http://kouttab-al-internet-almaghariba.page.tl/
  اللوحات الإبداعية في الشعر الجاهلي
 
اللوحات الإبداعية في الشعر الجاهلي.. الرؤية والمنهج
كتبها : مجموعة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة في الجمعة، 24 ديسمبر، 2010 | 0 التعليقات
اللوحات الإبداعية
في الشعر الجاهلي.. الرؤية والمنهج
د. عبد الحميد المعيني
الشعر العربي في العصر الجاهلي شعر جميل أصيل، جاء في تجربة ممتعة، وصنعة فنية جاذبة، وعزف موسيقي جماعي عجيب. وامتاز بحسن نظمه ونظامه، وبجماليات صوره وتصويره، وبعمق فكره وتفكيره.
وسكن هذا الشعر بيئة عربية متشابكة العلاقات والسياقات والدلالات، وتجول على طول امتداد هذه البيئة داخل الجزيرة العربية وخارجها قبل أن تشرق هذه الجزيرة بنور ربها، وتدخل الإسلام تحت قيادة رسولنا محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي العربي (صلى الله عليه وسلم).
ندرك أن الشعر الجاهلي ضرورة تاريخية وفنية وحضارية، وهو تراث معرفي متجدد، وكيان معلوماتي متمدد، خاطب العقل والفكر والشعور بلسان عربي مبين، وقدم رؤيته للعالم آنذاك وسجل تاريخ العرب وحضارتهم ومواقفهم وهمومهم واهتماماتهم في موسوعة كبيرة حملت اسم “ديوان الشعر العربي”.
والقصيدة العربية صورة متميزة، ورسم بارع ولوحة إبداعية في تقنية عالية الجودة، تشكلت من: المفردة والتركيب والإيقاع والبيان والرؤية، وعناصر أخرى في التفكير والافهام، وأواصر متعاونة في الصوت واللون والظلال والسرد، وحملت القصيدة كل مستويات التبليغ والخطاب، ومسؤوليات الثقافة والعلم والفن، وكانت الذاكرة الواعية والأجندة الشفافة في تأصيل قيم سيد الحياة الرجل، وفي توثيق الدلالات الجمالية لسيدة الحياة المرأة، وبما يحيط بهما من روائع الطبيعة، وجاذبية المكان، ومنافع الحيوان الأليف كالجمل والحصان أجمل وأطوع حيوانين عند العربي قديماً وحديثاً.
وأنجب هذا العصر عدداً يستعصي على الإحصاء من الشعراء المعروفين والمغمورين، وفي مقدمتهم الشعراء الفحول أصحاب القامات الطويلة في صناعة المعلقات والجمهرات والحماسات والاختيارات والدواوين، وغيرها من المصادر والمظان الشعرية. وعلينا أن نقرأ هذا الشعرالأثيل، بمشاهده الفنية ولوحاته الإبداعية قراءة جديدة، توضح الغائب والعميق والداخل وأموراً أخرى في ضوء معطيات جديدة من التلقي والتأويل والدلالات والجماليات والترميز، ومن التحليل والتعليل والتفسير للوصول إلى الأحكام الصائبة والتقديرات الصحيحة، والتأثيرات المرغوبة.
إزاء ذلك كله، تأتي هذه القراءة لتقدم رؤية متعاونة، وتلقي نظرة متطورة تنسجم مع القراءات المعاصرة والتلقي الجديد، تجمع بين التاريخ والفن والجمال وأمور أخرى في ملف واحد، وتشكل من كلها منهجاً آخر ينضاف إلى مناهج أخرى تناولت شعر هذا العصر.
اللوحات الشعرية الإبداعية بهذا المفهوم تحدثت عن وجدان الشاعر والأمة والوطن، وعن عقل الشاعر والأمة والوطن، وعنهما معاً في المجتمع العربي لذاك العصر. فالشاعر كان مفكراً وحكيماً وفناناً ومغنياً وموسيقياً وفارساً وسيداً وغير ذلك، والشعر كان، وما زال، فكراً وفناً وإبداعاً وإحساسا وإطرابا، وغير ذلك، وأكثر من ذلك.
