http://kouttab-al-internet-almaghariba.page.tl/
  مجتمع المعرفة أو الرهان المؤجل
 


 
مجتمع المعرفة
أو الـرِّهان المُؤَجَّـل
                              

 صلاح بوسريف
 
                  " لا غِنَى كالعقل و لا فَقْرَ كالجهل و لا شَرَفَ كالعِلْم
                        و لا ميراثَ كالأدب "         
                                                    [على بن أبي طالب]
 
كانت الأمم المتحدة في عام 1996 أصدرت بياناً، اختارت فيه يوم 23 أبريل، من كل سنة، يوماً عالمياً للكتاب. احتفاءً ببعض الكُتَّاب و المبدعين العالميين الذين، صادفَ هذا اليوم، يوم وفاتهم، مثل ميغل دي ثربانتس، و وليام شكسبير. ستتخـذ منظمة اليونسكو من هذا اليـوم، مناسبة للاحتفال بالكِتَاب، و للعمل على التَّحْسِيس بأهمية الكُتُب و المكتبات في حياة الشُّعُوب، و الدور الذي تلعبه في التكوين الثقافي، و في بناء مجتمعات المعرفة.
فما اسْتَشْعَرَتْهُ اليونسكو من تراجُعٍ في الاهتمام بالكِتَاب، كان أحد الأسباب التي دَفَعَت إلى إقرار يومٍ عالميٍّ للكِتَاب، و إلى إثارة الانتباه إلى الوضع الذي يمكن أن تَؤُولَ إليه المعرفة، و هو ما قد ينعكس سلباً على المُجتمعات نفسها، في حالة ما إذا أصبح دورُ الكِتَاب، في سياسات الدول و الحُكومات ثانوياً، أو لا يحظى بالدَّعم الكافي، كما يَبْدُو اليوم في كثير من البرامج الحُكومية، خصوصاً في الدُّوَل التي يأتي التعليم، فيها، و القراءة بشكل عام، في آخر سُلَّم أولوياتها.
إذا كانت، المكتبات العامة، و دور النشر، و مؤسسات التوزيع، و حتى المؤسسات الحكومية التي لها صلة بهذا الموضوع، في الغرب، تُولِي أهميةً قُصْوَى للقراءة، و تعمل وفقَ سياساتٍ و برامج، مُحدَّدةَ الأهداف، على توسيع مساحات القراءة، و الإقبال على اقتناء الكُتُب، و استعمال المكتبات العامة، كأمكنةٍ للمطالعة و البحث، و تنظيم معارض الكُتُب، باحْتِرَافِيَة عالية، و ببرامج يكون فيها، معدل تَداَوُل و تسويق الكِتَاب مُرْتَفِعاً، فالوضع في العالم العـربي، هو نقيضُ هذا تماماً. يكفـي أن نعود إلـى التقارير الدولية، و خصوصاً ما يأتينـا من المنظمات التـي تهتم بالقـراءة و بنشـر الكُتُب و ترويجها، لنقف على حَجْم الخسارات الفادحة التي طالتنا، جرَّاء هذا الإهمال الذي تتحمَّلُ فيه الحُكومات و الدول دوراً كبيراً.
و لأبقَ في إطار هذا الوضع الكارثي، لما صار عليه وضع المعرفة عندنا، و ما له من انعكاسات خطيرة على مختلف مجالات التكوين و البحث العلمي، أكتفي، فقط، بالإشارة إلى ما كرَّسَتْهُ الدولة بكل مؤسساتها، بما فيها وسائل الإعلام بمختلف مشاربها، من إمكاناتٍ كبيرة، للاحتفال، بالذكرى الأربعينية ليوم الأرض [ بما يُثِيره الاسمُ من التباسات]، و هو اليوم الذي صادفَ اليوم العالمي للكِتَاب. فالاهتمام بيوم الأرض جاء على حساب الاهتمام بيوم الكِتَاب. فوزارة الثقافة المعنية بأمر الكِتَاب، بقيت خارج الموضوع، و كأن مشاكل النشر و التوزيـع، و مُشكل القراءة، عندنا، ليس من ضمن أولوياتها،
