http://kouttab-al-internet-almaghariba.page.tl/
  حكي بنكهة الحامض
 


حكي بنكهة الحامض
 قراءة في "دموع فراشة" للقاص حميد ركاطة *

فتح الله بوعزة*
 
يخيل إلي أحيانا أن الحكيَ مهادُ العالم، و الشعرَ سقفُه ، و بينهما خيوطٌ متشابكةٌ. أفترض ـ أحيانا أخرى ـ أن الشعرَ كان رجلا، و الحكي امرأة طاعنة في القِدَمِ. يمكن أن يكون الشعر شابا، في كامل عنفوانه وجبروته أو ضعفه؛ على النقيض من الحكي الذي ينبع من جوف امرأة خبرتِ الحياةَ، و الناسَ و لعبةَ القدر، أيضا؛ في صيرورة زمنية دائمة، لا تؤمن بالثبات. لذلك كانت الجداتُ ( في لا وعي الحكي ) مُؤهَّلاتٍ أكثرَ من غيرهن لممارسة الحكي.
يبدو الحكي، من زاوية الافتراض هذا، متشعبا و متعدد البنيات: فهناك أحداث كثيرة، واقعية أو متخيلة، داخل زمن و مكان منتقيين؛ مرتبة بعناية ـ و إن بدت فوضوية ـ و بأشكال مختلفة، لغايات مضمرة، يمسك الكبار ـ دائما ـ بخيوطها في عملية التنشئة، و زمن الحكي الذي لا يستقيم أو يحلو إلا بالليل، و داخل مكان مغلق؛ قد يكون سرير شهرزاد، أو غرفة الجدة.
ربما لهذا السبب افتتح القاص "حميد ركاطة"، أولى قصص المجموعة بحكاية الجدة التي "تنبه حفيدها إلى عدم التحديق في البيت الذي نبت فجأة وسط حقول الكروم" (ص 9 ـ مذكرات طفل حزين) ليسترسل بعد ذلك في حكي طويل، مقسم إلى نصوص سردية قصيرة ( 98 نصا قصيرا)، تحت اسم "قصص قصيرة جدا"، في سياق تمييز هذا النوع عن جنسين آخرين اصطلحنا عليهما سابقا بالقصة القصيرة و الأقصوصة؛ بالرغم من توظيف الأصناف المذكورة للآليات نفسها.
تحمل المجموعة القصصية عنوان " دموع فراشة"، و هو عنوان قصير، بدوره، يتكون من مفردتين نكرتين، إحداهما جمع و الأخرى مفرد، و الرابط بينهما علاقة إضافة، و انزياح مفتوح على أبعاد دلالية تحقق إمكانية تعميم خصائص الواحد المفرد النكرة على الكل؛ و هي بالمناسبة خصائص الفراشة التي يلهث الصبية ـ بشباكهم ـ خلف ألوانها و رقصاتها، و تموت من شدة شغفهم بها، أو تموت و هي تلهث خلف الضوء، دون تمييز بين النور و النار.
" دموع فراشة"، أيضا، عنوان لقصة في متن الحكي، أراد لها القاص أن تختزل خصائص و مضامين النصوص السردية التي تتكون منها المجموعة، بالرغم من تنوع الموضوعات ( التيمات )؛و هي نص يتأسس على تجربة أنثى تقوم بمهمة نادل بحانة، و تقرر ـ دون سابق إشعارـ  أن تنزع أحمر الشفاه، و باقي مكونات القناع الأخرى؛ لتفضح حجم التناقض بين وظيفتي اللون الأحمر في تغيير التاريخ البشري، من جهة، و تزييف حقائق الناس، من جهة أخرى ( ض 21).
 تمتاز نصوص المجموعة بالإيجاز، و هو خاصية بلاغية تتيح إمكانية نقل أكبر عدد من الأفكار و المواقف و الصور الجمالية، باقتصاد شديد؛ على النقيض من الإطناب ؛بل يمكن ملاحظة أن النصوص مجتمعة ـ و كذا العناوين ـ تتفاوت فيما بينها، على مستوى الإيجاز نفسه. فبالرغم من أن القصر هو السمة المهيمنة على مختلف النصوص السردية، إلا أن بعضها أشد قصرا من الآخر، من حيث الحيز الزمني أو الفضاء الذي يشغله؛ و هنا يجب الانتباه إلى أن "القاص حميد" قد أضاف إلى الإيجاز ـ و بحنكة ـ  صفة الكثافة؛ و كأني به يستعير من الشعر بعض قمصانه، لتحقيق التماهي بين شعريتي الشعر و السرد معا.
تكمن الميزة الثانية لهذه النصوص، في السارد نفسه، و الذي يختفي دائما خلف ضمير الغائب، المؤنث و المذكر، في صيغتي المفرد و المثنى معا؛ أو يختفي أحيانا خلف أشخاص مجردين من صفاتهم، باستثناء ما دل منها على هويتهم الإنسانية أو الحيوانية ( الفتى ـ الفتاة ـ الضفدع ـ الأسد...).