واللوحة الإبداعية مصطلح فني جديد، بدأ عمليات حفره عميقاً ودقيقاً في المنجز البحثي الشعري، وأضحى له فيه وعليه تأثير فاعل وأثر مفعل. فالقصيدة لوحة، والشاعر رسام لوحات، وهو صاحب صنعة، يقدم لمجتمعه فناً بديعاً، في مسؤولية فنية ووسيلة إبداعية تتعامل مع الفضاء الشعري والشاعرية بكفاءة عالية، وبمواصفات تقوم على رؤى ثاقبة في الفهم والإفهام. واللوحة نص شعري فاخر، ومنهج مميز، يقارب مشهد الحياة الجمالي، ويماثل الصورة الفنية البيانية، ويتعاون متقاطعاً مع الرسم والموسيقى وسائر الفنون الأخرى، ويتفاعل متوازياً مع شبكة المعلومات والقدرات والمواقف في حمل الدلالات، وتوصيل الرسائل، والتماس القيم، وطرح الحلول.
وهذا المنهج نظام دقيق، وأسلوب محدد، ونمط يتكرر في التعامل مع موضوعات النص ورؤاه، دون أن يغفل جوانب مهمة في القراءات والتلقي، وبذلك تشكل اللوحة الإبداعية حياة تقدم الحياة في مشاهدها وفناً يشرح ألوان طيفها وجمالياتها، وخطاباً يتناول أعماق النص الشعري.
وطبقاً لهذه الرؤية وهذا التصور فإن اللوحة الشعرية تكون: منهجاً إبداعياً، وصبغاً بلاغياً، ومشهداً جمالياً، واتجاهاً فكرياً، وأسلوباً شعرياً، ونصاً فنياً، وبنية لغوية، وتجربة شعورية، وتقانة عصرية، ونضارة مستمرة، وحياة معشوقة ملونة، تحمل القضايا والرؤى، وتنقل الخطاب والرسائل.
مقومات وتقنيات
تنهض اللوحة الإبداعية على مقومات وتقنيات أساسية في مقدمتها: التشبيه التمثيلي الممتد وهو صبغ بلاغي متسع ومركب وخلاق، فيه صنعة الفن، وإصابة الفكر، ودقة البناء. وله أشكال وأدوات متعددة ومنوعة تعتمدها اللوحات في تشكيلاتها وأبنيتها، وهذا التشبيه أهم معالم اللوحة الإبداعية. والعناية بالتفاصيل والجزئيات، ومتابعة عناصر اللون والحركة والصوت، ولمسات مرغوبة ومطلوبة في الأضواء والظلال والزوايا، والحرص على المكان والزمان. ويفرغ الشاعر للوحته يصنعها بمهارة فائقة، ويطيل الوقوف معها بالمراجعة والمعاودة، وبالتهذيب والتثقيف، ويقيمها على القص والسرد والحكاية، ويوفر لها أموراً أخرى في البنى اللغوية، والموسيقية، والجمالية. ولهذا غدت اللوحة بيانية وممتدة ومركبة ومتخصصة ومتميزة، وكل هذه المقومات والخصوصيات هي التي أكسبت اللوحة الإبداعية ألقها وحضورها وتوهجها. وتناول الشعر الجاهلي تحليلاً وتعليلاً وتأريخاً وسياقاً وشؤوناً أخرى مئات الباحثين والدارسين والمؤرخين والنقاد، وجرت محاولات لتقسيم الشعر وتصنيفه وتوزيعه من حيث الموضوعات والظواهر والاتجاهات والشعراء. فقد صنفه بعضهم على أساس الموضوعات والأغراض، وأهمها: المدح والهجاء والرثاء والفخر والغزل والوصف، وقسمه المحدثون تقسيماً زمنياً: الزمن الأول يبدأ بحرب البسوس، والزمن الثاني مع حرب داحس والغبراء، والزمن الثالث أوائل حرب ذي قار، ومقدار كل حرب يزيد على أكثر من أربعين عاماً، وهو ما يمثل قرابة المئة والخمسين عاماً، وهذا المقدار يتفق وتحديد الجاحظ في أن عمر الشعر الجاهلي قبل الإسلام إنما يكون مئة وخمسين ويصل إلى