسيحي، وإن كانت في الأخير. تنتصر للخيال الإسلامي الذي مثله ابن عربي. ملحوظة: هذه الورقة ألقيت في يوم دراسي حول خوان غويتيسولو بمراكش بحضوره. الهوامش 1- linda Gould, comment lire Juan Goytisolo, p161. 2 - Edmund White, le flâneur, Juan Goytisolo passeur des frontières (p.151., in Juan G ou les paysages d’un flâneur 3- نفسه ص152. 4- القرآن الكريم، 5- Jean chevalier, Dictionnaire des symboles, quarante, p 6- الأربعينية، خوان غويتوس، ترجمة ابراهيم الخطيب، دار الفنك، ص9 7 - نفسه، ص12. 8- نفسه، ص20. 9 - كلودأوليي، « Transit en temps réel »، ص146، ضمن كتاب (خوان غويستولو أو مشاهد متسكع) تنسيق عبد اللطيف بن سالم. 10- الأربعينية، ص35 11- هشام جعيط، L’être arabe dans une constriction، ص130. 12 - الأربعينية، ص80. 13- الفتوحات المكية، ابن عربي، الجزء 1 ص251. 14- الأربعينية، ص87. 15 - الأربعينية، ص70. 16- الأربعينية، ص75. 17- ابن عربي، ترجمات الأشواق، ص763. 18 - الأربعينية، ص 66. 19- الأربعينية، ص40. 20- الأربعينية، ص87. 21- هشام جعيط، نفس المقال المذكور، ص132. محمـــد آيــت لعميم باحث ومترجم من المغرب
 
 
   
 
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=