http://kouttab-al-internet-almaghariba.page.tl/
  جميلة كغريق السراب
 
جميلة كغريق السراب
كتبها : مجموعة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة في الثلاثاء، 21 ديسمبر، 2010 | 0 التعليقات
جميلة كغريق السراب
علوان حسين
 
جميلة كغريق السراب
قارة شعرية باذخة
قدم له
" عيسى حسن الياسري "
" خلل ما .. في هذا العالم
موجود .. ألمسه وأراه
وأشعر به غامضا ًوواضحا ً
كيد ٍ تفكر عن صاحبها
وهي تخط القصيدة .............. "
عندما ظهر الشاعر المارتينيكي " أيميه سيزير " وصفه – بريتون – بقوله :
" إن ّظهور أيميه سيزير بالنسبة لي يأخذ أهمية ظهور علامة من علامات الزمن "
وقد لا أكون متحيزا للشاعر – علوان حسين – عندما أقدم له بهذا المفتتح المهم , ففي عصر الانهيارات الذي نعيشه على كل المستويات سواء الإنساني منها أو الإبداعي تبدو تجربة هذا الشاعر تجربة متفردة بل ورائدة إلى حد كبير, في هذا الوقت الذي فقد الإنسان فيه رغبته في أن يواصل عيشه في هذا العالم الذي يشبه قصبة ترتجف أمام الريح والبرد واشفار المناجل التي تتحفز لحصدها , يرتفع صوت هذا الشاعر مبشرا ًبولادة الحياة من خلال صديق رحلة الإنسان الأزلية – الشعر- , هذا الفن المدهش الذي ساعد البشرية منذ أن قذف بها منسية فوق كوكبنا الأرضي على تجاوز محن كثيرة مرت بها .
وبالرغم من أن الشاعر –علوان حسين – قد تربى في حضن كوابيس عالمنا الذي فقد شرط حنانه وأبوته وحسه الإنساني إلا أن هذا الشاعر ظل يتحدث عن الحب والفراشات والورد والينابيع , ويرسم لنا صورة أبوية حتى للموت عندما يتحدث عنه , وهذا ما يجعلنا نقف أمام أناقة وزهو قصيدة يضع كاتبها ما بينه وبينها مسافة من الماء والضباب والدموع , هو لا يكتب قصيدته , لا يجلب قرطاسا ًوقلما ً, لا يجلس إلى منضدة , لا يفكر بأسلوبية قصيدته , بنائها المعماري , رموزها استعاراتها علاماتها الدالة , تشريح لغتها وتغليفها بورق –السلوفان – كما يفعل البعض تحت شعار –تغريب الشعر – هنا شاعر ساحر , في منديله الصغير تختبئ سماء هائلة ,محيط تستحم به نساء عاريات , رياح ترقص دونما موسيقى أوعازفين , أسراب عصافير وحمام وفراش وحقول أزهار تنفرش كسجادة نسجها المطر ,وحاكتها أنوال ندى فجر أنيق نفض عنه آخر ذرة غبار ليلي كانت تعلق بأكمام قميصه الأرجواني , وفي منديل هذا الساحر غابات استوائية بأغصان من كريستال , وأوراق من ذهب وفيه أيضا ً صحارى وبساتين كروم ,نبيذ معتق ونهود تمارس أحلامها في أكثر لحظات العالم