http://kouttab-al-internet-almaghariba.page.tl/
  الروايـة باعتبارهـا تخييلاً مارقـاً
 
الروايـة باعتبارها تخييلاً مارقا 
كتبها : مجموعة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة في الخميس، 23 ديسمبر، 2010 | 0 التعليقات
الروايـة باعتبارهـا تخييلاً مارقـاً
قـراءة فـي «دمـوع باخـوس»
لمحمد أمنصور

شرف الدين ماجدولين
تمثل الرواية، في أحد أوجهها، بوصفها تجاوزا لمآزق عقدية، واختبارا حرا لافتراضات فكرية، ومواجهة مع أسئلة سرمدية تحفل بها الوقائع والتفاصيل الحياتية، التي سطحتها الألفة والبداهة. من هنا يتجلى هذا الشكل التعبيري بما هو قدرة على إيقاظ الريبة الموءودة، فنا نثريا يستمد قيمته من تركيب تاريخ شخصي لمسارات التأمل والمراجعة لقيم المتعة والغواية في اقترانهما بالحرية والمطلق، ودونما خضوع لاشتراطات النسق العقدي، أي في غير ما ارتباط بمبدأي الخطيئة والندم، وإنما في صلة اللذة والفتنة المنجدلة بجوهرها بالنسق الثقافي الحاضن لمقامات ولادتهما وتداولهما.
أسوق هذه المقدمة وفي ذهني تلك التوسيمات القديمة للرواية بوصفها فنا مبتذلا، وهامشيا، بل مارقا، في بعض حالاته، حيث إن خطابه مجاف للنزعات الوعظية، والنقاء الأخلاقي. صحيح أنه لا توجد في الجنس الروائي -على جهة العموم- تقاليد نوعية لتمجيد الفتنة الحسية، فلا نكاد نعثر على ما قد نسميه «خمريات نثرية»، أو «غزل روائي»؛ لأن الرواية بالبداهة خمر وغزل وجنس بقدر ما هي حكمة وطهرانية وصراع مسترسل بين ذوات متوحدة وقيم مجتمع وثقافة. وهي الخاصية التي تنفضي بنا على الاعتقاد بأن التخييل الروائي ينبع من عمق نقدي قلق وعقلاني، يناقض البوهيمية والروحانية على حد سواء.
تنتمي رواية «دموع باخوس» لمحمد أمنصور (منشورات الموجة، الرباط، 2010) إلى هذا النحو من التقليد الروائي، الذي يماهي بين التخييل وحالة المروق الذهني، في سعي واضح إلى تخطي طبقات المحظورات المتراكبة، عبر السنين، لاستعادة أثر وثني مفقود، يشكل ماضيا كف عن التأثير وتصدير القيم، فمن خلال إعادة تمثل أسطورة «باخوس»، إله الخمر، حارس أطلال وليلي المختفي، تنتسج العلائق الدرامية بين الأبطال المركزيين الثلاثة «علاء» و«أنور» و«روزالي»، وتتحول الكتابة عن واقعة اختفائه، والسعي إلى كشف تاريخه ومآله، وتجسيد رمزيته في الحياة، وبين الناس، إلى تعلة لانتظام المقاطع السردية، ومفاصل التصوير، على إيقاع توفز الحواس، وازدهار الفتن، بنحو يحتفي بالفلتان، ويمجد النشوة، ويستدرج القارئ إلى دائرة السحر الروحاني. إنها متن غير حلال، بمعنى ما، واختراقي بسخريته واستيهاماته، وشطحه الفنطازي.