إن اللجوء إلى ضمير الغائب، يفيد وضع مسافة معقولة ( و هو وصف نسبي ) بين الكاتب و السارد الذي يصبح شاهدا على وقائع و أحداث و مواقف و سلوكات، هي نفسها التي يشتغل الكاتب على إدانتها.
يتم الحكي في الزمن الماضي، البعيد أحيانا، دون الإحالة على تواريخ محددة، باستثناء ما ورد مقرونا بأسماء كان لها دور إيجابي أو سلبي في التاريخ بشكل عام؛ بل إن بعض القصص يتوقف فيها الزمن بشكل كامل عند لحظة واحدة ثابتة، بالرغم من استمرار " الشخصية " في الحياة و صنع الحدث. و أضرب لذلك مثلا بقصة: " رجل الأخبار " الذي لا يذكر من الأحداث سوى موت غاندي، الزعيم الهندي الذي لم يترك خلفه ورثة للعرش ( بتعبير السارد )، بالرغم من أن سياق الحدث هو استفسار الابن لوالده المولع بالراديو، عن الجديد في حرب العراق؛ و بالرغم ـ أيضا ـ من أن النظام السياسي في الهند ـ ماضيا و حاضرا ـ لا يتأسس على الحكم بالوراثة.كما أضرب لذلك مثلا ثانيا بنص " وفاء" التي تدل كل مؤشرات المكان و العناصر التي تؤثثه ( مخلفات ورود ـ طبقات سميكة من الغبار ـ خيوط العنكبوت ـ الصمت ) ، أنها لا زالت تعيش لحظة تاريخية انتهت، منذ ليلة زفافها؛ بل إن السارد يصرح أن " على الجدار زمان متوقف." ص 86 .
بالإضافة إلى ذلك، نجد أن شخصيات المجموعة عادية جدا، أقصد أنها موجودة في الواقع اليومي المعيش؛ إذ يستحضر الكاتب شخصيات الجدة و الجد، و المثقف، و المحارب و المقامر، و المهزوم، و الأمي.... و ترد هذه الشخصيات دون أسماء تحدد هويتها، إلا فيما ندر: كأن يرد اسم "تشي غيفارا" من خلال القبعة التي تميزه ( و ليس بالاسم)، و أطفال الحجارة ( من خلال ما يدل على مقاومتهم لا بالاسم المباشر)، و الشاعر نزار قباني ( من خلال نص شعري له لا بالاسم أيضا ( في قصة " بين شاعر و قاصة") و منتظر الزيدي، من خلال رمية الحذاء التي اشتهر بها؛ في الوقت الذي يرد فيه رمز حنظلة، و صاحبه ناجي العلي، و سعيد أمين رسامي الكاريكاتور الفلسطيني و المغربي المعروفين، في الإهداء الذي يتصدر قصة " لعبة الحقيقة"، و الشاعر المرحوم محمود درويش ( في إهداء حمامة أورشليم) و مليكة مستظرف و صخر المهيف، و اسمان نسويان هما زينب و لطيفة، و اسمان مذكران هما البشير و إدريس.
إن تجريد الشخصيات من هوياتها الاسمية، باستثناء الذين أشرنا إليهم ( و هم حالات نادرة الحدوث)  يوحي بتعميم خصائصها على الآخرين، حسب المواقع و المهام التي تناسبهم، حيث اختار السارد أن يضعهم، بناء على مبدأ المماثلة بينهم و تماهي بعضهم في البعض الآخر.
تقوم كتابة "حميد ركاطة" على السخرية المرة من الوقائع و المواقف التي يرصدها، دون أن يستثني أحدا من أفراد المجتمع. فهناك المخبر و المثقف، والسياسي ( قصص: المخبر و الفاضل و النصاب و شروخ)، و الذكر و الأنثى، و العولمة و حراسها الذين يكيلون بمكيالين، و القيم الغربية عامة ( راعي البقر)، و حذاء الزيدي ( ملحمة حذاء) و عامة الناس الذين يتخيلون دائما أن كل حملة تمشيط، أو مداهمة، تقوم بها الشرطة، تنبني على وجود خيانة زوجية ( قصة قراصنة) أو الذين يحولون الدجالين إلى أولياء تجب زيارتهم و التبرك بهم، معيدين إنتاج الوضعيات السابقة نفسها، و القيم الثقافية و الاجتماعية ذاتها، بشكل مضاعف عشرات المرات؛ بالإضافة إلى السخرية من الرشوة و المرتشين في قصتي "الحطاب و التبان"...
