http://kouttab-al-internet-almaghariba.page.tl/
  'عند بوطاقية'
 

عند بوطاقية : لأحمد المديني
قصص الوحدة والحاجة للتواصل الإنساني

رشاد أبو شاور

'عند بوطاقية' هي المجموعة القصصية الجديدة للروائي والقاص والناقد المغربي أحمد المديني. يلفت الانتباه أن المجموعة الصادرة في العام 2010 من منشورات أحمد المديني، المؤلف نفسه، وهذا يذكرنا بهموم الكاتب العربي الذي ما عاد يجد دورا للنشر ترحب بنتاجه القصصي والروائي، إلاّ إذا (أسهم) في تحمل التكلفة، أو إذا'كان مشهورا فإنه يعرف انه لا حقوق تذكر له، فهو يكتب، ويقرأ، على نفقته، ومن جيبه الذي هو غالبا خال، أو شبه خال، لدخله القليل، وأعباء حياته المرهقة! يختار بعض المبدعين العرب أن يتحمّلوا طباعة أعمالهم ليضمنوا صدور تلك الأعمال بدون إرجاء، وتجنبا للمماطلة، وأيضا ضمانا لأن لا يخادعهم أحد ما، أو جهة ما، فيتحملون الخسارة بشيء من الطمأنينة، وبدون شعور بالخديعة. يفترض أن كاتبا بوزن أحمد المديني، روائي متألّق، وقاص موهوب صاحب تجربة عريضة وناقد له حضور مشرقا ومغربا، وأكاديمي بارز، أن لا يعاني مع دور النشر في المشرق والمغرب، ولكن الأمر هكذا معه، ومع أقرانه الذين إن تبنت بعض دور النشر أعمالهم فإنها تصدمهم عندما تخبرهم بأنها طبعت 1000 نسخة فقط! الحّق أن حال الكتاب العربي لا يسّر، فدور النشر لا تتحمل وحدها فضيحة عدد القرّاء في بلاد يبلغ تعدادها قرابة ثلاثمائة مليون عربي غير قارىء! كان لا بدّ من هذه المقدمة قبل الدخول إلى عالم قصص (عند بوطاقية)، التي تضم قصصا متنوعة تدلل على تجربة الكاتب الغنية، الواسعة، الممتدّة بين بلده المغرب، وفرنسا، حيث يمتح من تجربته الشخصية، ومن معرفته بالبيئتين المختلفتين، ومن خبرته كقّاص وروائي وناقد متابع للنتاج الأدبي العربي مشرقا ومغربا. في قصّة (الرجل العجوز وحده)، المكتوبة كما لو أنها قصيدة نثرية، نلتقي'بعجوز (تشيخوفي)، في أجواء تشيخوفية، حزينة، موحشة، و..عميقة الإنسانية، فالقصّة تمضي بنا سطرا سطرا، والأسطر غير منتظمة الطول وعدد الكلمات ـ وهذا يذكرني بتجربة للراحل الكبير المجدد يحي حقّي ـ وهو ما يوحي بما هو أبعد من شكل القصيدة.
جو النّص معتم موحش. اللابطل عجوز وحيد، لا أحد له، وهو الراوي نفسه... التشيخوفية ليست نسخا، ولكنه روح تشيخوفية، وهي تنتمي للقرن الحادي والعشرين. المكان ليست موسكو نهاية القرن التاسع عشر حيث زمن قصص وروايات ومسرحيات تشيخوف، ولكنها باريس نهاية القرن العشرين ، ومطلع القرن الحادي والعشرين. تبدأ القصّة ـ الشعر: حين يخرج الرجل العجوز، الذي هو أنا، إلى الشارع ، يكون وحده. هكذا تبدأ الحكاية، وهكذا يمضي العجوز الذي يخرج وحيدا من مكانه الموحش، مثقلاً بوحدته التي هي (عاهة) حياتية يبحث لها عن علاج بالتواصل مع الآخرين، فلا يجد في النهاية سوى فتاة يدور بينه وبينها حوار كاشف عن أعماق نفسيهما هما الغريبان الوحيدان في (حانة): ـ نسيت أن أسألك: هل ستأتين لأنك تشفقين علي، أم لأنك فعلاً ترغبين؟ ـ لماذا تريد أن تعقّد الأمور؟ ـ كأني بك تقولين: ألهذا السبب تمعن في العيش وحدك؟ ـ حسنا: أفترض أني ارغب. ـ هذا يناسبني. ـ سنقول غدا ما دام الأمر كذلك. ـ ستجدينني في التاسعة، كالعادة هنا. ـ فهمت، سأجدك ككل ليلة وحدك! ـ لا شيء أكثر من هذا يفرحني، خاصة إذا كنت حقا ترغبين. ـ لك ما شئت، إنما أحذرك، فإن جئت غدا، وبعد غد، فبعدهما، فقد لا تبقى وحدك! في الحانة التقى بالفتاة التي ذكرته بزوجته الراحلة، وفي الحانة يلتقى الوحيدون، من كل الأصناف، كما هو الشأن مع رواد الحانات. والفتاة الوحيدة تحذّر العجوز الوحيد من أنه إذا ما واظب على لقائها..فقد لا يبقى وحده! وإذ يعود إلى بيته وحيدا، وينام في فراشه وحيدا، لا يكون مصادفا أن ذبالة ضوء ترتعش هي آخر ما يغمض عينيه عليه..وحده! هكذا هي القصّة القصيرة، تتعدد، تختلف، تتباين، نقرأ ألوف النماذج منها، بتقنيات لا تنتهي، ولكنها في كل الأحوال: قصص الناس الوحيدين! ولأن أحمد المديني المخضرم، والذي خبر باريس وحيدا، بعيدا عن ذويه، وبيئته المغربية، فإنه يبدع قصّة من أجمل ما قرأت في القصّة القصيرة، اقصد قصّة (مسيو شارل). قلت للوقا(LUCAS) بلهجة المستغرب، المستنكر: ألم تلاحظ، ها هي العاشرة وعشر دقائق وصاحبك لم يحضر؟ أمّا صاحب لوقا فهو المسيو شارك، والقصّة تدور في بار باريس حيث يعمل لوقا نادلاً، والمسيو شارل يتردد مساء كل يوم الساعة العاشرة بانتظام..ولكنه، لشماتة الراوي المغربي، لم يحضر هذا المساء، والمغربي يستمتع بإغاظة لوقا الذي يرفض اعتباره إيطاليا، ويباهي بأنه من (سردينيا)! كل ليلة قبل العاشرة بدقائق، يفسح لوقا للمسيو شارل مكانا على الكونتوار. يحضّر له صحنا فارغا وشوكة وسكينا، إضافة إلى منشفة ومملحة ومبزرة ، وسليلة خبز، ويكمل الخدمة بإبريق شاي إلى جانبه قارورة قرفة، كل هذا بدقة متناهية وتنسيق تام. لكن المسيو شارل الذي يدخل عادة منتصب القامة، بطوله الفارع كما لو أنه الجنرال ديغول، لم يحضر هذا المساء، تأخر وليست هذه عادته، وهو ما منح الراوي الفرصة للشماتة بلوقا. لوقا يؤكد: ـ بل سيأتي، أنا واثق، لم يفعلها من قبل، هذه مهنتي وأنا أعرفها يا رجل! ويضيف لوقا أثناء الحوار: ـ لست إيطاليا، أنا من سردينيا... لكن ما هي علاقة لوقا بالمسيو شارل؟ يهمس لوقا للراوي: ـ اسمع: مسيو شارل هو الزبون الوحيد الذي يؤنسني عندما يفرغ المحل. إنكم تذهبون جميعا باكرا، وهو يبقى معي إلى الإغلاق، ووحده يستمع إلى همومي، ويتقبّل شكواي، ولا يتذمّر مثلك لكل طلب، وبشوش، غريب شيئا ما، ولكنه طيب، لا مثل هؤلاء، مثلكم جميعا، أووف، ثمّ ـ وقد انحنى على أذني أكثرـ هو نوعا ما من العائلة، فأمه من أصول ساردينيّة... هذه ضربة معلّم، قاص خبير في القص، والنفس الإنسانية، ويعرف مدى أهمية (الهوية) في حياة البشر. المسيو شارل أمه من أصول سردينيّة مثل النادل لوقا الذي يرفض أن يكون إيطاليا! في النهاية، وبينما الراوي يغادر المكان، يلتقي عند الباب بمسيو شارل الذي رغم تأخره غير المعتاد فإنه يحضر كما توقع لوقا، لوقا الذي يؤنس المسيو شارل وحدته، ولعلّ المسيو شارل يأتنس بلوقا! تضم المجموعة قصصا إنسانية عميقة مؤثرة عن أشخاص لا يجدون قوت يومهم، ويضطرون لممارسة مهن غر مجدية، كما في قصّة (الحياة والموت وما