تتشكل الرواية من ثلاثة فصول: «الوصية» و«منزل البهلوان» و«السر المحجوب»، تتصل في ما بينها عبر لعبة «المخطوط اللغز» التي تشيع في الروايات ذات العمق التاريخي، والسرود المستلهمة للأساطير والعجائب، وتخاييل الأسفار والمغامرات، حيث يتحول المخطوط المنسي، والكتاب الضائع، والمذكرات المسروقة، المحفوفة بالنحس واللعنة، إلى مثير مدهش لتلاحق الوقائع والمواقف التخييلية الهادفة إلى استعادة الأثر، وكشف اللغز، وانقاذ الذاكرة؛ ذلك ما نجده في رواية «ضون كيخوطي» الشهيرة مع مخطوط المؤلف العربي المتخيل «ابن الغالي»، وفي»اسم الوردة» لأمبرتو إيكو مع مخطوط «الكوميديا»، وفي رواية «سمرقند» لأمين معلوف مع مخطوط عمر الخيام، وفي رواية «صورة الروائي» لفواز حداد حيث يغدو المخطوط المفترض لرواية ناجزة كابوسا يأرق الروائي اللاهث وراء وقائع تسبقه إلى حيز الورق في مخطوط هلامي يظهر ويختفي، وهو ما يطالعنا أيضا في روايات مغربية عديدة: كـ«جنوب الروح» لمحمد الأشعري، و«أوراق» لعبد الله العروي، وغيرهما.
لا يستدعي المخطوط اللغز في رواية دموع باخوس، مغامرة حسية، إنه يصل عبر أيسر السبل إلى البطل «أنور» بيد أنه كشأن نظائره الروائية لا يخلو من تشوه وشؤم ملازم، هو رواية ناقصة عن وقائع رحلة الأمريكية «إملي» إلى موقع وليلي الأثري، سعيا لتصوير تمثال باخوس، حيث تتعرف إلى إدريس، الموظف البسيط في إدارة البريد، المولع بالتاريخ، وتجمعهما علاقة حب ملتبسة، وبعد تطويح مليء بالصور التغريبية المشخصة لانبهار الأجنبي بالفضاءات والعادات المحلية، يأخذنا السرد إلى كشوفات جديدة لمخطوطات عتيقة جلبتها إميلي، تتحدث عن الإلاه «باخوس»، و«وليلي» والملكة «كيلوباترا»، ، وكأننا بصدد لعبة الصندوق الصيني الذي ينفتح في كل مرة على صندوق مغلق، يستدعي الكشف، لننتهي بعد فصلين من التحبيك السردي للفضاء العتيق وآلهته وأوثانه وأساطيرها، وتداعياتها الرومانية والإغريقية والفرعونية، إلى فصل أخير غير مصاغ، يتضمن قصاصات صحفية، وتحقيقات عن سرقة تمثال «باخوس» التي ستصيب لعنتها الدنيوية قرية بكاملها. هكذا يعود بنا السارد إلى الرواية الأصل، حيث المطلوب أن يتم البطل «أنور» ما توقف عنده صديقه «علاء».
الألم والموت
وإذا كان الفصل الأول والأخير بمثابة توطئة وتعقيب على الفصل الثاني المشكل لمتن الرواية مضمنة في النص، فإنهما ينطويان مع ذلك على أكثر المشاهد درامية وتوترا وإنفاذا للمغزى الصوري العميق للرواية، مغزى التحقق الممتنع، والمتعة الناقصة، والبطولة المثلومة في حياة الذوات الفاعلة والمتكلمة.
هكذا فعبر موقف التعارف الأولي الذي جمع بين شخصية «أنور» والفاتنة «المستشقرة» «روزالي حليم» يولد مشهد آسر في الرواية يكاد يختزل جدلية اللذة والألم، والطموح والخيبة، والصعود الحياتي الذي يواجه في كل مرة بمعيقات الاكتمال، مشهد تمتزج فيه الروحانية العاطفية، بالحسية الشهوانية، بتيار الوعي الشاعري والتهكمي، وينمو فيه الحوار على إيقاع فك الألغاز وكشف الأسرار، والاستهواء الخفي والجلي، والتورية لهواجس الذوات الفردية المنطلقة تجاه سلطة المجتمع والدين والسياسة في الحاضر المغربي، وتتصاعد بالتدريج حمى الشعائر الماجنة في انجدال مع عوالم الحداد الخانقة التي يفرزها محيط الخسارات: موت رفيق العمر، وذاكرة سنوات الرصاص، وتضييع الحلم الثأري...، فتتجلى المتعة من حيث هي وهم عابر، والفتنة بوصفها دريعة لنسيان الفقد، والوهج العاطفي كمداراة لهشاشة راسخة في سرائر مرعوبة.