خرابا , وفيه أيضا ًزنازين , وقلاع تئن بين جدرانها صباحات شقر , أغان ترشح من ثقوب حناجر بشرية ممزقة , في هذا المنديل كنوز من الموت والياقوت النادر ,ملائكة وشياطين يتبادلون الأدوار من أجل تشكيل جحيم أرضي لا يضارعه جحيم الأسفار الثلاثة , وفي هذا المنديل نجوم ومجرات وكواكب سيارة . وما لا رأت عين ولا سمعت أذن , ومع هذا فهو لا يكتب قصيدته , هو جالس هناك في زاوية مقهى في منفاه يتلذذ بالنظر من وراء زجاج المقهى إلى سيقان النساء اللواتي يعبرن الشوارع , أو يجلسن على مسطبة في متنزه عام , ربما كان ممدا ًعلى سرير رث في غرفة بيت متداع في أحياء زنوج أمريكا وهو يداعب قطته الكائن الوحيد الذي يشاركه عزلته المتوحدة . قد يصغي لصوت المطر وهو يعزف موسيقاه الموحشة فوق سطح البيت , قد يأخذه صوت الريح ممسكا ًبه من يده ليعيده إلى حضن كوخ نام على ذراعه صغيرا ً , قد ينشغل بذكرياته , أو يطهو طعاما ليومه القادم , قد يغسل ثيابه المتسخة , ربما يبكي وهو يتذكر طفولته السعيدة بشقائها , وقد يمسك بموسى يحاول أن يقطع بها شريان يده احتجاجا على لحظة داعرة أسقطته من طمأنينة رحم أمه إلى كهف مليء بالذئاب والأفاعي , قد يفعل – علوان حسين – كل هذا وأكثر , ما لا يفعله هو أنه يجلس متكورا ًعلى نفسه مرتجفا ًمرعوبا ًفي حين تكتب قصيدته نفسها بنفسها دونما أي تدخل منه , فهو يعيش حيادية تامة مع أفكاره , هو جسد يرقص ويتعذب , يضحك ويبكي , ينام في زنزانة أو على سرير جسد امرأة تزوره في الحلم , يده وحدها هي التي تفكر عنه , هي التي تركض لاهثة لتلحق بحياة أخرى أكثر وجعا ً وأناقة , حياة تستوطن قارة ثرية وباذخة ,قارة قصيدته التي لم يكتبها , القصيدة التي تريد أن ترمم خلل هذا العالم ,الخلل الذي يلمسه ويراه :
" خلل ما في هذا العالم
موجود .. أراه وألمسه
وأشعر به غامضا ً.. وواضحا ً
كيد ٍتفكر عن صاحبها
وهي تخط القصيدة .................. "
وهو هنا يؤسس لفكرة نقدية , فكرة لا علاقة لها بموعظة , هناك خراب - تأسيس شعري - إنه يراه ويلمسه , يشعر به غامضا ًوواضحا ً, وكل ما يفعله لا صلاح هذا الخراب هو أن يترك يده وحدها هي التي تفكر بطريقة لا صلاحه , إذن فهو وكما عند – السرياليون – يضع حاجزا ً بينه وبين نصه , إنه لا يتأمل بناء هذا النص , لا ينشغل باللغة , لا يتوقف عند أي منعطف من منعطفاته , هناك يد تفكر , ومخيلة تبتكر , وذكريات تومض كبرق بعيد . والقصيدة هواء يتجول بحرية باذخة فوق حقل الورقة المليء بالفراشات والزهور .
