http://kouttab-al-internet-almaghariba.page.tl/
  "قرابين مولوك"
 


تحليل نقدي لقصة "قرابين مولوك" للقاص المغربي  
حميد الهجام

بقلم الزوهرة صدقي
ناقدة مغربية

لكل عمل أدبي مفتاح يساعد القارئ على سبر أغواره ولعل عتبات النص تعتبر أحد هذه المفاتيح التي بها يتمكن القارئ من فتح أولى بوابات متاهات النص.
وقصة "قرابين مولوك" للقاص المغربي حميد الهجام يتصدرها عنوان تنضغط فيه بشكل مدهش تيمة النص بأكملها، ولا يمكن أن نتبين معالم النص دون فك شفرة هذا التصدير البالغ الأهمية.
في الميتولوجيا الفينيقية يعتبر "ملوك" إلاها للنار والشر، عبادته كانت مرتبطة بالقسوة والفظاظة، و عرش هذا الإله كان من نحاس ولملوك رأس عجل مجوف تضرم النار فيه حتى إذا اشتد لظاها انقلبت إلى أتون تصهر فيه القرابين الأطفال. ولا بد لمن يريد ولوج متاهة هذا النص أن يستحضر هذه الطقوس في ذهنه.  
قصة " قرابين مولوك"  في بعدها الرومانسي الظاهر تدور أحداثها حول شخص في إحدى نوبات جنونه ( آه. نسيت أن أخبرك أني عولجت طيلة ستة أشهر بالصدمات الكهربائية...) رأى... ولا يمكننا الجزم بصحة رؤياه فالسارد الوحيد الممثل هو البطل نفسه وهو نفسه يشك في نفسه وفي الأحداث (أنيست أني أخبرتك أني نسيت لأني بكل بساطة لم أكن أنا) رأى صراعا ناشبا بين شاب وطفل يحاول الاحتماء منه بفتاة تتملص منه وتزجره. ويبدو أن هذا الصراع قائم من أجل وجهة ما يريد الشاب أخد الطفل إليها لكن الطفل كان يتمنع ورغم أن البطل قد حاول التوفيق بينهما بعد أن حشر نفسه في خضم هذا الصراع إلا أنه لم يفلح في معرفة هذه الوجهة... وبعد هذا الصراع اللامتكافئ يستسلم الصبي ويمضي مع الشاب... تستيقظ غريزة الفضول في نفسية البطل فيقرر اللحاق بالاثنين معا. وبعد متاهات ومنعرجات عديدة يصعد الاثنان عمارة ويلحق بهما السارد وهناك سيفاجأ بأنه انتقل إلى عالم آخر تحفه الأساطير من كل جانب، عالم الآلهة والقرابين وفي هذا العالم سيقدم الطفل قربانا للإله مولوك. في خضم هذا الطقس تجتاح البطل نوبة جنون لا يستيقظ منها إلا في المستشفى. وبعد أن يعالج يعود إلى المكان الذي شهد منطلق الصراع بين الطفل والشاب لكنه يجد بعد سنة فقط أن الشاب قد أصبح عجوزا يستفسره عن الطفل لكن العجوز يتنكر للطفل وللأحداث التي شهدها البطل  لكن الندبة التي في وجهه تشهد ضد ما يزعم. وإذا كان ادعاء الرجل صحيحا فالافتراض الوحيد المتبقي هو جنون البطل الذي لا ينفيه هو نفسه طيلة على مسار القصة، يتضح إذن من خلال هذا التقديم أننا أمام قصة بطلها مجنون يسرد على عواهنه استيهاماته وتخيلاته، فهل الأمر في الحقيقة يقف عند هذا الحد... سيبدو لنا من خلال الغوص في خبايا النص دون إهمال مفاتيحه أننا أمام قصة فريدة بطلها إنسان عادي سيرى في إحدى نوبات استيقاظ العقل ما يغفل عنه الكثير من الناس، وأن القصة أكبر بكثير من تيمة العقل والجنون:
يستهل السارد حكي القصة هكذا:"مضت ثلاثة أيام منذ أن غادرت المشفى بعدما أمضيت سنة بحالها، بأحلامها وكوابيسها...بأفراحها وأتراحها، بشرطها وعوائقه. أمي لا تني تزعجني بزعيقها لا تنسى المهدئات حسب تعليمات الطبيب تضيف وهي تقفل باب غرفتي. البارحة كانت مرحة على نحو غير مألوف... قبلتني ووعدتني بشكلاطة وجولة في حديقة السند باد.". منذ المفتتح يبدو أن السارد البطل يناور فهو من جهة يقدم لنا نفسه على أنه مجرد طفل  مجنون ومن جهة أخرى أنه راشد ومثقف ويشهد على هذا الأخير لغته " بشرطها وعوائقه" وفي هذا دعوة صريحة من السارد إلى القارئ إلى التسلح بالشك.
يحاول السارد بعد ذلك إيهامنا بأنه قبل بداية أحداث القصة كان على حافة الجنون :"كان الأرق قد أربك توازني في تلك الأيام الشؤم إذ كان النوم قد هجر جفني أربع ليال متتاليات، وكنت أشعر ألما متقطعا على مستوى عضلات رقبتي ومن حين إلى آخر كانت فرائصي ترتعد جراء وخز شرايين مفاجئ في نقط مختلفة من جسمي..."
وإذ يضيف السارد البطل " فتلدغنا الصعقة، صعقة القهر وباء" نستنتج أن هذه الأعراض نتيجة حتمية للمشاكل الاجتماعية. فكلمة القهروباء تحوير متعمد لكلمة الكهرباء وهي جمع لكلمتي القهر والوباء مما يعني أن الهزات الاجتماعية صعقة تدمر الكيان النفسي للإنسان. 
يرتبط  ظهور الطفل الضحية في القصة بانبثاق صرخة صرخة الطفل. والسارد يربط ببراعة فنية بين انبثاق هذه الصرخة -التي سيتبين أنها لطفل لم يتجاوز الثامنة- وبين إحساسه بأنها منبعثة من أعماقه (شعور غريب سيطر علي آنها، خلت إثره أن الصرخة هتفت بداخلي)... ونستخلص من هذا الربط معادلة فنية:
الطفل عاطفة
يستهل  السارد وصف الشاب  عبر التدقيق في تفاصيل عدائية: بنية ضخمة وقبضة محكمة، مما يعني أنه مقبل على عمل شنيع، ومن خلال التفاصيل التي يصف لنا فيها الصراع بين الطفل والشاب يتبين لنا انحياز السارد إلى جانب الطفل. إلى هذا الحد لا يمكننا الشك في وجود الشاب والطفل وجملة: ( خلت إثره أن الصرخة هتفت بداخلي) تنفي نفسها من خلال فعل خال والتفاصيل التي أتت بعدها تؤكد ذلك. لكن صرخة الصبي التي تقول: (توسلته فيما مضى كي يخرجني لكنه كان يمتنع مصرا على إبقائي في سردابه المظلم، والسرداب تقطنه وحوش وعناكب، كانت ترعبني فيما مضى لكني ألفت بشاعتها الآن...) تعيد الشك إلى أذهاننا، فعن أي سرداب يتكلم السارد هل هو سرداب المنزل أم سرداب آخر؟
يقول السارد: (حتى اللحظة وبعد مرور كل هذا الزمن، لا أدري هل كل ما حصل كان مجرد وهم تجلى كبداية لحالة الانهيار؟ حدث خيالي نسجه الذهن دفاعا عن نفسه؟ لست أدري...) وها هنا دعوة أخرى من السارد لممارسة فعل الشك، لنشك إذن في كل شيء والسرداب ممكن أن يكون سردابا نفسيا. لكن ماذا عن الأحداث نفسها؟ يستنتج السارد بعد تحليل نفسي لكيانه وبعد استرجاع تفاصيل عديد عن طريق التذكر أن الوقائع حدثت بالفعل: (كانت إذن تنتمي إلى العالم الواقعي وقد سبق أن عشتها) لكن ماذا عن السرداب؟
بعد أن تعقب البطل الشاب والطفل كان الشك يراوده حول رغبة الشاب في ممارسة شاذة لكن حين انتهى بهما المطاف إلى صعود عمارة يحرسها شرطي تبخر هذا الظن. يقول الشرطي للبطل مستفسرا: (معك طفل؟ ) وإذ يجيب البطل بنعم يسمح له بالصعود. نعلم من خلال تتبعنا لأحداث القصة أن البطل لم يكن معه طفل فلماذا إذن لم يستغرب الشرطي للأمر؟ أكيد أن هناك حيلة ما دفع بها السارد كي تتضح لنا الرؤيا أكثر، وما دمنا قد التزمنا بالشك فلنشك في الطفل أيضا. هل الطفل المعني في القصة طفل آدمي أم طفل هلامي؟ 