مئتي عام، مع أنه في الواقع أسبق من ذلك بكثير. وجاء هذا التقسيم عند آخرين في مراحل زمنية أخرى: مرحلة الطبع التلقائية، ومرحلة الصنعة والاحتراف، ومرحلة الجمود والتقليد، وهذه المراحل ليست دقيقة في توزيعها، ويجانبها الصواب غالب الأحيان. وأخضعه بعضهم للاهتمامات القبلية، ودراسة دواوين القبائل وبيئاتها، وتوزيع الشعراء في مجموعات، والعناية بالمختارات الشعرية. ودرسه آخرون في مدارس فنية، ومناهج حداثية، ودراسات نصية، وقضايا أدبية ونقدية، وغير ذلك، وكل هذه الدراسات قدمت شيئاً، وغابت عنها أشياء. وغفلت هذه التصنيفات عن شؤون ملحة مهمة منها: المال والوطن والمهن والثقافة والاقتصاد والفن والأمن وغيرها.
ولما كان الأمر كذلك، فقد رأيت أن أختصر المسافات وأحاول ضم المتباعدات والمتقاربات في رؤية تكون أكثر وضوحاً، وأقرب رحماً للمتلقي، وفي منهج يكون أبين سبيلاً، وأعم فائدة في تناول النص الشعري وقراءته. ورأيت أن أنسق معالم الشعر الجاهلي، وأضعه في محاور ثلاثة: محور الرجل، ومحور المرأة، ومحور الحيوان.
محور الرجل
الرجل رقم أول صعب في أرقام الحياة الإنسانية، والثقافة العربية للعصر الجاهلي، فهو سيد الحاضرة والبادية، وشيخ القبيلة وزعيمها، وقائد فرسانها، يحمي حقيقتها، ويبني أمجادها. وهو كذلك شاعرها ومنتج خطابها الشعري، ولوحاتها الإبداعية بمواصفات عالية الأداء والتميز.
وجاءت لوحات الرجل في موضوعين كبيرين: الأول، لوحات منظومة القيم والفضائل، والثاني، لوحات ألوان المشاعر والوجدان.
في الموضوع الأول أصّل الشعراء لوحات القيم والشمائل للرجل، وذلك بتوظيفهم حيوان الطبيعة وبحارها وأنهارها حيث كان الرجل هو المشبه والحيوان وغيره هو المشبه به:
فالرجل أسد في قوته وشجاعته وبأسه، وذئب في صبره وتحمله الجوع، ووعل في أمنه وحمايته، وحوت في مهارته وفنه، ونعام في سرعة حركته، وعقاب في شدة انطلاقه، وحمار وحشي في سرعة فراره، وثعبان في خوفه وحذره وتوتره، ونهر في الجود والسخاء والعطاء. فالقوة والشجاعة والبأس والصبر والمهارة والسرعة والحذر والجود والعطاء وغيرها من القيم والفضائل في الرجولة الحقة.
وفي الموضوع الثاني عبر الشعراء عن ألوان مشاعرهم ووجداناتهم، فدموع الرجل الغزيرة تشبه مياه السانية (وهي الدلو الضخمة والناقة التي تخرج هذا الدلو من الآبار لري بساتين النخيل وحدائق الأشجار). ويأتي الحديث عن هذه الدموع أثناء الرحيل وفراق الأحبة. وكان الرجل في حزنه وتفجعه على فقيد عزيز عليه يماثل حزن الأم الثكلى ذات المشاعر الدفاقة والجيشان العاطفي عندما تفقد أعزاءها، والغالين عليها. وإذا كانت لوحة السانية تمثل رمزية الشوق والحنين إلى الأحبة الأحياء، فإن لوحة الأم الثكلى تعبر عن رمزية الحزن والتفجع لفقد الأحبة الأموات. فالدموع والأحزان والآلام تعبر عن المشاعر والأحاسيس عند الرجل في التعامل مع مجتمعه وحياته. وتأتي لوحات الرجل بديلاً عن الدراسات التي تناولت موضوعات الشعر وأغراضه، مثل: المدح والفخر والهجاء والرثاء وغيرها.
