http://kouttab-al-internet-almaghariba.page.tl/
  هوامش للكتابة :
 

 هوامش الكتابة :عن الرواية والتاريخ
جابر عصفور
التاريخ سرد لأحداث الماضي التي وقعت، وتسجيل لأحداث الحاضر التي تقع لكن المؤرخين، عادة، يؤثرون الماضي على الحاضر في مدى الكتابة، ذلك لأن معنى الحاضر لا يكتمل إلا بعد أن تنغلق دائرة أحداثه فيصبح ماضياً، فضلاً عن أن درس الماضي وتحليل تياراته يؤدي إلى فهم توجهات الحاضر من ناحية، ويكشف حقائق الماضي على ما يراها المؤرخ، أو يحاول أن يراها، معتمداً على الوثائق والوقائع في رواياتها المتباينة والمتضاربة، من ناحية موازية، مستخرجاً ما يراه أقرب إلى المعقولية والتصديق بأقصى ما يستطيعه من الموضوعية المنهجية، هذه الموضوعية المنهجية لا تجعل من التاريخ «فناً» يخضع للأهواء الذاتية أو المصالح الإيديولوجية للأفراد والجماعات التي تحيل التاريخ إلى وعي زائف بالماضي والحاضر على السواء، وإنما تجعل التاريخ «علماً» بالمعنى الذي يتمايز به مفهوم العلم في العلوم الإنسانية وكما يراه بعض فلاسفة العلم، فإن معنى العلم في العلوم الإنسانية يلازم حقيقة أن ذات الباحث هي بعض موضوع البحث بمعنى من المعاني، وذلك على نحو لا يحدث في العلوم الطبيعية التي تنفصل ذات الباحث عن موضوعها، وتستقل عنه على نحو لا يحدث في العلوم الإنسانية التي تغدو الذات أسيرة عدساتها الإيديولوجية ومواقفها الفكرية والسياسية والضغوط الواقعة عليها دينياً أو سياسياً أو اجتماعياً ولذلك لابد من الإلحاح على توافر عنصر الموضوعية المنهجية في العلوم الإنسانية، لا لإلغاء علاقة الذات بالموضوع، بل لضبط خطواتها المنهجية، والسيطرة على الأهواء، ووضعها نفسها كموضوعها ومعطيات درسها موضع المساءلة الدائمة التي تبدأ من المعطيات، خصوصاً من منظور استنتاج علاقات سببية بين هذه الوقائع في مدى تفسيرها.
أما الرواية فهي سرد تصويري، رمزي بالضرورة، لأحداث التاريخ الماضي، وذلك من خلال وجهة نظر لا تفارق الذاتية في تشكيلها، ويهيمن الخيال الروائي على تخليق علاقات جديدة بين الأحداث، أو يخلق شخصيات وأحداثاً لا أصل لها من الواقع التاريخي الحرفي ويتبع الخيال، في فعله الابتكاري، رؤية المبدع الروائي للعالم وجوداً وعدماً، متسقاً معها في نتائجه، ومجسداً قدرته الخاصة في خلق خصوصية العمل الذي يصوغه مستهدياً بهذه الرؤية، خصوصاً في مدى تركيب وترتيب الوقائع الثابتة بما يعني، أولاً، إعادة إنتاجها إبداعياً، ويعني، ثانياً، إقامة علاقات بين هذه الوقائع والشخصيات التاريخية الفاعلة لها وشخصيات ووقائع لا أصل لها من الواقع التاريخي، ولكن لها وظيفة فنية في بنية السرد أو القص، خصوصاً من منظور قدرتها على الإسهام في تجسيد رؤية كاتب الرواية بوجه عام، وتجسيدها البنيوي لخصوصية رؤية هذه الرواية أو تلك، داخل السياق الذي يجانس بين رؤيتها الخاصة والرؤية العامة للروائي الذي تتجلى رؤيته الكلية للعالم من عناصرها التكوينية الموزعة على الرؤى المفردة لروايات هذا الروائي أو ذاك ولذلك نستطيع أن نتحدث عن رؤية عالم شاملة في روايات والتر سكوت الإنكليزي أو ألكسندر دوماس الفرنسي أو روايات نجيب محفوظ التاريخية لكن كل رؤية عامة لكل كاتب من هؤلاء الروائيين العظام نتحدث عنها، حتى لو لم ننتبه، في مستويين: أولهما كلي يتصل بالرؤية المبسوطة على كل الروايات التاريخية والمنسربة فيها مثل عروق الرخام، وثانيهما كل رواية تاريخية مفردة، سواء من حيث تعين بنيتها ووجهة نظرها، أو مدى خصوصيتها وتفردها، أو حتى قيمتها الجمالية الخاصة، داخل المجرّة الجامعة لرؤية العالم الكلية لكاتب الرواية التاريخية المتميز، ذلك الذي يعرف بها وتعرف به وأعتقد أن شمول الرؤية ودرجة عمقها، وتفرد تجسيد العام بواسطة الخاص، وحيوية الشخصيات وتعدد جوانب كل منها، واتساق الأحداث وقدرتها على الإيهام بدرجة لافتة من الواقعية، فضلاً عن تعدد مستويات الدلالات الرمزية، المتولدة عن علاقات البناء الروائي، كلها عناصر يضعها الناقد في اعتباره في أثناء عملية التقييم النقدي لكل الرواية أو لأجزائها.