-علوان حسين – شاعر البراءة الصافية التي لجأ إليها – بودلير- خوفا من الوقوع في شبكة –المناهج العنكبوتية - , إنه شاعر حديث يقف على النهايات القصوى للحداثة ولكنه لا يبدو بعيدا ًعن متلقيه , بل لديه القدرة على بناء قصيدة حديثة تجتذب لقراءتها أكثر القراء التصاقا ً بموروثهم الشعري الكلاسيكي , وهو غنائي حالم دون أن يتخذ له مكانا ً ينأى به عن التجوال فوق الأرض التي يحبها , إن قصيدته تأخذ من الغدير شفافيته , ومن الفراشة بهجة رفرفة أجنحتها الملونة , ولكنه وفي ذات الوقت عميق كحزن ليل المنافي العميق, وصلب –كجباله الجرداء - , أنه يحملنا على تأمله دون أن ترهقنا جملته الشعرية رغم تشكيلها ألغرائبي , ولعل أهم ما يمتاز فيه هو قاموسه الاعجازي بثرائه الجمالي ,وشطحاته الصوفية التي تصل حد ّ الإدهاش الذي يسكرنا بخمرته المقطرة بمناقير عصافير ذكية تعرف أي عناقيد الكرمة يليق بأناقة قصيدة هذا الشاعر التي نزلت كحدث كوني استثنائي :
" الشجرة التي كانت تمشي
خضراء العينين
شاعرة ًبالوحشة والأوهام
وثقل الذكريات البديعة
كان لها أن تكون امرأة
لها شعر طويل كالليل

حزين وعميق كالألم ْ ............... "
هنا تتعمق عند الشاعر صوفية الحلول التي يلتبس عليه أمامها أن يفصل بين الشجرة والمرأة مثلما تعذر على –الحلاج – أن يفصل بين فنائه كمخلوق أرضي وبين معبوده كخلود مطلق , إن عناق الشاعر الحميم والحارق للمرأة يجعلها تنتشر في كل ما يحيط به من مخلوقات حية وجامدة , فالشجرة ككائن حي يركن دائما للإقامة على الأرض خشية خسارتها تشكل انشطاراً ًفي رؤية الشاعر داخل النص , فهي تتحرك , وبدلا من أن يستخدم الشاعر تشبيها مباشراً تحضر مخيلته ذات البناء الجمالي المتضاد لتمارس عملية قلب ً استعاري تتبادل فيه الشجرة –ذات العينين الخضراوين – مع المرأة المشكلة هي الأخرى على هيأة شجرة لها شعر طويل كالليل ..حزين وعميق كالألم .. لاشيء هنا يشي بالمباشرة , أو الإقحام للغة في غير تربتها الخصبة الطرية التي تطرزها رفوف من براعم تعد بولادة أزهار غامضة , أزهار جميلة تهب البهجة والفرح , وأزهار مغلفة بحزن الليل وفخاخه كتلك الأزهار التي افتتن بها الشاعر – ريلكة – والتي تحيط –بقصر موزو – الذي استأجره فتفتحت فيه عبقريته الشعرية , وكان الثمن أن دفع حياته على يد –زهرة – انغرزت شوكتها في يده فتسبب النزف بمضاعفة مرض سرطان الدم الذي كان مصابا ً فيه .
إن شعر المرأة الطويل رمز جمالي باهر , وهو أحد ممتلكاتها التي تغري وتدهش , ولكن التشبيه يأتي متضادا ًمع هذا التشكيل الجمالي للشعر , فهو لم يكن طويلا ًكشعاع شمس مشرقة ,أو كأغصان شجرة في ذروة إيراقها الربيعي , إنه طويل كالليل ,والليل يكون طويلا ًعندما يكون شبيها بليل - امرئ ألقيس – الذي شبهه بموج البحر الكثيف السواد لشدة حزن الشاعر , إن رمز الليل عند – علوان حسين – ليس رمزا ًخارجيا ً,إنه جزء من تشكيله –البيولوجي – الذي يتخذ له سمة وراثية تكثفت إلى أشد حالاتها حلكة حيث مواجهة الوريث الأخير لهذه السلالة المظلمة , وهو الشاعر ذاته مع زنزانة السجن الذي هو ليس سجنا ًافتراضيا بقدر ما هو متحقق في دلالته الخاصة , ومفترضا ً في أدائه الجمعي كمعطى دلالي , وهكذا يقتحمه هذا الرمز المخيف حتى وهو يؤسس لرمز جمالي استثنائي – شعر المرأة الطويل - .
