http://kouttab-al-internet-almaghariba.page.tl/
  قريب الفلسفة في متناول الشعر
 
قريب الفلسفة في متناول الشعر
كتبها : مجموعة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة في الإثنين، 10 يناير، 2011
قريب الفلسفة في متناول الشعر
فاطمة الفلاحي نموذجا
 
كريم الثوري
الدخول إلى فتح مغاليق عالم الموسوعية فاطمة الفلاحي من نافذة الشعر امرٌ فيه مجازفة كبيرة ويعدّ مغامرة غير محسوبة النتائج ، ذلك لأن الكلمات المُنتقاة في حضرة تهجدها تمثل الفكرة البِكر تتنافس في حيلولة الإحاطة قبل تبخرها في مواسم مُعدة خصيصا ، تذكرنا بطلاسم المتصوفة ، ارادت لنفسها أن تكون لغزا خيرا لها من أن تكون كتابا مقروءا يتداوله العامة وهم يتناولون الآيس كريم ، قلقها المعرفي وانفتاحها على مجالات مختلفة ، مكنها الرؤيا من زوايا المرآة ذات الاوجه المتعددة ، بتعدد مواهبها وحرصها الدؤوب على استثمار خزينها المعرفي. فنشاطها في مجال الترجمة بشقيها الفرنسي والانكليزي سهل عليها المقاربة بين عوالم مليئة بالمتناقضات ، حبها وولعها بالفكرة أو الومضة الخاطفة على طريقة العاطفة المتقدة ، لم يمنعها من ممارسة نشاطات غير مرتبكة كما في الشعر ، كما في الفلسفة ، كما في السياسة وشؤون الأقتصاد .
فكما عرفها قارئ " المواقع المتعددة" كاتبة معنية بمعالجة قضايا المرأة وحقوقها المناقبية وما أقرته وثيقة العهد الدولي لحقوق الإنسان ، وكتاباتها عن الإشتراكية ـ فإن القارئ قد عرفها أيضا باحثة في تاريخ الفلسفة وأعلامها .
أما في مجال الشعر والأدب فلا يغيب عن المتابع اللبيب بصمتها الخاصة ضمن اطار منفتح على المصاهرة بين الفكر والشعر ، العقل والقلب ، ومن سمات نصوصها أيضا
هو الكثافة اللغوية والإقتصاد بالكلمات مع كرم الصور والمعاني وهذا من أهم شروط قصيدة النثر على رأي أدونيس وسوزان برنار، ويبدو أنها قد استثمرت إجادتها اللغتين الإنكليزية والفرنسية في الوقوف على تجارب قصيدة النثر بلغتها الأم ، مما أسهم في معرفتها مستلزمات قصيدة النثر ، فانعكست هذه المعرفة على قصيدتها حيث جاءت خالية من الترهلات اللغوية كما انعكست في إنسانية موضوعاتها ـ بمعنى أن القصيدة عندها تطل على فضاء كوني وليس على الذاتي والمحلي ـ أو عليهما معا .
سنحاول مجازفين الاقتراب من منجزها الشعري ، بحذر تعاويذها المنتقاة بحرفية الومضة الشعرية ، لنختطف قبسا من وهج سرعان ما يخفت تعويما على الذاكرة وتناصا مع وجد انفعالها المباغت وهو يستدرجنا من باب تراقص المعاني والعبارات والصور .