وأتصور أن تناغم علاقات بنية كل رواية تاريخية خصوصاً في مدى الوصل بين عناصرها التكوينية، يستوي في ذلك مع ما أعيد إنتاجه من شخصيات ووقائع تاريخية، ومالا أصل له من التاريخ وإنما هو من ابتكار الخيال الروائي الذي يبدع في إطار بنية كل رواية، كل ذلك عامل حاسم في قيمة الرواية التاريخية جمالياً هذا العامل هو معيار القيمة في عملية إعادة إنتاج ما سبق حدوثه، تكبيراً أو تصغيراً أو تركيزاً على هذه الصفة أو تلك وغير ذلك من وسائط التأويل التي تتشكل منها عملية إعادة الإنتاج. وهو معيار القيمة بالقدر نفسه في قياس جزء القيمة الذي يستحقه المخترع الذي لا أصل له في التاريخ الفعلي، شخصيات أو أحداثاً، وذلك من منظور جمالي وظيفي، يتصل بقدرة المخترع على التناغم مع ما أعيد إنتاجه، خصوصاً في مدى المساعدة الفاعلة في عملية توصيل رؤية الكاتب الخاصة بكل رواية على حدة، وقدرته، من ناحية أخرى، على إضفاء حيوية على السرد والأحداث، وإلقاء المزيد من الضوء التفسيري على الشخصيات ذات الأصل التاريخي، سعياً وراء تجسيد إبداعي لرؤية الكاتب وتجسيدها عبر موازيات رمزية متخيلة (لها أصل تاريخي) ومتوهمة (ليس لها أصل) ما ظل الهدف هو الحقيقة الفنية لا الحقيقة التاريخية، فالأولى أكثر شمولاً وأعمق مغزى، قياساً على ما كتبه أرسطو في القرن الرابع ولا يزال الإبداع الأدبي مصدّقاً على ما ذهب إليه، خصوصاً عندما نضع في اعتبارنا الخاصية النوعية للإبداع من حيث هو فعل تعرف ومعرفة للكاتب قبل أن يكون فعل تعرف ومعرفة للقارئ.
والفارق بين الروائي والمؤرخ متعدد الأبعاد من منظور الرواية التاريخية في هذا السياق صحيح أن كليهما لابد له من المخيلة التي تخلق علاقات بين المعطيات المتراكمة لتمنحها معنى ومغزى، أو تعيد تفسيرها بخلق علاقات جديدة بين المعطيات المتراكمة نفسها وما قد يضاف إليها مما لم يكن معروفاً من قبل ولكن مخيلة المؤرخ يغلب عليها ويوجهها منطق الوعي التاريخي الذي لا يملك حق اختراع أحداث لم تقع أو شخصيات لم توجد وعلى النقيض من ذلك مخيلة الروائي الحدسية (لا المنطقية) التي تضيف إلى ما سبق استبطان الشخصيات التاريخية الفعلية وتقمصها، وجدانياً أو فكرياً، وتحويلها إلى شخصيات روائية متخيلة، لا تتفق أو تتطابق في أفعالها مع الوقائع التاريخية إلا على أساس مبدأ الاحتمال والضرورة الذي تحدث عنه أرسطو ولذلك تغدو الشخصيات التاريخية النائية في الزمن أكثر إنسانية وقرباً من وجدان القارئ بعد تحولها إلى شخصيات روائية، يتعاطف معها القارئ أو يتفهم سلوكها، أو ينفر منها أو يدنيها، بعد أن رآها من قرب، ورأى ما يموج في داخلها من صراعات، ونوازع للخير أو للشر.
ومن هذا المنظور، يبرز فارق أساسي بين الرواية والتاريخ من حيث الإشارة إلى الزمن، وهو فارق لا يقتصر على الرواية وحدها، وإنما يشمل الأدب والفن كله مقابل التاريخ إن الإشارة إلى الزمن أحادية البعد في الكتابة التاريخية التي تشير إلى زمن فعلي انتهى، محاولة تفسيره وتبريره، مستخرجة منه نوعاً من العبرة المباشرة أو غير المباشرة، عملاً بحكمة أحمد شوقي: وإذا فاتك التفات إلى الماضي/ فقد غاب عنك وجه التأسي.
