http://kouttab-al-internet-almaghariba.page.tl/
  ليالي الأنس
 
«
ليالي الأنس في شارع أبي نؤاس» رواية الأمل

يوسف الصفار


إن أول ملمح لنص ناجح، دون تفاصيل شائكة، هو قراءته طوعا لمنطقيته، من غير إغراءات مارلينية ومحسنات لفظية وفنطازية. ذلك ما دعاني لتقديم رواية "ليالي الأنس في شارع أبي نؤاس" لبرهان الخطيب هنا، وقد وجدتها اجتازت مرحلة فحص واختبار وتثمين بعد تناولها من أكثر من ناقد، وفي أمسية أدبية وأخرى، تحدثوا عنها بإيجابية، ومرت إلى إذاعة ستوكهولم العالمية حيث قدم برنامج خاص عنها، تخلله حوار مع كاتبها، إلى الإعلان عنها مؤخرا من مصر "2" باعتبارها من أكثر سبع روايات عربية إثارة للجدل. وكان الروائي الجزائري الطاهر وطار أول وصوله روسيا عام 1986 طلب من الخطيب رواية أبي نؤاس ليقرأها، وانتهى منها بليلة، والمخرج العراقي قاسم حول التهمها خلال ساعات، في طائرة خلال سفرة من بيروت إلى موسكو، وقال للخطيب عنها: هذا سيناريو عال جاهز للمسرحة والسينما! الطاهر وطار ذهب أبعد، قال للخطيب بالحرف مبتسما: البعثي الذي منع هذه الرواية غبي، فهي رواية بعثية بامتياز، قومية، لو كنت مكانه ما منعتها! سعدي يوسف كان جوارهما، برهان قال لا أدري سمع سعدي ذلك أو لم يسمعه. الطريف أكثر إن الشاعر، الوزير السابق، شاذل طاقة، سفير العراق حينه إلى موسكو، دعا برهان الخطيب إلى حفلة بالسفارة، بلّغه إعجابه بالرواية، لكن أخذ عليه تناوله القضية الكردية فيها وإهماله القضية الفلسطينية. رد برهان: خليني أحكي عن مشكلتي الوطنية أولا، بعد ذلك المشكلة القومية على رأسي، حتى لو كانتا عملة واحدة! وعندما كنتُ في موسكو أوائل السبعينات، بإيفاد رسمي كمهندس، أخبرني برهان عن اقتراح الشاعر طاقة لاحقا أيضا، عن احتمالية تبديل حميد الكردي في الرواية وجعله فلسطينيا، مع تعديل خلفية الرواية قليلا فتظهر الساحة الفلسطينية بدل حرب الشمال. وجدتُ الاقتراح معقولا. قلتُ له: لماذا لا تفعل ذلك، لا بأس بولادة جديدة للرواية! رد برهان بجد: أفعل ذلك، لو قلتَ لحرمك المصون، حين تلد لك طفلا عراقيا، أرجعيه، هاتِ لي رجاء بدله طفلا أزرق العينين أشقر. لم تكن تلك أول ولا آخر مرة رفض الخطيب مساومة، فيها كسب لو امتثل، طلبوا منه أيضا تبديل انتماء بطل روايته "بابل الفيحاء" لتنشر حلقات بمجلة أسبوعية، ويُصور منها فيلم، فقال: الروائي قد يفسر التأريخ، لو حالفه حظ، لكن لا يعيد كتابته. لم ينته الكلام في رواية أبي نؤاس بعد سنين، خاصة وقد جرى استلهامها لأكثر من رواية عربية، شقة الحرية للقصيبي، ذاكرة الجسد، التي لم تكتف مدبجتها بنقل هيكل رواية الخطيب إليها، مع تنفيذ فكرة الشاعر، المحلقة عادة فوق الأمكنة والأزمنة، حميد صار فلسطينيا، له اسم آخر طبعا، وشلل اليد بالتعذيب العراقي انتقل إلى يد جزائري، بإصابة من فرنساوي، والرسام العراقي صار رساما جزائريا، نفس البنيان والهموم، والفتاة العراقية المنكوبة صارت جزائرية، والخلفية تحولت من حرب الشمال إلى حرب الجزائر، تلك طريقة شائعة، هات واحدة أو روايتين أصنع ثالثة، وليصير العمل أبهة، السرقة عند كبار جَد، أو لا سرقة، قامت الكاتبة بنقل مكيدة سيرانو دي برجراك المعروفة، كتابة رسائل الحب نيابة عن آخر، بقضها وقضيضها، إلى "روايتها"، وعيني عينك، الجسد بعشرين طبعة، ورواية الخطيب هذه تباع خفية، الكاتب الشجاع إسماعيل فهد إسماعيل هرّب نسخها بسيارته، من بيروت إلى بغداد وأبعد، لتكون