http://kouttab-al-internet-almaghariba.page.tl/
  الندّاهة الشقراء
 
الندّاهة الشقراء
خيري منصور
 
2010-11-26


لم يبتكر د. يوسف ادريس اسطورة النداهة التي كانت محورا لواحد من أهم أعماله، لكنه التقطها بذكاء علمي وحصافة أدبية، ثم ذهب بها بعيدا، كي تصبح قابلة لعدة قراءات هي بمثابة تأويلات نقدية للنصّ.
وكانت ضحية النداهة لدى ادريس صبية قروية تحلم بمكان بعيد، يجتذبها اليه صفير القطار الذي يمر بقريتها، وهي تذكر بشكل ما برواية للشاعر الألماني غوته بعنوان ' البلد البعيد' وهي عن فتاة تحلم بالوصول الى مكان تجهله لكن الحنين الغامض اليه يشدها من الأعماق. كما لو ان هذا الحنين هو ما عبرت عنه اغنية فيروزية تقول كلماتها: انا عندي حنين ما بعرف لمين. لكن هذا الحنين ينتزعها كل ليلة من بين الساهرين والأهم من ذلك انه ينتزعها من نفسها. كانت بطلة غوته تبكي طيلة الوقت لأنها مشدودة بقوة اسطورية الى ذلك البلد النائي الذي يشحذ فضولها نحوه جهلها به وبكل تفاصيله، وهذا ايضا ما جرى للصبية القروية في نداهة ادريس، فهي كانت تعاني من نوبات تشبه نوبات الصّرع كلما سمعت صوت القطار الذاهب الى المدينة المحلوم بها، ويبدو ان لكل انسان ندّاهته كما ان له فزّاعته ايضا، واحيانا تتحول النداهة ذاتها الى فزاعة اذا حدثت الصدمة، وكان الواقع أدنى بكثير من الخيال وما نسجه حول المكان البعيد.
بطلة ادريس سمعت من امرأة في قريتها حكايات مريرة عما ألمّ بها عندما استجابت للنداهة وغادرت قريتها البريئة لكي تنهش الذئاب لحمها الحيّ، لكنها ككل المصابين بغيبوبة النداء لم تسمع ولم تستفد من التجربة وقررت ان تخوضها بنفسها، وهكذا دفعت الثمن، لأنها لم تكن مؤهلة تربويا وثقافيا لخوض التجربة في عاصمة تعجّ بالملايين فتعثّرت حتى بظلها، واحيانا يكون لأسطورة ما مجال حيوي في التاريخ، كما ان بعض وقائع التاريخ المشحونة بالدراما يصبح لها وهج اسطوري والمهم هو كيفية التعامل مع المسألة، فهل تنتهي الى أسْطَرَة الواقع ام الى واقعية الاسطورة؟
* * * ** * * * *
بقدر من التأويل نستطيع العثور على مقاربة أخرى لنداهة من طراز مغاير، فالمهاجرون الاوائل عندما حلموا بقطع البحار والمحيطات كانوا على دراية بأن نداهتهم ليست اسطورية، وان حنينهم ليس رومانسيا فقد قرروا البحث عن شروط أفضل لحياتهم سواء من أجل الثروة او العلم وان كانت احدى روايات هيرمان هيسّة، وهي ' رحلة الى الشرق'، تقدم نداهة مضادة على الشاطىء الاخر والدافىء المقابل لشطآن الغرب وصقيعه، فالمندوهون عند هيرمان هيسة منهم الباحث عن سحر الشرق الذي قرأ عنه حكايات اقرب الى الخيال ومنهم الباحث عن عشق لم يجده في النطاق والسياق الجغرافي الذي يعيش فيه، وان كانت نداهة هيرمان هيسة بخلاف نداهة ادريس، مدنا معروفة الى حدّ ما وانماطاً من الحياة ألمّ المندوهون بطرف منها على الأقل، وبهذا المقياس نستطيع ان نصنّف الرحالة الأوائل من المستشرقين الذين لم يأتوا الى السماوات الصافية والمياه الدافئة بمراسيم امبراطورية على انهم مندوهون ايضا، لكن ما إن اصبح هؤلاء يأتون الى الشرق لاستطلاع احواله او كتابة التقارير عن شعوبه لصالح دوائر امبريالية حتى اختلف الأمر، لهذا لا يمكن مثلا النظر الى ما كتبه ادوارد لين عن مصر بالطريقة ذاتها التي كتب بها الطهطاوي عن باريس، وهناك دراسة مقارنة في هذا السياق لناجي نجيب بعنوان ' رحلة الى الشرق ورحلة الى الغرب'، يتبين لنا الفارق بين نداهتين، احداهما شقراء رشيقة تسير ببطء على أرض رخامية تحت اضاءة زرقاء شفيفة واخرى سمراء ممتلئة الجسد كمعظم النساء الشرقيات التي رسمها فنانون غربيون جاؤوا الى الشرق بدءا من رينوار في الجزائر حتى فان غوخ وغوغان في هاييتي!