محور المرأة
ذهبت لوحات المرأة الإبداعية إلى الحديث عن هندسة الجسد وجمالياته، وهو موضوع يعالج شؤون المرأة سيدة الحياة الجاهلية، ويتابع فيها اللحظات الجمالية من حيث: رشاقة قوامها، وسحر عينيها، وشهد ثغرها، وشد الانتباه إلى زينتها، وتموجات حركتها وسيرها، ومشاهد أسفارها ورحلاتها.
فالمرأة بقوامها درة في بهجتها وبريقها وألقها، وثغرها عسل في حلاوته وعذوبته ومذاقه، وعيناها كعيني الظبية في احورارهما وجاذبيتهما، وجيدها كجيد الظبي في انتصابه وطوله، ولونها لون بيضة النعام في شدة بياضها، وعطرها عطر الرياض الغناء في طيوبها وشذاها الفواح، ورحيلها وأسفارها يماثل رحيل السفن وامتدادها، ويشابه ارتفاع النخيل وضخامته وألوانه. وهذه اللوحات كانت تندرج في موضوعات الغزل والرحلة والزينة، لكنها الآن تفتح أفق الفضاء النصي، وتكشف عن الغياب والحضور، وأبعاد الحياة والحركة، وميادين المهن الإنسانية.
محور الحيوان
ومضت لوحات الحيوان ممثلة بالأبل “الجمل والناقة” وبالحصان والفرس، وكانت الناقة والحصان أهم حيوانين أليفين عني بهما الإنسان في قلب الصحراء. لقد أبرز الشعراء دور الصراع والصدام والمواجهة من أجل البقاء في شؤون الحياة ومشاهدها عبر البادية وقفارها. وكانت الناقة تثير هذا الصراع في رحلاتها وتجوالها وحركاتها وسرعتها بتوظيف حيوان آخر معها يماثلها في وعي الحركة ووعي الذات، وكانت المواجهة سبيلا لانتصار الذات على العطش والبطش والجوع والفقر والقبح والإساءة؛ فالناقة رمز الذات، والذات تصبح ذواتاً أخرى من الحيوان والطير في تقنيات الترميز والتأويل.
وتكون الناقة حماراً وحشياً، وأتاناً وحشية في السرعة والفرار، وفي إنقاذ الأسرة والمحافظة عليها. فالحمار (ومعه الأتان وصغار الحمر والأتن) يتحدى الجفاف، ويرد الينابيع، ويبدع طرائق الإفلات من الصيادين وسهامهم، ويحمي نفسه ومن معه، وكأنما نحن أمام أسرة تواجه الأخطار، وتعاني من قسوة الطبيعة وحيوانها، ومع ذلك تمارس حياتها بكثير من النشاط والحيوية.
وتصبح الناقة ثوراً وحشياً، وبقرة وحشية في الدفاع والمواجهة والثبات والتحدي، فالثور يصاول عن نفسه، ويحمي ذاته، وينتصر على الصيادين، ويصرع كلابهم الضارية في معارك ليست سهلة، تتصبب فيها الدماء، ويفر المهزوم ذليلاً، ويظل المنتصر عزيزاً. والبقرة الوحشية تدافع عن نفسها وعن صغارها، وترد عادية الأخطار عنها وعن صغارها. والثور يمارس حياته وحيداً ليلاً ونهاراً، وهو بهذا يختلف عن الحمار الذي يعيش حياته مع أتانه وصغاره.
وتمسي الناقة نعاماً في السرعة والعدو والحذر والترقب، فالنعام الظليم يعود إلى أدحيه بشد سريع، وحذر شديد، ويأخذ دوره في المحافظة على البيض وعلى الصغار وصناعة الأجيال القادمة. الظليم الذكر والنعامة الأنثى والصغار أسرة سعيدة استقر شأنها بعد زوال الأخطار وانتهاء المتاعب.