في متناول القارئ، ذلك ما ذكره صاحب مكتبة النهضة ببغداد، السيد حياوي الأب. هكذا هو الأدب.. عملية تواصلية، مرة بشجاعة.. بالنقض، ومرة، تعرفون كيف.. بفهلوة. غير ذلك، ماذا في هذه الرواية، لماذا تثير الاهتمام المتواصل، خاصة بعد اكتمال نظمها ونشرها مؤخرا من دمشق والقاهرة في آن واحد؟!.. لنعد أولا إلى بعض البدايات. أنشودة النهر. تلكم الأزمان البعيدة التي منها يرسم برهان الخطيب "ليالي الأنس في شارع أبي نؤاس" كنا طلبة بكلية الهندسة، عند باب المعظم، نأخذ شارع الرشيد مشيا، إلى نهايته البعيدة، ساحة التحرير، ننعطف إلى شارع أبي نؤاس ونغور محاذاة دجلة الخالد مع تعرجاته، ونحن في لجّة نقاش عسير، على عادة المشّائين عهد سقراط، نحو الماضي وألمه، نحو المستقبل وأمله، معبدين أحلامنا برؤى فلسفية متنوعة، مما كنا ندرس وننقض، وتصورات لا تنتهي في الأدب والفن، وأحاديث في الرواية والروائيين، والغروب على الجهة الثانية من النهر ينبهنا بألوانه الأرجوانية على سطح النهر بأن للوقت أيضا أحكامه وحدوده. مرة أخرى نتعاهد على تغليب واجباتنا الهندسية على الثقافية، ومرة أخرى تتغلب علينا أصوات الوجود، البعيد والقريب، نعود في اليوم التالي إلى تشريح الحياة والمجتمع والذات. وتعاقبت سنوات ويطرح برهان أمام الناقد الكبير د. علي جواد الطاهر الصيغة الأولى من رواية شارع أبي نؤاس، يقرأها الناقد، تعجبه، يميزه بمجلة "ألف باء" حينه عن كتاب الستينات، باعتباره نسيج نفسه، لا ينتمي لأي من التيارين التجريبي والواقعي السائدين آنذاك، بل ويشجعه على إكمالها بجزء آخر، وهو ما يفعله الخطيب بعد أربعة عقود. هكذا تتسع قصة الشارع العريق في "ليالي الأنس.." برفعة للواقع على يده، أو بقلمه، إلى رحبة جديدة للأدب والفكر، وقت ظل العراق وأهله يحترق وما زلنا بسياسات بؤس، في هجير احتراب واحتلال وفرقة، ولا سقف يحمي الرؤوس والنفوس غير الحظ والأدب السامي الذي وصلنا منه ومن البعض القليل بسخاء منقطع النظير. لقد اهتممنا بالسياسة منذ ذلك الحين، بل قبله، لكن استبعدنا مبكرا منها أي أيدلوجيا، مصلحة الناس وحرية الفرد نبراسنا، ذلك وجدته ما زال أساس عمل الخطيب هذا، يقيم عليه بناءه الفني، بل وغيره مما قرأت وقدمت على "العرب الأسبوعي". نعم، شغفنا بالفلسفة وأبحرنا معها، لكن تجنبنا مرسى معدا سلفا لاحتكار الرؤية، لتجميد حركة مجتمع، إذ بتقلب الأحوال قد ينشد الكائن حسن مآل. بذلك التنوع والإرهاص أيضا فتحت رواية برهان الخطيب ”ليالي الإنس.." نافذة على المثقف المهزوم المنتصر في آن، على ما ورائه، من لحظة تاريخية إلى أخرى، كيف لا والرواية الحسنة هي صوت الزمان "بتعبير ديورانت"، فيما رأى ناقد وآخر رواية أخرى للخطيب صوتا.. للمكان "3". الزمان هنا هو المختبر والوسط الذي نميز به الخبيث عن الطيب... عبره يأخذنا الكاتب مرة أخرى، كما في رواياته السابقة، بآلة الزمن، خاصته التي يجيد توجيهها، نحو هذا الجزء من الماضي، نحو ذاك، مرة أخرى إلى الحاضر، ليضعنا في مفترقات ومقتربات، يسحبنا معها من واقعنا، لنناقش أنفسنا والآخرين، بحوارات فكرية فلسفية، قد نسهو عنها حينا، لكن حين نعاود القراءة نكتشف.. إن لكل كلمة ضرورتها في الرواية! فماذا يريد منا هذا الكاتب المخضرم، اللعوب، حين يتركنا في مخاض، ينومنا مغناطيسيا، ثم يوقظنا بضربه الرنان، يهز أعماقنا، يستفزنا.. وفي النهاية.. يفجر ينابيع لحنه، فنغتسل بتدفقاته... هذا الماكر، غير