حروفية فاطمة الفلاحي
جاء في فاتحة التعريف بنفسها :
أنا حَرفٌ لا يَنْزِحُ ولا يَنْزَحُ ، وإِن نفدَني البَصَر.
والنزح هو الابتعاد عن نقطة ارتكاز مرسومة سلفا ، ثبات حرفها متجذر بكبرياء العنيد المكابر بين ( لا الرغبة ولا الإكراه ) ، جعلها حمّالة همين ، هم الثبات وهم مقاومة تصدعات جبر الخواطر ، انعكس هذا على حصيلة النتاج الإبداعي كما سنرى ، ما جعل لغتها تُشبه الخائف الحذر الفعال وهو يراوح في محله ، وهي تتقافز في مجاهيل التنزيل والتأويل ، تُبرر ساعة ، تتالم أخرى ، تنتصر للفكرة ، تتصدى ، ، تسقط ، تنهض ، تلثم جراحها ، لكنها لا تستسلم ، ومن باب المقاربة بالبصر على ما تقدم - وإن نفدني ماء بصري - شَح ماؤها ، دليل استنباط عظيم المشوار وبُعد المسافة ، وتصدع مصداتها وهي تُعاين عزلة حرفها ، يدافع ويقاتل هناك ،على ذات المصابين ( لا ينْزِحُ ، ولا ينْزَحُ ) تصحو كالمُخدرة فتجد نفسها على شفا حافة تمارسها كيفما اتفق، تلعب في مقدراتها ، تجرع الهم مطرا ، كيف هذ وكيف ذاك ؟
لنسافر معا في رحلتها الحروفية ونتعرف تحت أي طائلة كانت عقوبة سيزيف يحمل العقوبة بالنيابة ، تحت عنوان يمارسني الصحو تقول :
أصْحو
على حافةٍ من جُنُونٍ
يمارسنُي الهم مطراً
احتسيه
يجَرعني علقماً
يكرولني
فيهشمني
على ذاكرتي العقيمة
واصحو على قطار العمر
قد مسته أنامل الشوق حنيناً
لا يتحركني
سأبقى سجينة
بدأت تقلبها بين – يكرولني ، فيهشمني - ، على بوابة الصحو ، مرتين ، ما نوعية الصحوة وما كنهها ؟ هل هي من غفلة الثمل السكران ، والمُفَكرّة تقول ذلك ؟، أم هي صحوة العقل والضمير والفؤاد ، وكلها مرادفات لمعنى واحد في – ذاكرتي العقيمة -
تصحو لتحتسي فتثمل من جديد ، لكنه الهم مطراُ ؟
سادية أو مازوخية أو الإثنان معا ، فكيف يكون الهم مطرا فتحتسيه ، ليرضى عنها المترصد فيها فلا يدعها ، أم لترضى بقدرها وتلك عقوبة الثبات والإقدام كما مر معنا في التعريف ؟
الصحوة الثانية وقد بلغت من العشق عتيا حتى ثملت من كثر ما جرعت أو احتست هموما بقدر عشقها للامطار ...لا يتحركني ، من هو ؟
تلك لعبة الحروف إذن ، تذهب بك لتكتشف بنفسك ، لتشارك تجربتها من خلال تجربتك فلا يكفي أن تكون متفرجا
هنا تكمن خصيصة انفتاح نصها على إمكانية تعدد التأويل والرؤى وهي من أهم الخصائص الأساسية التي ميزتها عن غيرها ، فهي لا تجيب عن الأسئلة ، بل تدخلها في نفق يفضي إلى اسئلة أخرى وهذه سمات الكثير من شعراء المنهج الحداثوي المقتدر
أحمل الروح
صوب انتهاء المساءات
فتزرعني غواية
في خميلة
ولحناً حزيناً
يرسم ثغر السماء
في تميمة
سأبقيك مراسيمي العتيقة
كتعويذة فجر حزين يحتسينا
ما اوجه الربط بين : يمارسنُي الهم مطراً ، احتسيه ، وبين : كتعويذة فجر حزين يحتسينا ؟
في المقطع الأول كانت صورة الاحتساء بصيغة المفرد ، وفي المقطع الثاني جاءت بصيغة الجمع
ما علاقتها بنا كشركاء في معاناتها ، وهل نمرّ مرور الكرام متفرجين على فلم رعب أو حتى كوميدي ؟
مال الذي تريد أن تقوله لنا ، ما هي رسالتها ؟
الجواب في التعويذة التي يُّرقى بها الانسان من فزع أو جنون لأنه يعاذ بها
لكنه المضحك المبكي هنا التعويذة هي الداء ونحن الدواء - كتعويذة فجر حزين يحتسينا - ، فبدل أن نعلقها على قمصاننا ، لدرء الأخطار ، تستجير بنا كالذي يستجير من الرمضاء بالنار.