بينهما). هذه القصّة المحزنة تتحدث عن شاب يختار القراءة على القبور، على الموتى، سعيا للحصول على ما يجود به ذوو الميّت، ليعود إلى زوجته سليطة اللسان ـ'لشدّة الفقر وبؤس العيش ـ بما يقيم الأود، وهو ما يفشل في الظفر به غالبا. ولأن المقرئين المحتاجين يتسابقون لنيل الأجر من ذوي الموتى، فإن بطل القصّة ينام عند أحد القبور، ليكون أوّل من يسبق للقاء بأهل الميّت الجديد عند حضورهم! في المقطع رقم 11 ـ والقصّة تتكوّن من مقاطع تخففا من ثقل السرد، والفعل الناقص كان ـ نقرأ: حين غادر البيت الخربة التي يسميها بيتا، حذرته الأفعى التي أصبحت زوجته بالرغم منه: لا تعد بلا قفة ولا مصروف. خير لك أن تبقى في الخارج، أو افعل أحسن. لك أن تحفر حفرةً وترمي نفسك فيها فتريح وتستريح. ألا يكفيك أنني متزوجة بواحد يعيش على رفات عباد الله، وفضيحتي مع الجيران، وبهدلة البقّال صباح مساء و..و..وهي محقة، وهو أيضا محق، جميع من في الأرض محقون، المظلومون، والمحرومون مثله طبعا.. إلاّ، إلاّ هؤلاء البشر الذين لم يحضروا ليترحموا على موتاهم، والموتى الذين أجلوا موتهم إلى غد! لم يجئ أحد، ولم يمت أحد، وهو أضاع انتظاره، وحلمه بمجيء ميت جديد يسبق إلى ذويه ليقرأ على روحه وينال أجرا، ولكن لم يمت أحد، ولم يحضر أحد، وهكذا فلن يعود بقفّة فيها ما يطعم الزوجة المنتظرة، ويسدد ما استدانته من البقّال. أي حياة هذه التي يحياها ذلك الشخص على حساب الموتى؟! ولأن الموتى لا يطعمون خبزا..فها نحن نسمع عن انتحار الأحياء الجوعى في بلاد العرب مشرقا ومغربا، والذين صاروا موتى وهم أحياء، أو كما يوحي عنوان القصّة: الحياة والموت ..وما بينهما! في قصّة (الحياة حلوة) أو (جميلة)، وأنا ترجمت العنوان اعتمادا على كلمات قليلة بقيت في ذاكرتي منذ درست الفرنسية كلغة إضافية في المدرسة قبل عقود. هذه قصة إنسانية رشيقة، شفافة والعلاقة بين الغريب والسيدة الغامضة بعض الشيء، وفي باريس التي تراها جميلة، وتحبها، وتمتدحها كلما التقت بذلك الغريب: هي تعرف أننا سنتماس بطريقة حين يمّر الواحد بجوار الآخر، لا بدّ سنتماس بطريقة ما. جنفييف تتهم (العربي) ـ الراوي ـ بأنه يفضّل عليها واحدة شقراء... في القصّة شيء من غموض ممتع، محيّر، وأجواء القصّة جذّابة. ثمّة قصص عنونها المديني بالفرنسية، ناهيك عن حوارات بالفرنسية، وكثير من القرّاء، وأنا واحد منهم يجهلون اللغة الفرنسية، وكم تمنيت لو أنه وضع عناوينها في الهامش بالعربية، حتى لا تكون حواجز بين القارئ العربي وتلك القصص، المشرقي بخاصة، مع استثناءات قليلة لبعض القرّاء في لبنان تحديدا، الذين يجيدون الفرنسية. لو انسقت مع رغبتي في الكتابة عن قصص هذه المجموعة القصصية الممتعة، لملأت صفحات كثيرة حول القصص التي ضمتها، والتي تغتني بأجواء، وشخوص، من بيئات مختلفة، وتجمعهم المشاعر، وآلام الغربة، والحاجة للتواصل الإنساني. * صدرت المجموعة في العام 2010،'إصدار خاص، وهي تأتي بعد 11 مجموعة قصصيّة و12 عملا روائيا، وعديد الدراسات النقدية، وثلاث مجموعات شعريّة. عن القدس العربي
 
 
 
   
 
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=