الشرير، برهان، مهندس الكلمات الصعبة، والجمل الوعرة، إذ يحوِّل حتى المتداوَل سردا إبداعيا، ذا إيقاع صاف، وقد تعجز عن اللحاق به، والتقاط ما في القرار. إرادة من غير طحين ما تصنع عجين. الرواية تبدأ مع غزو العراق، تسقط أحداث الماضي على الحاضر، حميد ”كردي شيوعي" غادر بلده عام 1963 الدامي ويعود إليه، إلى ذاته، تعود أيضا أيام قصف قوات التحالف لبغداد، بداية التسعينات، أحداث شهدها صديقه الرسام "سامي" مرهف الإحساس، من شقته مقابل القصر الجمهوري، مرغما. هو فنان، مولع برسوم البحر، شقته متواضعة في شارع أبي نؤاس تصبح محطة تغييرات كبيرة، على صعيد فردي وعام، قطار الحرب ينتزع منه ابنه نبيل، أقارب، أصدقاء، معارف، اختفوا، عادوا، يحلم بتفريغ ذاكرته من كل شيء، لعله يستريح من كابوس التأريخ، من لعنة الجغرافيا، لكن هيهات، الاحتلال أشعل كل البلاد، النار تقترب إلى بيته حثيثا مرة أخرى، ورغم بؤس ذلك وخطورته يقرر سامي مواجهة حياته المحطمة بروح تتجدد وتتوثب، بحديث متواصل لصديقه المؤلف عن الكارثة "هذا في ذاته تكنيك مبتكر، كرّسه الخطيب قالبا فنيا مرنا لسرد روائي" كل ذلك مُبَرر ومقبول، مشوّق، إطلالة على حياة شخص آخر تُغْني على أي حال، خاصة شخص عرف الكثير، نوى عدم الصمت، كنهر دجلة الزاحف أمامه وفيه الجثث طافية فرادى وجماعات. إذن، العام الثالث من الألفية الجديدة، يعود صديقه وشريكه في الشقة "حميد" بعد غيبة مديدة، بين الفيافي والمنافي، فرحا مستبشرا بزوال كوابيس الغربة والوطن، فرحة لا تطول، تجندله طلقة غادرة، لا يُعرف مصدرها، عند مدخل الشقة، ويجد سامي نفسه مسئولا عنه، البحث عن راحة البال يتبدد هباء، من حكم إلى حكم، سيزيف رفع صخرة قدره إلى القمة، دحرجتها الآلهة، وها هو يرفعها مرة أخرى، في إشارة لمّاحة لتداخل مصيري العرب والأكراد، بل مصائر البشر عموما على هذه الأرض. أول "ليالي الأنس.." مكالمات خارجية، يتمنى حميد بالتلفون عودة الأيام الخوالي الحسان، لكن صديقه الرسام ينبهه، إلى إن الوضع بعد الاحتلال في العراق غير محتمل. يعيب حميد عليه هذا التصور، منذ هذه اللحظة تنشق بوصلة المؤلف باتجاه الشخصيتين، ترصد ردودا مختلفة، لفعل واحد، تلتقي ثم تتطابق أخيرا، في وطن الإصابة الواحد، شخصان مختلفان في الظاهر عن مبعدة، يتبديان متوائمين متلائمين تماما عن مقربة. رغم تباين تكوينيهما في الماضي نراهما متقاربين بالانتماء الوطني، في الرؤى والآراء دون افتعال. كلاهما يسعى بشرف نحو حياة أفضل، ذلك يعزز الثقة والصراحة بينهما، وللقارئ مع وسطه اليوم، استمرارا لما بناه مثقفو جيل الستينات، المختلفون فكريا، المنسجمون قلبا وقالبا. حميد الكردي الشمالي يجد بالإرادة كل شيء يتغير، وسامي ابن الجنوب ينقضه، بأن الإرادة تتطلب مستلزمات، غير متوفرة الآن، وينتظر كلاهما اجتياز مرحلة النقاهة من الجرح، ومواصلة الحياة وتحدياتها. سعى بظلفه إلى حتفه. حين يعود حميد إلى بغداد ويلتقي زميله يتمادى بايجابياته، كون الوضع سيكون أفضل مع تسليم الأمريكان السلطة إلى الوطنيين من أصدقائهم. سامي اعتبر ذلك أضغاث أحلام، تمتم بلغة شكسبيرية عامدا، ملائمة لموقف مسرحي حوله، بل كمخمور لعب بالكلمات بحثا عن بقية معنى: "قلت في نفسي احلم، لا بأس، لكن في بعض الحلم ضرر، إذا لم يكشف عن الخطر. هذا الرجل قد يُقتل رغم الذكاء والحذر. لا سيطرة عليه من حب بطر. على لسانه.. ما شاء سطّر الهوى، والكراهية.. أصابت الناس بالنوى.. ص24" يُدهش