انسكابات
لنتعرف على صيغة المناجاة ، من يكون ذلك الذي يستهويها ، كفراشة منساقة إلى حتفها حتى مسيرة الضوء ، ما سر الضوء وهل للفراشة أن تخبرنا ،كيف وجدته وهي تلوذ به لتتبخر بعدما تحترق
في قصيدة انسكابات نتعرف على بعض ملامح واشكال ذلك الذي يقودها فتتفاعل معه مأخوذة بلذيذ لذاتها
ترياق
حبك ذاكرةٌ وفِقه قصيدة ،وترياق يستعبد ناصية الجسد
خمسة عناوين اقتطعناها مثالا وليس حصرا ، فمنجزها الشعري حافل بالعديد من مستويات ما يمكن أن نطلق عليه بالإرهاصات الفلسفية ، تتشكل الوان قوس قزح بطريقتها التهكمية ، بدايتها كانت موجعة ، وهي تتجرع الترياق كسم يداوي وجع الأرحام ، يذكرنا بقول أبي نؤاس : ( دع عنك لومي فإن اللوم إغراء وداوني بالتي كانت هي الداءُ ) ، فالترياق لم يعد سماً على حد تداولها له بعد أن طبخته بمخبرها ، وكما يتحول الخمر خلا في – فقه قصيدة – تلك ذاكرة شريعتها في فهمها للحب ، لا يخلو هذا البيت كما مجمل حالات تقلبها من مسحة التصوف ، ابتدأ بالحب كذاكرة وفقه قصيدة ، مرورا بثورة الترياق يعبث في جسدها ، تتجرعه لينتزعها من مارد اثقلها يتحكم بفلتره ، فيُقيدها ، على نزق حركاته وسكناته من موطنه المتقدم في – ناصية الجسد -

جنة
ألوذ بصدرك وافترشه وطنا يثمر حد عمقك بين أضلاعي

مخيلة الجنة ابعدتها مؤقتا عن خشونة الألفاظ وتذمرها ، حتى أن صدره افترشته ملآذا ، وطنا في الذاكرة ، يمكننا هنا اختزال المقطع اعلاه بكلمتين فقط ( الوطن جنة ) ، على صدرك أيها الحبيب وهو أبعد ما تتمناه مخيلة الأنثى ، تفترشه ، حين تجافيها الأقدار، لتستعيد امانها المفقود . ذكرني هذا المقطع ابعد ما يكون بترنيمة تغنت بها حركة اليسار العالمي للكاتب التركي ناظم حكت وهو يقول / وضعوا الشاعر في الجنة فقال : الله ياوطني ؟!
محراب

تزج قدري جذوة طقوس ،تنشد التوبة في تهجد يقترب الخلود والسمو في قاع
الحَرْبُ: نَقِيضُ السِّلم، ؛ ، لنرى كيف تزج الشاعرة فاطمة الفلاحي بنفسها في محراب قدرها في جذوة طقوس لا ترحم ؟
لم نجد غير رغبة تجتاحها لعودة الطمأنينة إلى روحها وهي تتهجد آناء الليل وما اقترابها سوى خطوة أولى في بسيطة القاع بدون تلال وجبال ووديان ، ذلك نشيد التوبة في جذوة طقوسها .

غيظ
تتأرجحني طرقات قلبك بنبض يزدريني على خاصرة الوجع .