يقول السارد في مقطع من ذروة التصعيد العاطفي في مشهد اللقاء بين «أنور» و«روزالي»:
«بكينا معا، اغتسلنا بزخات الدموع، وكأن الغواية لا تحتاج إلا إلى قليل من الحداد ليتحول كل بهرج اللحظة إلى عواطف من حنين وذاكرة وشوق. وأنا أبكي حيرني هذا الجسد من رخام، أربكني هذا الوجه من نور، فما عدت أعرف؛ أكنا نبكي معا عالما انتهى أم هي مجرد شهوة غامرة للحزن تواطأنا على اقتسامها؟.. أأكون وقعت في سحر هذا الوجه الملائكي إلى درجة البكاء أم هي مجرد لحظة ضعف عابرة أمام ذكرى صديق ترجل ورحل، بيـنما أنا هنا أناور وأراوغ؟» ص 65.
بكاء البطلين، هنا، و«شهوة البطل الغامرة للبكاء» ص 33، في موقف سابق، واختناق نبرات صوت روزالي»و احتقان عينيها ببكاء محتبس» ص 58، في مواضع أخرى، ما هو إلا أحد تجليات سمة «الجنائزية» في النص المترع ألما وموتا، وهو يكتسب باستمرار صبغة درامية تتصادى والأنفاس الناعمة، والأحاسيس المتوفزة، والكلام المتدفق على إيقاع الرغبة، في صور المجابهات الحسية بين «أنور» و«روزالي»، أو في صور حنينهما الجنائزي إلى رفيقهما «علاء». بيد أنه أيضا بكاء نثري، لأنه خال من نزوة التهويل البلاغي، ولأنه تشخيص ليس فقط لجانب مرهق وقاس من الحياة، بل هو أيضا -وبتعبير كونديرا- تطريز لجمالية «مشاعر متواضعة»؛ أليس البكاء طقسا خمريا (أو باخيا بتعبير الروائي)؟، علامة انهيار وحبور، لازمة موت وولادة؟.
هكذا تتراسل اللوعات في الرواية، معطوفة في كل مرة على ما وهب باخوس من متع، وما جره من مواجد. متع النشوة والرؤيا والكشف الروحي، الذي ألهم علاء نص روايته الناقصة بعد أن غرق في متاهات الليل واستنزفه الإدمان، ومد البطل بالقدرة على مكابدة العيش بعد انقشاع الوهم، ومنح روزالي عبقرية الحضور الطاغي حد القسوة، برغم تكالب المرارات.
باخوس
لكن ألا تمثل شفافية النضح الباخوسي في الرواية، لحمة التخييل الروائي وسداه ؟ إن رحلة الكشف عن مواجع المخطوط، ومواجد ذات البطل «أنور» إثر مقتل الأب تحت التعذيب، وألم علاء من النأي عن وطن سكنته الإخفاقات، وحرقته الوجودية على انهيار الروح والجسد، كلها وقائع تنتسج في عوالم تحكمها الإحالة على رمزية الإله باخوس، فهو الأسطورة التي ينطلق منها سؤال الهوية، عبر فضاء وليلي الوثني وحضارة الرومان البائدة التي عبرت بلاد المغرب دون أن تتحول إلى مكون في ذاكرته الثقافية. وهو الواقعة الاجتماعية والسياسية التي تستثير فظائع التعذيب العشوائي الذي تعرضت له قرية مغربية بأكملها تهمتها الرسمية «سرقة إلاه». وهو أيضا المجاز الكبير الناظم لصور الكشف الروحاني وتجلي الداخل العميق في مشاهد اللقاء والفراق بين الأصدقاء والخلان في حياة محكومة بعدم التحقق وانثلام البطولة.