وتشكل الناقة سفينة الصحراء في النجاة والوصول إلى بر الأمان، فإذا كانت السفينة تمخر عباب الماء حاملة ما عليها، وتصل إلى محطتها في أمن وسلام، فإن الناقة تقطع رمال الصحراء بما عليها، وتنجو من مخاطر الطريق وتصل إلى مقرها ومستودعها سالمة نشيطة.
وأما الحصان فقد كان: قطاة في السرعة والنجاة، وعقاباً في مهارة الانطلاق، وذئباً في الصلابة والتحمل. وتمثل لوحة القطا رمزية السرعة اللاهبة، واستخدامها أقصى طاقاتها في الطيران، وورودها على الماء، وتبرز هذه اللوحة صورة الصقر الخطر الداهم للقطا. وفي اللوحات نوعان من القطا: الكدري أغبر اللون، والجوني أسود اللون وهو أكبر من الكدري وأشد سرعة وطيراناً منه، القطاة تنجو من أخطارها بمهارة طيرانها، وكذلك هي الفرس تصل نشيطة قوية بشدة سرعتها. وتأتي لوحة العقاب كذلك في رمزية السرعة الهائلة مقارنة مع الفرس التي تصب الجري صباً، وتبدو مع العقاب صورة الثعلب أو الذئب، وكلاهما يدخل في مواجهات قاسية مع العقاب. وتكون لوحة الذئب رمز الصلابة والقوة والتحمل والاحتمال مقارنة مع الحصان، وكلاهما قوي صلب نشيط، يتحمل الجوع ويصبر عليه، ويواصل حياته في مهارة وقوة احتمال.
والشاعر في لوحات الناقة والحصان “الحيوان الأليف”، يوظف “الحيوان الوحشي”، وذلك ليرسم مشاعره وفكره في كل همومه واهتماماته في لوحات محملة بكثير من الدلالات والسياقات، وبغزير من الرموز والتأويلات، وتقدم مادة معلوماتية شيقة، ولا غرو فهذه اللوحات عجيبة مذهلة خارقة لها أسرارها المعلنة والخفية.
وجاءت تعليلات قديمة وحديثة في شأن وجود الحيوان بكثافة عالية في القصيدة الجاهلية ومنها: التفاؤل والأمل، والتفسير الأسطوري، والتفسير الرمزي في الخير والشر، وامتلاك القدرة الهائلة في أنشطة الحيوان، والتعبير عن الذات وانتصاراتها في المواجهات والمصاولات، وتأتي لوحات الحيوان بديلاً عن موضوعات في وصف الطبيعة، ومظاهرها، وما في الصحراء من أمطار ورياح، وما فيها من شمس حارقة وحياة قاسية، ومشاهد أخرى.
وتظل هذه المقاربة رؤية ومنهجية قائمة في حد ذاتها على تناول اللوحات الإبداعية ومعالجتها في إطار المحاور الثلاثة، وقد آزرها وعاونها المنهج الاحصائي، وواكبها وتفاعل معها المنهج التكاملي الشمولي بالتحليل والتعليل والتفسير، وهي رؤية حديثة تمتح من جلال التراث والأصالة، ومن إبداع المعاصرة والحداثة. ولا أعلم أحدا قام بها من قبل، وقدمها في مثل هذا الجهد من الاستقراء والإحصاء والدراسة.
درّة الشعر تنافس درّة البحر
هنا دراسة تطبيقية لما أوردناه سابقاً، تتناول قصيدة الشاعر الجاهلي المسيب بن علس شاعر قبيلة ربيعة عن الدرة.
رسم هذا الشاعر الكبير في العصر الجاهلي في قصيدته هذه لوحة إبداعية، وفر لها مقومات أساسية، وتقنيات فنية، وصنعة شعرية، وانتظم الحديث في هذه اللوحة عن الدرة في خمسة عشر بيتاً.