كم هي مولعة بابتداع خصوصية في طريقة صياغة جملتها الشعرية ، شأنها في ذلك شأن كل المبدعين ، لأنها لاتريد أن تكون ظلا لأحد .
مُغتاظة هي ولم يك عهدنا بها غير ذلك ، تدخل قلبها أو قلبه ، من خلال متاهات تنجذب اليها باريحية الاسترخاء التام ، تتشظى به أو يتشظى بها ، فلعبة الكلمات مسلية ،كارجوحة الطرقات وهي تنعطف بنا في سلم الطفولة والصبا ، مع ملاحظة تراقص الصور الشعرية وهي تبحث عن اللامستقر ، المتابع هو الآخر يتحول بفعل تارجحها إلى فسيفساء من التشكيل والتلوين، بعد أن تتحول اللغة إلى مخيلة ، وهذه ميزة تحسب لصانع محترف ،
فلنتخيل نبض القلب- قلبك َ- وهو يتأرجح كالطرقات خلال مسير الدم في الجسد ، هذا النبض يقوم بعملية ابتلاع - يزدريني - والمكان خاصرة الوجع
لوحة كما اشرنا في مجسد فنتازي أو سريالي. ذلك هو غيظها كما حاولنا أن نفككه والمجال مُتاح لتاويلات مختلفة ، تبعا لعين الناظر ومستوى تعامله توافقا مع مصاديقه.

هذيان
بهذي ِ ـ وزرالليالي ـ جئتك :
عشقا وبقايا لظى أشرس يلوكني
وقنديلا من ولهي لا يُجدِبُ
*

وكمثال على خاصتها الأسلوبية ، نذكر مثلا " على مسافة إيمان " حيث جعلت المحسوس غير المحدد" إيمان " ملموسا محددا .. أي أنها أضفت على الكلمة معنى جديدا غير معناها القاموسي ـ وهذا ما تسميه " برنار سوزان " بـ " التوهج الشعري "
الطريقة والاسلوب يتوافقان مع غنائية أو نواح مع الحالة النفسية للمُخاطِب والمخاطَب كدلالة على التماهي الذي هو سمتٌ حلولي... والمخاطب هنا بمواصفات الحاضر الغائب وهي صفة نتوقعها تنطبق على كل مسيرة تغنيها على أمل اللقاء بوليها المُنتظر
وإذا كان لنا أن نسجل ملاحظة أخيرة في رحلة رأينا من خلالها واستكشفنا عمق المأزق الوجودي الذي يعصف بانزياحات الشاعرة فاطمة الفلاحي ، فإن هذه الملاحظة هي: لا يمكننا دراسة المنجز الشعري لها إلا من خلال تناص قلبي ورؤية شعرية شاعرية لمن هو على شاكلتها فالتماثل الروحي هنا ضرورة ، لاسيما وأننا بين عناوين تشي بالتنافر والتضاد تبدو للرائي من بعيد وكأنها تفتقر إلى قاسم مشترك أو رابط موضوعي ، بينما هي في جوهرها مترابطة ولها قاسم مشترك ، أنها تتحدث عن واقع هو أصلا حافل بالمتناقضات وليس فيه حدّ واضح بين الخيط الأبيض والأسود ، بل وحتى العناوين التي تبدو للوهلة الأولى أنها غير رمادية ما هي إلا اسقاطات ومصائد لإستدراج ما لا يخطر ببال.
خرافة
نبوءة تنتحر صلبا في ذاكرة الغواية ، فتهوى كعربدة جنون على مسافة إيمان ونزعات يقين

شرود
لحظة غباء عالقة تستبيح تعقلي وبصيرتي فتجلجلني بينات ظلاله
عمر
عصف يتزاحم في مسالك الزمن ليعلمنا الهجرة خارج الجسد

ميلاد
خجلة ارتجافات السنين لا تصغي لعلامات المرايا، فواريتها دهشة الشروع إليك
شدو
ضاحية من العطر المعتق ، ولهفة ثملة تتضوع شذا الاغتسال ، فتنهمر بكل سطوة على مدى الروح
شكرا فاطمة الفلاحي
كريم الثوري

 

 
   
 
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=