تنبع سخرية القاص "حميد ركاطة" من التعارض القائم بين مواقف الشخص الواحد، في علاقته بذاته أو بالآخر؛ سواء تعلق الأمر بالرؤى التي تفسر قضايا المجتمع ( مذكرات طفل حزين )،أم بالتعارض بين رغبات الشخوص و ميولاتهم، بكيفية تؤشر على وجود انفصام في الشخصية ( بائعة التفاح ـ نجوى ـ القرصان ـ الخباز).
أود أن أشير ـ في هذا الصدد ـ إلى أن الحظ الأكبر من سخرية "حميد ركاطة" كان من نصيب النخبة، التي تخلت عن أدوارها، أو غاصت في متاهات أخرى، وعلى رأسها الموظف الذي لا يهتم إلا باستخلاص راتبه نهاية الشهر، دون أداء الحد الأدنى من الواجبات المنوطة به،و القائد السياسي ( قصة النصاب) و المثقف الذي يتخلى عن مواقفه ( شروخ)، و المثقف الذي يقضي ثلثي وقته في تتبع مؤخرات العابرات و تزجية الوقت بلعبة "السودوكو"، بينما يخصص الثلث الأخير ـ من دوامه ـ للحديث عن التنمية المستدامة؛ داخل فضاءات ثلاثة هي: المقهى و الجمعية، و المنابر الإعلامية ( نافذة)؛ و المرشح الذي يشبه المقامر في البكاء و الأفعال المنسوبة إليه، و "عاشق الوطن" الذي يسخر مواقفه للاغتناء؛ و الأستاذة التي تعلم تلامذتها مبادئ السلامة الطرقية، و تحثهم على الالتزام بعبور الممر المخصص للراجلين، في الوقت الذي تدهسها فيه حافلة ـ بعيدا ـ عن ممر الراجلين؛ مستعيدا بذلك حكاية الناصح المغفل، أو موضوعة التناقض بين الشعار و الممارسة / النظرية و التطبيق.
 و على العكس من ذلك تماما، يقوم "حميد ركاطة" بتمجيد البطولات الشعبية و مقاومة الطغيان ( قصة محارب قديم) و المثقف المناضل، ( المثقف ) و الفنان موحى و موزون (جراح غائرة) و الفنان الذي يرفض المتعهدين و شروطهم ( العازف) و حذاء الزيدي إلخ... و هو بذلك، يتقاسم و القارئ الرغبة في محاربة مختلف أشكال الفساد الاجتماعي و السياسي ( و هي بالمناسبة تيمات لقصص: التنين ـ النصاب ـ الفاضل أو القائد الذي يقتل جميع أتباعه) و مواجهة القمع و مصادرة الحق في التفكير ( قصة خائن)، و إدانة الاحتلال في فلسطين و العراق، و نظرة الرجل إلى المرأة... في سعي حثيث إلى خلق انسجام كاف بين مكونات الشخص الواحد و ميولاته، في أفق تخليق الحياة المجتمعية بكل مكوناتها.
إن الوقائع و المواقف المشار إليها آنفا، مشاعة بين الناس، أو لنقل إنها "مطروحة في الطريق" شأنها في ذلك شأن معاني الجاحظ؛ لكن صوغها الجمالي لا يتأتى لجميع الناس الذين يعرضون لها في الطريق العام؛ أو لنقل بصيغة أخرى إن القاص "حميد ركاطة " حول الوقائع اليومية العادية إلى تيمات جمالية استثنائية، بما وفر ـ في كتابته ـ  من تقنيات سردية، و أدوات لغوية و بلاغية هامة، على رأسها: الإيجاز و كثافة التخييل و التصوير؛ و توظيف الرمز و الكناية، و تحريف/ تحوير بعض الكلمات لتأدية معنى مغاير، كما هو الشأن بالنسبة لماسح الأحذية الذي يتحول بقدرة القاص و رغبته إلى " مسيح الأحذية" ؛ و استحضار شخصيات كرتونية ( النمر المقنع) بصفات مناقضة للأصل، و اللجوء إلى توظيف مفردات أجنبية ( من الفرنسية و الإنجليزية)، و كتابة مجموعة من العناوين / الكلمات على شكل حروف منفصلة عن بعضها، بشكل أفقي، أو عمودي مائل أحيانا ( قطرة ـ حنظلة ـ وداع ـ كلمات)؛ و هي إمكانيات تمارس ـ مجتمعة ـ تكسير أفق انتظار المتلقي.
فتح الله بوعزة ـ شاعر من المغرب
 
 دموع فراشة: مجموعة قصص قصيرة جدا للقاص المغربي "حميد ركاطة" ـ الطبعة الأولى 2010 ـ التنوخي للطباعة و النشر و التوزيع ـ المغرب.
 
 
   
 
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=