لعدم تغير صديقه كل الأعوام الطوال، وذاك يجيبه "الفضل للفن، ثلاجة مضمونة ضد العثة... ص25" وهو يحنو عليه، بعد إصابته ونقله من المستشفى إلى الشقة، ولإذكاء ذاكرته وصحته، إضافة إلى تحضير الأطعمة المفضلة له يمارس معه لعبة إيقاظ روحه، بمواضيع قديمة، بإيحاءات ربما صادرة عن تلك الفتاة التي عرفاها، مرسومة الآن بورتريت معلقا على الحائط، "نعيمة" ذات العيون الخضر، طبعا يتذكرها جيدا، التقى معها في بيروت، جرفتها حياة الحرب إلى هناك. ثم نعلم أن سامي قد مد يده إليها، لإنقاذها، بعد عودتها إلى بغداد. إنما تمهّلْ هنا، ها قد لاح رأس خيط الأحداث، المتشابك في عمق الرواية، منه تتفرع فصولها المثيرة لاحقا. لوريل وهاردي وخليج اكوبولكو الليلة الثانية عنوانها "الشقة" ننتقل إلى محور الرواية، محور الأمكنة التالية، لها عدد الصفحات الأكثر، عبر سطورها الغنية بالحوارات ينقلنا المؤلف إلى أيام الانقلاب على الثورة عام 1963 ، يداهم الشقة أفراد من الحرس القومي، جلهم من الشباب المتحمس، المزود بالرشاشات، باحثين عن "حميد حويزاوي" الشيوعي الهارب.. تحت إلحاح رنين جرس الباب يخرج "سامي" إليهم عاريا من الحمام، وقت كان "عداي" ابنة خالته والشريك الثالث في الشقة يغط بنوم عميق، لا حظ له بخلوة مع صوت فيروز، ولا بانكفاء عن السياسة، يجد نفسه في مشهد مرعب مضحك، "حردان" شبيه لوريل بالِقصر والنحافة، وأخوه "شرهان" شبيه "هاردي" بالطول والبدانة، رمزا غضب وشراهة. الثالث رومانسي، حققوا مع سامي، والرفيق يتأمل صورة البحر الممتد إلى أفق بعيد، لوحة لخليج اكوبولكو على حائط المدخل. إنما هكذا هو الواقع أيضا، متعدد الأوصاف، والأصناف، لكننا بالخوف، أو بغيره، نلتفت إلى واحد منها فقط. مع إيغال الأخوين في إيذاء سامي يعزم على رسم لوحة في الغد، اللون الأسود طاغ فيها، بينما يستمر دجلة في الجريان غير عابئ بأحد، كأن المؤلف يؤكد على رعونة البشر "العاقلة" وحصافة الطبيعة "غير العاقلة". بالمناسبة، للطبيعة مكانة كبيرة في إبداع برهان الخطيب، وانحسار هذا الملمح في الرواية العربية عموما، اعتقد لو كرس دارس لذلك بحثا وجد أن الخطيب لا يلجأ إليها كديكور، لحشو في سياق متكامل عنده عادة، بل كشخصية مستقلة في ذاتها، تدخل في حوار خفي، من خلفية الأحداث، مع بقية الأشخاص في الواجهة، كما في الواقع أيضا، لكنا لا نلتفت لذلك. وقصصه: السحب الخريفية، أم الوز، عراك، البكاء والبحر، الطفل والشيطان، وهوى النسر، جزيرة الملعونين، إلى آخرها.. أومالوس، تؤكد علاقة حميمة للمؤلف مع الطبيعة. علاقة لم تنشأ بعد رحيله عن البلاد وتفاعله مع طبيعة جديدة نبهته لطبيعته الأم العربية، بل قبل ذلك، تؤكد قصصه الأولى. من أين جاء هذا الاهتمام؟ سأله أحد أصدقائه عن ذلك، فأجاب لو عدنا إلى أدبنا العربي القديم وجدناه مليئا بصور الطبيعة الموحية الملهمة، أيضا طبيعة العراق المتنوعة، السهل والجبل والبادية والأنهر والوديان، غنية بالألوان والمعاني، الكتّاب العرب مقصرون عموما، نتيجة عدم الاستقرار، بقلة استلهام طبيعتنا الرائعة، رغم الجفاف والحر والإهمال، في إبداعهم وحياتهم اليومية. حفيدة أخته لما عادت من الغرب إلى العراق أجهشت في البكاء، سألتها أمها ما بك؟ أجابت الطفلة: النخلة أبكتني، صار زمان ما غمزت لي. هكذا تفاعل صميمي مع الطبيعة ضروري لنا جميعا، لصحتنا النفسية وتربيتنا الوطنية
.
 
   
 
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=