و هو ما يمكن تعميمه على وزارتَيْ التعليم، و الشباب و الرياضة. فخُطورة ما تتعرض له الأرض من تدمير، و ما عرفته الطبيعة من اختلالاتٍ في نظامها، نتيجة الاستعمالات المفرطة للتصنيع، و هذا ما تتحمل فيه الدول المُصَنَّعَة المسؤولية الكبرى، هو نفس ما يمكن أن ينطبق على فقدان المعرفة، أو ما يمكن أن يطال هذه المجتمعات  من اختلالاتٍ فـي التكوين و التأطير، و في تقدير قيمة الفكر في ضمان صيرورة الوُجود، و ما قد يحدثُ من مشكلات، مثلما يجري اليوم من تدويلٍ للفكر المتطرف، و من تعتيمٍ للمفاهيم و القِيَم.
في انتفاء المعرفة، يصير فكر الاستهلاك، هو الفكر المُتَحَكِّم في مثل هذه المجتمعات، ما يعني انتفاء قدرة الإنسان على الخلق و الإبداع و التفكير. الإنسان الصَّامِتُ الخانعُ المُطيع المُوَجَّهُ، وفق ما تُمليه عليه وسائل الدعايـة و الإعلام، هو النتيجة التي تَؤُولُ إليها مثل هذه السياسات التي لا تعبأ بأهمية الإنسان، و لا بأهمية الفكر النقدي، الذي كان، دائماً، هو الطريق التي تُفْضِي إلى صيرورة المجتمعات، و رفاهيتها، و إلى تكريس فكر الاختلاف، و تقدير الرأي الحُر، مهما كانت درجة اختلافنا معه، أو رفضنا له.
فحين تنعدم، " بيئة " المعرفة، أو تُصَابُ، بمثل هذا " الثَّلَوُّت "، التي هي عليه اليوم، فهذا يكون، حتماً، أحد أسباب الخطر التي تتهدَّد الأرض، باعتبار الإنسان، هو " المُصْلِحُ " أو " المُفْسِدُ في الأرض ".
و إذا لم نعمل علـى تحصين الإنسان بالمعـرفة، فإنَّ الوعي بقيمة الأرض، و بما قد يَلْحَقُها من أَذًى، لن يَحْدُثَ، كون العلاقة بين الإنسان و الأرض، هي علاقة زواج وُجُوديٍّ، و كُلُ زواج تَخْتَلُّ فيه العلاقة بين الطرفين، أو تكون فيه الحُظْوَةُ لِطَرَفٍ على حساب الآخر، هو زواج مُهَدَّدٌ بالزوال.
لا أسْتَسِيغُ، مثلاً، بناء حديقةٍ، قبل بناء إنسانٍ، أو تربيته على الجمال. كما لا أفهم، كيف نزرعُ قيم المحبة و الاختلاف، إذا كانت المدرسة عندنا تَفْتَقِدُ لفضاءاتٍ، و لبرامج، لا مكان فيها للقراءة و الكِتَاب. كما لا أفهمُ معنى أن تكون عندنا وزارة للثقافة، لا يعنيها يومُ الكتاب، و هـي، على أيٍّ، أصبحت لا تَحْضُر، أو تكون موجودة، إلا في المعرض الدولي للكتاب الذي أصبح هو كل ما تعمل الوزارة، و معها الجمعيات العاملة في قطاع الثقافة و الكتاب، على إنجازه، بكل ما يُصاحبه من اختلالات، و حسابات لا علاقةَ لها بالثقافة، و لا بالكتاب.
أليس هذا الإهمال للقراءة، و لِدَوْرِ المكتبات، في حياتنا اليومية، هو تعبير واضح عن إهمال الدولة، بكل قطاعاتها، للثقافة، و للمعـرفة، أعنـي للكُتُب و المكتبات، و تحويل الاهتمام، إلى مجتمع الاستهلاك و الفُرْجَة، بدل مجتمع المعرفة، الذي هو أحد ضرورات، ما تُسَمِّيهِ الدولة نفسُها بمشاريع التنمية البشرية.
فمجتمع المعرفة، هو المُجتمع الكفيل بِحَلِّ كثير من المُعضلات التي باتت تَمُسُّ القيم و المعارف، و باتت تُهَدِّد الأرض، في خُضْرَتِها، و في توازنها الطبيعي، و بات الإنسانُ هو نواةُ هذا المُجتمع، و هو مَنْ يحتاجُ إلى اهتمام أكثر، و إلى وَضْعِه في سياق المبادرات الفردية، و المًشَارَكَة في اتخاذ القرارات، و في التعبير عن رأيه بحريةٍ، و بجرأةٍ، دون قيود أو شروطٍ، خصوصاً إذا كان شروط التكوين قائمةً على المعرفة بآليات القراءة و التحليل و النقد، أو بما تسعى مجتمعات المعرفة لتكريسه من قدراتٍ علـى الابتكار و الإبداع.