لقد استحضر الشاعر مباهج حياتية في النضارة والملاحة والبهجة للمرأة بالمقارنة مع الجمانة البحرية ـ الدرة المتوهجة ـ وبدأ لوحته بالتشبيه التمثيلي الممتد في البيت الأول “كجمانة البحري جاء بها غواصها”، وعالج التفاصيل والجزئيات في قص ممتع مثير تناول موضوعات وأموراً أهمها ثلاثة: الشخصية/ الغواص، مسرح الأحداث/البحر، المستملح الحياتي/الدرة.
فالغواص يقابل المخاطر والمتاعب قبل الرحلة واثناءها، وفوق البحر وفي أعماقه، ويجد نفسه أمام الخطر الأول الماثل في: قيادة فريق الغوص، وحل الخلاف الذي استيقظ بينهم، وهذا الخطر يتطلب مؤهلات في القوة والمسؤولية والإدارة، فكان الغواص صلباً في رئاسته وقيادته، وحازما في إدارته، ولذا أمسك بزمام الأمور، وقاد العمل على مسرح الأحداث بكفاءة وقوة، مما جعل فريق الغوص المتجمع من أصول شتى يسلم له القيادة، وينصاع لأوامره وتعليماته، كما في البيتين: الخامس (صلب الفؤاد)، والسادس (فتنازعوا).
وتبدأ رحلة الغوص على ظهر سفينة سجحاء طويلة بسرعتها المذهلة (تغلي) في بحر صاخب الأمواج، سحيق الأعماق، وبعد تطواف طويل اهتدى الغواص بحسه وخبرته إلى المغاصة، فأصدر أوامره بالتوقف وإلقاء المراسي، لقد واجه الغواص بكفاءة عالية الخطر الثاني الماثل في: البحر العاصف القاصف، والأمواج الغاضبة الثائرة، والمغاصة المهلكة المنهكة، وذلك كما جاء في الأبيات الثلاثة: السابع (غلت بهم)، والثامن (حتى إذا)، والتاسع (ألقى مراسيه).
ثم تأتي مرحلة الغوص، فيقذف الغواص بنفسه في سرعة مذهلة، وينصب أنصبابا إلى قاع البحر حاملاً معه أدوات الغياصة، ومخزوناً نفسياً مؤلماً يتمثل في أسرته المقهورة التي أحرقها الفقر، وجسده المهزول الذي أنحله الجوع، وصور من البؤس والشقاء والمعاناة. ويواجه الغواص الخطر الثالث الماثل في وجوده تحت الماء نصف نهار وانقطاعه عن العالم، بقدرته التحملية وشجاعته الذاتية. وذلك في الأبيات الثلاثة: العاشر (فانصب أسقف)، والحادي عشر (أشفى يمج الزيت)، والثالث عشر (نصف النهار).
لقداحترف الغواص مهنة أبيه في الغوص، وسار على منهجه وخطواته في الإصرار على الإبحار، والحصول على رغيبة الدهر- العطاء الكثير والثروة المطلوبة - وهي الدرة، كما يشير البيت الثاني عشر (قتلت أباه)، وفي لحظة التنوير وبؤرة التوقع، وبارقة الأمل، أصاب الغواص منيته وحصل على الدرة، وجاء بها كمضيئة الجمر، وتحقق له الفوز والنجاح في الوصول إليها، وتبدو هذه اللحظة بارزة في البيت الرابع عشر (فأصاب منيته).
وفرح الغواص فرحاً عارماً بامتلاكها، في حين أخفق والده، فها هو الابن يأخذها بين يديه في تنازع عاطفي مثير، ويضمها إلى صدره محتفظاً بها، يتحسسها ويتفحصها، وهو في أسمى حالات الابتهاج، فلا أحد أقوى على الزهو منه في هذا الموقف، والبحارة من الصراري والملاحين يشاطرونه الفرحة والبهجة، وهم وهو مبهورون بتلك الجمانة في حسنها ونفاستها وتألقها، وقد عبر الشاعر عن هذا الانبهار: عندهم بمفردة يسجدون، وعنده بمفردة ويضمها، وكان لهم وله منها نظرة العاشق المتيم في جو انفعالي توهجت فيه المشاعر والأحاسيس والبيت السادس عشر (وترى الصراري) ينقل هذا التوهج.