ولكن الرواية التاريخية، عندما تنجح في تحويل الشخصية التاريخية والحدث التاريخي الفعلي إلى حدث متخيل وشخصية متخيلة روائياً، فإن نجاح إنجازها الإبداعي يكسبها خاصية الإشارة إلى ثلاثة أبعاد للزمن: الماضي الفعلي الذي وقعت فيه الأحداث وعاشت فيه هذه الشخصية أو تلك بكل ما انتهت إليه، والحاضر الذي يمكن أن تعيش فيه هذه الشخصية وتتكرر الأحداث التي وقعت من قبل في الزمن الحالي للقارئ المعاصر وبالقياس نفسه، احتمال وقوع الأحداث القديمة، بعضها على الأقل، بقانون الاحتمال أو الضرورة إذا تكررت الشروط والأسباب الفاعلة في المستقبل وهذا هو السر في أننا، في أحيان كثيرة، نصف الروايات التاريخية بأنها مرايا الحاضر، حيث تنعكس صورة الحاضر في ماض يشبهه، وذلك من منظور المشابهة التي تدني بطرفيها إلى حال من الاتحاد ونتحدث عن إسقاط الروائي التاريخي أحداث الماضي على الحاضر، ربما على سبيل التقية التي تجعله ينطق المسكوت عنه بواسطة الموازيات الرمزية بين أحداث وشخصيات الحاضر وماض يحمل معنى المشابهة، وينطق المقموع من خطاب الرفض السياسي أو الاجتماعي أو الديني لما يحدث في الحاضر، ولما يمكن أن يحدث في المستقبل.
هذا ما فعلته روايات تاريخية عدة عربياً وعالمياً، لكني سأقتصر على الإشارة إلى روايات تاريخية لا تزال تمارس تأثيرها الإبداعي على القراء.
الرواية الأولي «الزيني بركات» لجمال الغيطاني التي كتبها في السنوات التي أعقبت هزيمة العام السابع والستين والتي وجد ما يوازيها في هزيمة مصر في مواجهة الغزو العثماني الذي اجتاح البلاد، نتيجة فساد الحكم الذي اقترن بتسلط السلطة الحاكمة وظلم الشعب الذي لم يجد المأكل والملبس، فضلاً عن قمع المثقفين الذين غيبتهم المعتقلات البشعة التي لا بد أن تذكّر قارئ الرواية بمعتقلات عبد الناصر، وفساد جهازه الأمني الذي قمع وأذلّ وأسرف في تعذيب أحرار الفكر، بدل الاستعداد لمواجهة العدو المتربص على الحدود، فكانت الكارثة التي لم تبق على شيء، ولا حتى على «الزيني بركات» الذي تحول إلى رمز لرجل الأمن الناصري ومتولي سجونه الرهيبة التي تحيل البشر إلى أرقام، على نحو ما أوضحت القصة القصيرة البديعة «هداية الورى فيما جرى في المقشرة» ولكي يراوغ جمال الغيطاني الرقابة الساداتية التي كانت اسـتـمراراً لـلرقـابـة الناصرية بمعتقلاتها (مع فارق كمي) فإنه اختار من أحداث التاريخي ما يفسّر أحداث حاضر ما بعد الهزيمة رمزياً، واستخدم لغة مؤرخي العصر المملوكي لينأى بالنص الروائي عن القارئ بما يدفعه إلى المزيد من تأمله والتأني إزاء فهمه لتتكشف علاماته الظاهرة عن ما يختبئ تحتها، وما لا يشير إلى ما حدث في الماضي فحسب، بل ما حـدث في زمـن قراءة الرواية، وما يحدث في كل زمن تتكاثف فيه شروط الاسـتبداد وغياب العدل الاجتماعي وسطوة حكم العسكر بمعتقلاته التي تغيّب الأحرار من المفكرين وفاعلي المقاومة في سجون وحشية.
وأذكر جيداً أنني عندما قرأت «الزيني بركات» أحسست برجفة الشعور بإدراك إلى أي مدى ينطبق الماضي على الحاضر والحاضر على الماضي وقوبلت الرواية بنجاح منقطع النظير، جعل منها إحدى روائع الرواية التاريخية، في أداء دورها الإبداعي في المقاومة بالكتابة، في مدى أدب الرفض والمقاومة على السواء، فقد خلفت الرواية في مشاعرنا درجات عالية من الغضب والسخط على السواء وكانت بمثابة فعل جذري من أفعال معرفة الماضي الذي يشبه الحاضر في ما انتهى إليه، والحاضر الذي انعكس على مرآة الماضي، فرأينا فيها هواننا وسوء مآلنا وكان ذلك باعثاً على المزيد من الرفض، واستنهاض طاقة التمرد بالكتابة التاريخية التي تحولت من فعل تعرف على الماضي والحاضر الذي يشبهه إلى فعل تمرد ومواجهة لكل الأسباب والنماذج البشرية التي أدت وتؤدي وسوف تؤدي إلى الهزيمة في الحاضر كما الماضي والمستقبل الذي لن يجاوز الحاضر إلا إذا تمردنا عليه وثرنا على كل ما فيه من شروط الضرورة والتخلف والتسلط وإلغاء للآخر وحق الاختلاف ولا أزال أشعر، شخصياً، بهذه المشاعر المتضاربة، في توجهها الإيجابي، كلما قرأت «الزيني بركات» وأضفت إلى متعة قراءتها الأولى متع قراءاتها المتعددة.

 
   
 
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=