إنَّ ما تُعانيه الأرض العربية من " تدهور كبير في ثقافتها و لغتها و عاداتها و تقاليدها "، ناتج عن تكريس قيم الفُرْجَة و الاستهلاك، في مقابل قيم المعرفة و الإبداع. فالوضع عندنا، يبدو أكثر تعقيداً، خصوصاً حين نُدْرِكُ طبيعة التحوُّلات التي حدثَتْ في مُجتمعات المعرفة اليوم، وفي وسائط هذه المعرفة، التي أصبحت أكثر تعقيداً، و أكثر انتشاراً مما كانت عليه، أو مِمَّا ما نزال لم نَصِل إليه بعد. فإذا كُنَّا ما نزال لا نتوفر في مكتباتنا العامة على الوسائط الحديثة للاتصال و البحث، ولا نتوفر في المدارس و الجامعات على مكتبات، بمعنـاها التقليدي، و لا علـى فضاءات محتـرمة للقـراء و البحث، فكيف يمكن أن نتحدَّث عن المكتبة كشرط للتكوين، في ما تُسَمِّيه وزارة التربية الوطنية بـ " المخطط الاستعجالي "، في الوقت الذي لم تعمل هذه الخطة على الشروع في وضع تصوُّرٍ واضح لما ينبغي أن يُساعدَ التلاميذ على وُلُوج عالم المعرفة، ولوضع القراءة ضمن أولويات هذه المعرفة. ما تزال كثير من الأمور غير واضحة، و المدرسة، كمكان للتربية و التكوين، تعمل وفق برامج و مقررات لا تساير التحولات الجارية في مجتمعات المعرفة، كما عملت خُطَط التنمية البشـرية، فـي أكثر من مكان علـى استـدراكها، و الانخراط فيها.
فكيف إذن يمكن الحديث عن استخـدام التكنولـوجيا الحديثة، فـي التعليـم و التكوين، و نحن لم نَمُر بعد عبر مرحلة الإقبال على القراءة بالوسائط التقليديـة، أو بتكـريس الكِتَاب كشـرطٍ للمعرفة، و وسيلة لحفظ المعـارف و تداوُلِها؟
ففـي الوقت الذي أصبحت فـيه الدُّوَل المعنية، حقيقـةً، بمجتمع المعـرفة، و بالمفهوم الفعلي للتنمية البشرية، تتحدَّثُ عن الاقتصاد المعرفي، و ثقافة الابتكار و الإبداع، و تعمل على توسيع مجالات اقتصادها، بما يتجاوزُ، من حيث العائدات والمداخـل، ما كان يأتيها من عائـدات الصادرات الخارجية، و الصناعات الكيماوية، و صناعات السيـارات، أو الطائـرات، و صادرات قطاع الزراعة، و غَدَت الصناعات الابتكارية و الإبداعية عنصراً مهماً في تكوين الاقتصادات المُتقدمة، و في زيادة الدخل الوطني، و تخفيف معدلات البطالة، نجد وَضْعَنا، في سياق هذا التحوُّلات الكُبْرى، مُحْرِجاً، و لا يرقى لمضامين الشعارات التي تبقى، في أغلب الأحيان، مُجَرَّد كلام، لا يرقى لمستوى العمل، أو الإنجاز.
ففي عام 2001، مثلاً، قُدِّرَ صافي عائدات حقوق النشر الأمريكية بـ 791.2 بليون دولار، أي ما يعادل 7.75 % من إجمالي الناتج المحلي، و يعمل فيها حوالي 8 ملايين عامل، و يفوق إسهامها في الصادرات الخارجية.