وتصبح الجمانة المال والثروة والقيمة في عالم التجارة، والسوق وصفقات البيع والشراء، وبالرغم من الحاح التجار واغراءاتهم في أقوالهم: ألا تشري بمعنى ألا تبيع؟ ومبالغات أرباب المال في دفع الثمن، وعروض السوق المغرية، فإن الغواص قرر عدم بيع درته والتخلي عنها، وصمم على الاحتفاظ بها، فقد أصبحت بعض ذاته ونفسه بل كل نفسه وذاته، فإذا باعها فإنما يبيع نفسه، وإذا فرط فيها فهو يفرط بنفسه وثروته، ولذا لم ينكسر أمام الاغراءات والمحاولات، وبقي صلبا في حرصه عليها، قوياً في احتفاظه بها، وصار غنى النفس عنده أقوى من غنى المادة. وهذا ما أشار إليه البيت الخامس عشر (يعطى بها ثمنا).
لقد أعطى الشاعر هذه اللوحة من طاقته الفنية، وخبرته الحياتية، وتجربته الشعرية، ما جعلها لوحة نابضة بالحياة، زاخرة بالمشاعر الإنسانية الدافئة، ويبدو أنه مفتون بالبحر وعالمه، وبدرره وجمانه وبغواصيه، وقد كانت هذه اللوحة من أقدم اللوحات التي وصفت عالم الغوص واللؤلؤ والبحر، واعتبرت بحق وثيقة شعرية لتاريخ الغوص في الخليج العربي. واستطاعت لوحة المسيب أن تجعل من المرأة درة الحياة وجمالها وألقها، فالمرأة مذهلة وخارقة بما تملكه من قوامها الباهر الثر. وكانت اللوحة من النماذج الفنية المبكرة في الابداع والتميز، ولعل الشاعر كذلك من أوائل الذين ابدعوا القول في هذا الباب من الشعر. والقصيدة التي حملت هذه اللوحة الابداعية هي ايضا درة من درر الشعر الجاهلي، فقد كان الشاعر في قصيدته بحاراً جسوراً في بحر الحياة، وبحاراً ماهراً في بحر اللغة، وبحور الفن العصية، وقدم لنا هذه الرائعة الجمالية.
* أستاذ في جامعة العلوم الإسلامية العالمية (عمّان حالياً) وجامعة اليرموك (إربد) سابقاً
** ألقيت المحاضرة في المركز الإعلامي لسمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان ممثل رئيس الدولة
نظرت إليك بعين جازئة
في ظلّ باردة من السّدر
(3)
كجمانة البحريّ جاء بها
غوّاصها من لجّة البحر
(4)
صلب الفؤاد رئيس أربعة
متخالفي الألوان والنجر
(5)
فتنازعوا حتى إذا اجتمعوا
ألقوا إليه مقالد الأمر
(6)
وغلت بهم سجحاء جارية
تهوي بهم في لجّة البحر
(7)
حتى إذا ما ساء ظنّهم
ومضى بهم شهر إلى شهر
(8)
ألقى مرلية بتهلكة
ثبتت مراسيها فما
(9)
تجريفانصبّ أسقف رأسه لبد
نزعت رباعيتاه للصبر
(10)
أشفى يمجّ الزيت ملتمس
ظمآن ملتهب من الفقر
(11)
قتلت أباه فقال أتبعه
أو أستفيد رغيبة الدهر
(12)
نصف النهار الماء غامره
ورفيقه بالغيب لا يدري
(13)
فأصاب منيته فجاء بها
صدفيّة كمضيئة الجمر
(14)
يعطى بها ثمنا ويمنعها
ويقول صاحبه ألا تشري
(15)
وترى الصّراري يسجدون لها
وبضمّها بيديه للنّحر
(16)
فتلك شبه المالكيّة إذ
طلعت ببهجتها من الخدر
(17)

 

 
   
 
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=