تتأسس هذه التجربة الشعرية الثرية والفذة على كم هائل من الرموز والاستعارات , العلامة والإشارة ,الدوال والمدلولات , بل وحتى يلجأ إلى استخدام التورية والجناس المجزوء , فليس في قاموسه ما هو قديم وجديد , فكل شيء في هذا القاموس حديث ومعاصر حتى ذاك المجلوب من حقب تاريخية موغلة في قدمها , إن اللغة وحتى تلك الموغلة في القدم ,أو الاستخدام اليومي تتحول على يد الشاعر إلى لغة ندية غضة كزهرة تفتحت على راحة الصباح , ولعل أبرز ثلاث مفردات افترشت مساحة قصائد الشاعر , وتفرعت منها مفردات لا تحصى كجذور تشتبك في عناقها الحميم , وهذه المفردات الثلاث هي .." الفراشة – الأحلام – الموسيقى " وهذا الاختيار لم يكن قصديا أو واعيا ً , لاشيء في تجربة هذا الشاعر قادم من مناطق مكتشفة ومنظورة , إن كل مفردة لديه هي زوجة وحبيبة ورفيقة حياة عاشرها عمرا ًشعريا ً ,وليس حياتيا منكشفا ً, لذا استخرج أكثر كنوز هذه المفردات الثلاث ثراء وغرابة , إن كل شيء وعبر هذه المفردات الثلاث يجعلنا نرى ونتخيل ونسمع , فالفراشة هي جمال مرئي , والحلم رؤيا متخيلة , والموسيقى إمتاع صوتي يقودنا إلى أكثر أنغام الطبيعة انسجاما ًوتآلفا ً :
" الفراشة هي من يغوي كي تحترق بالنار ...... "
" يرقص النهار مقلدا ًالموسيقى .................. "
" يبصر أحلامه مناديل ترفرف له من مكان بعيد .."

" ابتسامتها تدل الضائعين إلى أحلامهم ..... "
" أبصر الأحلام في الينابيع .................. "
إن هذه اللغة الحريرية التي تضج بالمحسوس والمتخيل البالغة الرقة والجمال , والتي تتجول عبر قارات من الأحلام , وأوركسترات بعازفين مهرة لا حصر لها ,هذه اللغة تقطر رقتها فوق أكثر موجودات الطبيعة صلابة لتجعلها أكثر نعومة من قطرة ندى , وأشد ّمهابة من كوكب ,ويتكشف هذا البناء الشعري الأخاذ وهو يتعامل مع - حصاة – هذه المادة البالغة الصلابة ,والتي تشهد على يد هذا الساحر تحولات بنائية موغلة في تضاداتها التي تتجاوز حتى ما هو غير منطقي ولامعقول مؤكدا بذلك تمرد الشعر على كل ما يقع تحت العادي والمتداول :
" كل حصاة أنثى تضحك من الشيخوخة
" كل حصاة عبارة سقطت من قصيدة
" كل حصاة سنبلة
" كل حصاة ريشة عصفور
" كل حصاة نبتة تتفرج علينا نحن المارة
" كل حصاة دمعة جفت في عيون النهار ..." قصيدة ثدي يقطر عسلا ً .. "
وهكذا يمسك هذا الساحر – بالحصاة – التي يمكن أن يتكسر فوقها جسده النحيل كعشبة فطمها المطر لتتحول تلك الحصاة على يده , ومن خلال كنزه اللغوي ,إلى كتلة –طين اصطناعي – تستسلم بكل خضوع إلى شطحات لا وعيه الذي يعيد خلق هذه الحصاة , وتحولات هذا الخلق الإبداعي الذي فرضته طاقة شعرية لا حدود لفعلها الخلاق , وألوانها التي تبهر وتغشي البصر , وتختلف – حصاة – الشاعر – علوان حسين – عن –حصاة الشاعر الفرنسي – فرنسيس يونج - 1899 في قصيدته – حصاة بحرية – فإذا كان الشاعر فرنسيس قد تعامل مع حصاته البحرية تعاملا –فلسفيا ً- مسقطا عليها مكونه المعرفي الذاتي والمكتسب مما سلب الشعر الكثير من مناطقه التي لا يتوجب على الجانب الفكري والفلسفي أن يفرض سلطته على الشعر , فإن شاعرنا –علوان – لم يسمح لفكره الفلسفي ووعيه الذاتي أن يقترب من منطقة حصاته الشعرية إلا من المسافة التي يجمل فيها الشعر لا أن يهيمن عليه , لتظل قصيدته ترفل بكامل أبهتها جماليا ً وشعريا ً,فهو معني بالشعر أولا ًأداته وفنه الأثير إلى قلبه غير آبه بمنهج فكري أو مدرسة شعرية تشكلت بعيدا ً عن جغرافية وعيه وأرضه , ويحضرني هنا قول للروائي الكبير " الطيب صالح " في كتابه " في صحبة المتنبي ورفاقه " حيث يخاطب المتنبي قائلا ً:
" ولا عليك من هؤلاء البنيويين والتفكيكيين والسيمائيين وما شابه , لقد جاؤا من أودية شتى إلى وادي العقيق ووادي الرس ووادي الخزامى فلن يطول مكثهم بها .... "
والشاعر – علوان حسين – غير معني بكل هؤلاء المفكرين اللغويين فقد حقق كل نظرياتهم من خلال لغته , دون أن يسمح لهم أن يفرضوا عليها كشوفاتهم التي تحولت إلى درس أكاديمي يبحث في تاريخ اللغات منذ أكثر من نصف قرن . لقد قلب الشاعر -علم اللغة- عند هؤلاء المفكرين من أداة تعمية وغموض وانغلاق وتغييب إلى انكشاف اللغة عن أكثر كنوزها جمالا ًوتخيلاً وإيحاء ًعبر رموزه واستعاراته التي تكشف عن طاقة فنية لا نهائية تتمتع بها لغتنا العربية ,هذه الطاقة تحررت من قشرتها الخارجية على يد هذا الشاعر الذي أعاد للنص الشعري قوته البنائية الفاعلة , فهو لم يكتب نصه وفق مقاسات –نقاد المرحلة – ولا أظن



أنه التقى بهم عبر مؤلفاتهم التي اندفعنا لترجمتها ونسخها لا لنروضها وفق نموذجنا الإبداعي لتتحول إلى عامل جمالي مضاف . وإنما تركنا لها حرية التسلط على تفكيرنا وإبداعنا , لقد كتب –علوان حسين - نصه وفق مقاسات لغته التي تتسع لكل طقوس الفن السحرية ,وكشوفاته التي تضيء أكثر مناطق حياتنا عتمة وتشوشا ً, ووجع التجربة الذي يوحد بين المبدع ومتلقيه .
إنه يتنقل بموضوعاته في أكثر ضياعه الشعرية جمالا ً وتناقضا ً, ليصل من خلال هذا التناقض إلى حالة إشباع روحي يتحقق بتكامل أبنية النص , لذا فهو يساوي بين – جسد الحصاة – البالغ الصلابة ,وبين – الحليب – السائل البالغ النعومة , وهنا يجعله أكثر نعومة وصلابة مثلما جعل من الحصاة أكثر صلابة ونعومة , هو ساحر الكلمة , لذا فهو يريد أن يواصل لعبته مع اللغة ليس بحس – العالم اللغوي – بل بمشاكسة الطفل الذي لا حدود لاسألته التي تجمع بين الشفافية والصلابة , البساطة والغموض ,السذاجة والذكاء .