يُقَدِّمُ لنا هذا المثال، و ثمة أمثلة كثيرة، لدى دول أخرى من آسيا، بما فيها إسرائيل، نموذجاً صارخاً عن النظرة الدونية للثقافة التي تبدو في النسبة المئوية من الميزانية العامة للدولةِ المُخَصَّصَة للثقافة، و في نظرة مؤسسات القطاع الخاص، و الجماعات المحلية، و مجالس المُدن، و ممثلي الشعب! في الغرفتين.. و هي كلها أطراف مسؤولة، و هو ما لا يعفي الدولة كمسؤول أول و أخير، من التَّرَدِّي الذي وصلته المعرفة في بلادنا، و التعليم، بجميع أسلاكه، شاهدُ تأكيد على هذه المأساة التي طالتْ المجتمع، و مَسَّت قِيَمَهُ المختلفة، و لعلَّ أخطـرها القيم الرمزية، من إنتاجات فـي مجالات الكتابة و الفن، و الإبداع بشكل عام، و على رأسها للغة التي بها نكتُب و نقرأ.
الاستهانة بالقراءة، و بالكِتابِ، أي بالمعرفة، هي استهانة بالوجـود التاريخي و الحضاري للأمَّة، و هي أيضاً استهانة بالمُقَدَّرات البشرية، و بما يختزنه الإنسان من قدرات على الإنتاج و الإبداع، و على المشاركة في البناء، و في تفعيل البرامج، خصوصاً إذا كانت هذه البرامج، و المُخططات و المشاريع، تضع في حسابها، الإنسان كشريك، و كطاقة فاعلة في تحريك عجلة النمو، وفي النظر إلى المستقبل بثقة و بتفاؤل كبيرين.
إنَّ مجتمع المعرفة، لا يعمل بالآليات التقليدية، و لا بالمفهوم المبتذل لكلمة نشاط أو أنشطة، أو ما تعتبره و زارتيْ الثقافة و التعليم عندنا، حُلُولاً لمعضلاتٍ كبرى، في هذين القطاعين، فالأمر أصبح يقتضي الاستعانة بالخبـراء، و مَنْ يعملون وفق رُؤًى و تصوُّرات تقوم علـى الرؤية البعيدة، و على اسْتِشْراف المستقبل، ليس بنوعٍ من النبوءة، أو الكلام الإعلامي المُوَجَّه للاستهلاك، و لتبرير الفشل، و سوء التسيير و التدبير، بل بإشراك المعنيين بشأن التعليم و الثقافة، و بتشخيص أماكن الخلل و العطب، في هذين القطاعين، و استشارة المنجزات المتقدمة، و التي راكمت تجارب ناجحة، طبعاً، دون السقوط في استنساخها، أو نقلها بطريقة قد تُفضي إلى ما يُكرِّسُ الفشل، و يضاعف من أعطابنا.
إننا، بهذا المعنى، فـي حاجة إلـى " سياسات خاصة لتعزيـز ثقافة الإبداع و الابتكار في كل مجال من مجالات الحياة الإنسانية و الاقتصادية "، ما يعني أننا في حاجة لوضع الإنسان في الواجهة، و لخلق شروط، و إمكانات الابتكار و الإبداع، وتهيئ الشروط الضرورية للمعرفة، بكل ما أصبحت تتطلبه من بنيات تحتية كافية، و من وسائل لتسهيل انخراط الإنسان في مشروعاتِ، و برامجِ الاهتمامِ بالبيئة، و بالقيم التي تكفَلُ لكل فَرْدٍ حق التَّعَلُّم و َوُلُوج عالم المعرفة. " فالصناعة الثقافية مثلاً، تحتاج إلى البشر أكثر من حاجتها إلى المال، و هي لا تثير مشاكل بيئية أو صحية كالصناعات الكبيرة، و لها أسواق داخلية أوسع من أسواق السلع الصناعية الأخرى ".
لا حُجَّةَ لنا في هذا الإهمال، و لا بديل عن المعرفة، أعني عن المجتمع المتعلم، القارئ، و المٌنتِج، و هذا هو الرِّهانُ الذي ما تزال الدولة، عندنا، بكل قطاعاتها، تَتَلَكَّأُ في اتِّخاذ المبادرة، و في إعلان برنامج واضح، لدعم الثقافة و التعليم، و البحث العلمي، بما يقتضيه من بنياتٍ تحتية، ومن اهتمام بالإنسان، و بما يمتلكه من طاقات على الإبداع و الإنتاج.
بصدد بعض الأرقام الواردة في النص، و ما بين مزدوجتينـ يمكن العودة إلى، عبد الحسن الحسيني، التنمية البشرية و بناء مجتمع المعرفة.. الدار العربية للعلوم ناشرون 2008     
 
            
 
       
 
   
 
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=