لقد كتبت روايات عديدة عن العوالم الخمرية، وأخرى دون حصر عن الإدمان، والانسحاق تحت لعنة باخوس، منذ رابليه، مرورا بدوستيوفسكي، وفيكتور هوغو، وفيلدينغ وفلوبير وهمينغواي وحتى نجيب محفوظ وكازانتزاكي، وماركيز وحيدر حيدر...، كان الخمر حاضرا على الدوام كتفصيل في مشهد أو سرد واقعة أو وصف موقف، أو بما هو سمة شخصية، ولكنه نادرا ما تحول إلى موضوع ومكون بنائي وعنصر مهيمن على مراسيم التخييل، وهو الاستثناء المنطبق على رواية محمد أمنصور، حيث ينثال بدءا من العنوان عابرا عتبات الإهداء والفصول الرئيسية والفرعية، مطرزا نفحات الصور المترعة نشوة واسى في المقاطع السردية والمشاهد الحوارية والوقفات التأملية في الرواية. وسرعان ما تتجلى شهوة البكاء، والسخرية السوداء، والضحك العاري، والعطش المقيم، والثرثرة المتدفقة، وفلتان الوعي المؤبد، باعتبارها سمات ملازمة لتشكل بلاغة خمرية ترقى احيانا إلى نثر حقيقي بديع وجارح.
ولعل ما ينفذ رمزية باخوس الخفي تلك، ويذكي وظائفها الجمالية استنادها إلى مرتكزين سرديين أساسيين في الرواية المعاصرة، الأولى هي رحلة الصعود الاستثنائي للبطل، المحمول على رغائب الثأر والغلبة، وما يواجهه هذا الصعود من معيقات في المجتمع، وهو ما تمثل في الرواية في سعي أنور إلى الانتقام لكرامة أسرته المهدورة عبر حيازة أعلى الشهادات والعودة للعمل في مركز مرموق، والمرتكز الثاني هو «خيبة الأمل» و«عدم اكتمال» البطولة وتلاشي الحلم الأصلي، وهو ما تجلى في مسارات الأبطال الثلاثة معا، حيث يخفق علاء في اتمام مخطوط الرواية، ويفشل أنور في استرداد كرامة الأب، وتخيب آمال روزالي في العمل أستاذة جامعية، وتتبخر أحلام الجميع في مغرب جديد، طوى صفحة الماضي.
لم يعد باخوس، إلى فضائه الأصلي وضاعت معه ذاكرة الماضي، وأحلام الأفراد والمجتمع، وبقيت فقط لوعة غيابه معجونة بنضحه السحري أو دموعه الخالبة للعقول، مع درس نقدي مستوحى من صورته المتخيلة. يقول السارد، في مقطع وصفي يكشف كل شيء:
«(باخوس) إله خفيف. إله جميل. إله ذو شكل وحجم ووسامة. إله ملموس، إله قدم من زمن آخر، إله غير عربي، إله صامد منذ عشرات القرون، إله صامت، إله بجسده يقول كل شيء، إله حاضر في غيابه، إله كل عدته نظراته الزائغة المحدقة في المجهول، إله يصل بين الغزاة الرومانيين ومن صاروا اليوم أهالي بلدة قصر فرعون، إله يقول الماضي، إله تعشقه العين لحظة تراه (...) وغير هذا، هو إله مسروق» ص 21.
يكاد هذا المقطع يختصر السر الروائي برمته، من حيث هو توق إلى مراجعة قيم القدرة والموت والحرية والتاريخ، والمجرد، والهوية، والملموسية ثم الإيمان، بنبرة فطرية تنتفي عنها البداهة، واسترسال ساخر بنبرة جدية، وخطاب نقدي لا يخلو من هزل، وروحانية مخبرها عقلاني، ومظهرها تجديف ووسوسة. ألم نقل إن الرواية خطاب نقيض، وتخييل مارق؟.
[ [ [
كتب محمد امنصور روايته الحالية على امتداد عقد من الزمن، لتصفية حساب جيل بكامله مع هوية مختزلة وذاكرة مثقوبة، وماض بات يشغل بحضوره العاتي مساحات المستقبل، استثمر فيها إلى أبعد الحدود معارفه في التاريخ المغربي وتحولات مجتمعه التقليدي، ومفارقات سياسته المعاصرة، وضمنها هواجسه الثقافية بصدد التشكيل والموسيقى والصحافة والتخييل الروائي، بلغة آسرة تولف بين مقامات الكلام، وبلاغة شفافة تتغلغل إلى قرار المشاعر الغامضة القلقة والمتقلبة، وأغدق عليها قبل كل شيء وبعده من نهمه للحياة وتذوقه للذائذ الصغيرة، وولعه الأصيل بفتن القول.

 

 
   
 
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=