بهذه الروح يتعامل علوان حسين مع نصه أو مخلوقه الشعري :
" لديّ حليب
لم أنتبه إلى تاريخ صلاحيته
في اليوم الأخير انتبهت إلى أنه يجب التخلص من هذا الحليب "
بعيداً عن الشعر سيكون الأمر في غاية البساطة , حليب انتهت صلاحيته يسكب في مكان ما ويتم التخلص منه , ولكن صاحب الحليب هو – علوان حسين – وهنا تبدأ طيور الأسئلة تذهب وتجيء أمام مرآة المخيلة التي تكثف هذه الأسئلة , وتحولها إلى لوحات تشكيلية مبتكرة تستخلص مادتها الفنية من هذا السائل ذي الصلاحية المنتهية :
" أكتب قصيدة حليبية ناصعة البياض
أزرع الحليب في قارورة ورد فتنبت شجرة ورد
أنحت من الحليب تمثالا ًللحرية
أدع الحليب يجري كنهر في الجنة
أبني بيتا ً حليبيا ً
وأعيش بين جدرانه
كما لو كنت ُمخلوقا ًمن ماء ْ ........... "
وتدخل اللغة دخولا ًصوفيا ً محاطاً بكل شغف المتعبد أمام معبوده في قصيدته التي تحمل عنوان " نهد بين مخالب الأرق " , لغة غادرت عصر شاعرنا الكبير – نزار قباني – الحسي والسادي , الذي يستشهد به الشاعر –علوان حسين - :
" لا أدري كم من العبيد التعسي الحظ
استعان –نزار قباني –
كي يبني أهراما ًمن حَلمات النساء ....... ؟ "
في حين يتحول النهد عند – علوان حسين – إلى موجة , حلم تحمله الريح إلى سريره , بيت تهفو له يده وتأوي فيه إلى الأبد , دون أن تجرؤ على إيذاءه , أو إقلاق غفوته .
" نهدها في ذروة الموت
يتفلت من بين الأصابع
ينهض منتشيا ًوحده
كي يتنزه في الأحلام

نهدها وردة
أنظرُ إلى البحر
أود لو ألمس حلماته النافرة ْ............ "
وفي عملية تضليل لوعينا المتلقي يوهمنا الشاعر من خلال قصيدته – الثلج يصرخ في الطرقات – أنه يتحدث عن عاصفة ثلجية ربما دهمته وهو يسير وحيدا في الشارع , ولكننا
..وما أن نقف عند عتبة المتن الداخلي للنص , نفاجأ بأن العنوان لا يتعدى عن كونه بناء استعارياً , ينفتح على أكثر من نافذة تأويلية تحيلنا إلى التأمل , ونحن نواجه بتدفق شعري انثيالي تراكمي لجمل شعرية , تنبثق وتتوالد من بعضها البعض كانشطار موجة على نفسها اندفاعا ًوتراجعا ً, وفق إيقاع تراتبي تضبط الشواطئ موسيقاه المنسرحة فوق رمالها الناعمة والمنداة .
وعندما يلجأ الشاعر في بعض الأحايين إلى الأسطورة الميثولوجية فإنه يجردها من شرطها الميثولوجي التاريخي ويضمها إلى ممتلكاته الشخصية , ويبدو هذا جليا ًفي قصيدته – شقائق النعمان – حيث يتحول الشاعر إلى – أدو نيس - ,وأن –شقائق النعمان – تتلون بدمه لا بدم أدو نيس ,وكل هذا يحدث دونما أي إشارة لسيد الأسطورة :
" سأخبرك ِبسر مفضوح
كل الذين رأيتهم في الشارع
والذين التهموك بعيونهم الشرهة
كل الذين هاموا بك ِأو أعجبوك ِ
كل العشاق الذين نبتوا صدفة في طريقك ِ
ومن رميت عليهم نظرة خلابة
كلهم امتزجوا بي
كلهم اجتمعوا بي لأحبكِ نيابة عن العالم ْ....... " .