الوصف الذي قدمه لنا السارد لداخل العمارة وكذا الطقوس المرتبطة بعبادة الإله مولوك كلها تتنافى مع الواقع  (قاعة شاسعة الأرجاء، لا تحدها الأبصار، ولا تخضع في كل الأحوال إلى معلم الزمكان، تتسع إلى ما لانهاية، تضج بالخلق من مختلف الأعمار والأمصار. مئات. آلاف الأشخاص، آلاف بل ملايين ولا أغالي إذا قلت ملايير البشر كما في يوم الحشر.) وفي هذا الدليل كل الدليل أن السارد يتغيى من وراء تقديم هذه العوالم الملموسة اطلاعنا على عوالم محسوسة وتبعا لذلك من الممكن أن يكون السرداب والطفل كذلك رمزين لشيء ما.
يقدم صبي آخر داخل العمارة قربانا لملوك وفق طقوس مترعة بالسحر والشعوذة، وإذ ينفصل السياف رأس الصبي عن جثته لا يندلق أي دم والسارد يؤكد هذا ويلح في لفت الانتباه إليه (الغريب والذي لم أجد له تفسيرا هو أن الدم لم يتطاير) تأكيدا منه على أن القتل هنا رمزيا.               
صورة إعدام هذا الصبي هي وصف استباقي للمصير الذي ينتظر صبي قصتنا.
يربط السارد بين محاولة إعدام الطفل وإعدامه الشخصي (التفت لمحت السياف و...لمحت...السيف، ذو النصل العريض اللامع، فوق رأسي بالضبط...) لكنه لايخبرنا هل تم هذا الإعدام أم لا؟ ويترك القصة مفتوحة على العديد من الاحتمالات....
الاحتمال الأول:        
يمكن اعتبار قصة " قرابين مولوك"  في بعدها الفانتاستيكي  الخفي قصة تدور أحداثها حول شخص في إحدى نوبات صفاء ذهنه رأى رجلا عجوزا صحبة فتاة ماكرة فتستيقظ غريزة الفضول في نفسية البطل فيقرر عقله الباطن معرفة سر هذا التباين الزمني بين العجوز وفتاته. يغوص عقله الباطن في تحليل نفسية العجوز ويجول في متاهات ومنعرجات هذه النفس العمارة وهناك سيفاجأ بأنه انتقل إلى عالم آخر تحفه الأساطير من كل جانب، عالم الآلهة والقرابين وفي هذا العالم سيقدم الطفل العاطفة النبيلة البراءة قربانا للإلاه مولوك. والمرأة تظل سببا مباشرا في تفشي هذه الظاهرة التي تعود عليها بالخير.
 الاحتمال الثاني:
 يمكن من  خلاله اعتبار قصة قرابين ملوك قصة شاب رأى في نوبة صفاء ذهنه صراعا باطنيا ناشبا داخل أعماقه بين النذالةالشاب والبراءةالطفل الذين يسكنانه... ويبدو أن هذا الصراع قائم من أجل رغبة النذالة في القضاء على البراءة... وقبل أن يتم هذا الانتصار تنقضه نوبة جنونصفاء عقل من هذا المصير.... ويقدم العجوز في القصة كرمز للمصير الذي كان من الممكن أن يؤول إليه، وهو المصير الذي يؤول إليه العديد من الناس (رجال القانون، المحامون والقضاة والسماسرة وكذا عمداء الشرطة والقوادون والجواسيس والخونة وتجار المخدرات وتجار الأعضاء البشرية والرقيق وكثير من رجال السياسة....) هؤلاء تنشطر أنفسهم وتزدوج ويرمز القاص لهذه الازدواجية ب: "لودوبل".
وختاما يمكن اعتبار قصة "قرابين ملوك" واحدة من القصص القوية والهامة التي تفتح آفاقا رحبة أمام آليات النقد والتأويل لما فيها من تعابير فنية سامية لايستنفذها النقد.
 
 
   
 
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=