ويظهر البناء السردي واضحا ً في قصيدته – بركة من هواء – ذات الانتقالات البنائية التي لا تترك للسرد فرصة أن يطغى على لغة الشعر , فقد ظلت هذه اللغة الأنيقة تتنقل في مستوياتها الجمالية ,كما تتنقل ريشة الرسام فوق قماشة لوحته لتهبها كل ّألوان الطبيعة غير المكتشفة ,في قصيدته هذي يسرد لنا تاريخ حياة في كل تحولاتها من الباذخ في بهجته , إلى المروع والمخيف في خرابه و بشاعته , فهنا يجرب الشاعر النوم في حديقة عامة تحت ضوء القمر , أنه نوم ملكي باذخ وأن كان يشي بالوحدة , ثم وبإنتقالة ضدية يتحول إلى النوم مع كائنات في غاية البشاعة ,تغطي على بشاعتها مخيلة مبدعة وذاكرة يقظة , لتنتقلا بنا كمتلقين مشاركين ومنفعلين ونحن نراه يخطو بين بهجة حلم مضى , إلى تحولات حياتية فاجعة ,يعيش فيها خسارة دمه الذي امتصه القمل وعضات الجرذان , ورعب الكوابيس , حتى ردهات السجن الذي جعله ينام في حضن الشيطان , إلى ضياعه في الخرائب متوسداً ذراع الحروب , وصولا ًإلى المنفى الذي يقبله بمخالب وردية ,وأنياب منخورة , لقد حصل له كل هذا لأنه :
" في الوطن لم أجد من يدلني على شمس تبتسم لي
رأيت ُعاصمة البلاد
تشرب ماء نهديها
وتستسقي الماء لنهرين من عسل وخمر ............. " .


ومن بين قصائده التي تتكرر فيها مفردة واحدة تتصدر شطرها الشعري من بدء القصيدة حتى نهايتها دونما شعور من المتلقي بثقل النص أو افتعال تأسيسه البنائي قصيدة " ترقص الموسيقى " ,إن هذه القصيدة تتوزع على هيأة ثنائيات تتبادل مواقعها على إيقاع كلمة –ترقص - , التي تتكرر كلازمة غنائية لضبط السلم الموسيقي , أو كعلامة دالة على التوقف أو المواصلة النغمية الأدائية :
" يرقص الطفل كالسراب أمام العطشان
ترقص الموسيقى كالطفل مع لعبته
يرقص النهار مقلدا ًالموسيقى
يرقص الضوء مبتهجا ًبالنهار
ترقص الفراشات حالمة بالضوء
يرقص النهر حالما ًمع الفراشات
ترقص الريح كي تستثير النهر
ترقص الغيوم كعاصفة في الريح ................... " .
وكما بدأت حديثي عن الشاعر –علوان حسين – بما قاله –بريتون – عن – أيميه سيزير –
أرى أن أختتم حديثي عنه , والذي أردته أن يطول أكثر , بما اختتم به – بريتون – حديثه عن –سيزير – للتقارب بين تجربتي الشاعرين المارتينيكي –سيزير- والعراقي - علوان -, الأول المضطهد – لزنوجته - , والثاني المضطهد – لعراقيته – , يقول بريتون في نهاية حديثه عن سيزير :
" هنا نجد صوتا يجدد تمسكنا بالحياة , وكم يبدو مثيرا ًفي هذا العصر المعتم أن يضيء الطريق شاعر أسود "
وأنا أقول ,وعبر كل هذا الموت والخراب يكون من المثير جدا ً أن يبشرنا بشروق الحياة الجميل شاعر منفي , وناحل كورقة عشب ناحلة تدفعها أمامها هبة ريح صغيرة وهو الشاعر – علوان حسين - الذي يفتح نافذة الحلم في وجه الكابوس ,ويحرض على الرقص والغناء وهو يقف فوق مخلفات الكارثة ْ :
" وأنت ِترقصين يرتفع الثوب قليلا ً
أقول .. ألهي أبصر ُ أمامي
فراشة ترقص حول النار
ألهي .. دعها ترقص
ربما يحرك رقصها رميم العظام
دعها ترقص ألهي
حتى يتحرك حجر من مكانه
حتى يرقص الفضاء
وتتفتح طفولة قلب عاشق
يركض كغزالة يطاردها قمر ْ ................ " .

 

 
   
 
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=