* * * * * * * *
كان الرعيل الاول من المهاجرين العرب بحثا عن العلم في عواصم اوروبا قد استجاب لنداهة شقراء، فالنور هناك مقابل الظلام هنا، وما كتبه د. طه حسين اثناء وجوده في فرنسا وكان رسالة الى احد اصدقائه في مصر، يوضح الكيفية التي تعامل بها هؤلاء الروّاد مع الغرب ومع فرنسا تحديدا، فطه حسين ينصح صديقه بأن يهاجر، بحثا عن النور وينابيعه ورغم ان الطهطاوي مثلا او علي مبارك لم يقدما هذه الموعظة على نحو مباشر لأبناء جيلهما الا ان ما يرشح من المقارنات التي عقداها بين الشرق والغرب ينتهي الى الحصيلة ذاتها! والروايات الأولى التي كتبها عرب استجابوا بطرق مختلفة للنداهة الفرنسية بالتحديد تلتقي عند محور جنسي بامتياز، بدءا من ' عصفور من الشرق' للحكيم و' الحي اللاتيني' لسهيل ادريس وليس انتهاء ب ' موسم الهجرة...' قد وجدت لها مجالا آخر في اوروبا هو لندن هذه المرة وليس باريس! وهنا لا بد من الاعتراف بأن الدراسة النقدية الرائدة التي كتبها جورج طرابيشي عن هذه الاعمال تحت عنوان ' ذكورة وانوثة.. شرق وغرب' استطاعت ان تُفكك نصوصا طالما كان سحرها لدى المتلقي العربي غامضا، والاسقاط الجنسوي الذي مارسه مثقفون عرب ذهبوا الى اوروبا مثقلين بذاكرات تعج بكل اصناف وأنماط المكبوتات، جعلهم يؤنثون الغرب، ويذكّرون الشرق رغم ان الحقيقة قد تكون عكس هذا تماما فالجنس لا تضاريس له، والذكورة والانوثة كمفهوم حضاري يتخطى ما هو عضوي لا تقبلان الجَغْرَفة على هذا النحو السيمتري!
* * * * * * * *
والسؤال الان هو هل لقي هؤلاء المندوهون من المثقفين العرب المصير ذاته الذي لقيته بطلة النداهة لدى يوسف ادريس؟ هل كان الحلم بالوصول الى ايثاكا اجمل وأبهى من الوصول اليها؟
من الصعب ان نضع كل هؤلاء المثقفين في سلة واحدة، او ضحايا لنداهة واحدة، فهم مختلفون موقفا وفكرا ومقاربات انسانية وثقافية، فهم من اوشك ان يكشط جلده الاسمر كما فعل مايكل جاكسون تماهيا مع النداهة الشقراء، لكن منهم ايضا من تشبث بهويته ولم يخجل من اسمه المنحوت من الأبجدية، ومنهم العلماني والمتدين والأصيل والزائف، وقد كانت ثلاث حروب على الأقل خلال العقود الثلاثة الماضية اشبه بالغربال الذي أفرز القمح والزؤان بشكل ملحوظ ومرئي بالعين المجردة، ولحسن الحظ فقط لعبت الفضائيات العربية دورا في هذا الفرز لدى مجتمعات تفكر بالعين وتستعيض عما تقرأ بما تسمع او ترى! وهنا لا تعوزنا الامثلة ما دام هناك ادوارد سعيد وفؤاد عجمي وأمين معلوف والطاهر بن جلون وآخرون! فمن كتب عن الهويات القاتلة لم يخلع هويته كسُترة بالية بل رأى في تعدد منابعه المعرفية شكلا آخر للهوية اكثر اتساعا واستيعابا وأبعد آفاقا، ولعل ما كتبه الراحل د. هشام شرابي تحت عنوان ' المثقفون العرب والغرب' يضيء مساحات واسعة في هذا المجال كما يستنطق مساحات أخرى من المسكوت عنه، فهشام شرابي كان سباقا الى الاعتراف بأن المثقفين ليسوا سواسية بل يعبرون عن مصالح وفئات وطبقات لهذا لم يسلم هو ذاته من الإدانة التي قدمها في مذكراته بعنوان ' الجمر والرماد'، حين قال بأن أبناء الطبقة الموسرة كانوا يذهبون الى امريكا واوروبا بينما يقف الفلاحون ببنادقهم القديمة ليقاوموا بواكير الاحتلال والاستيطان.
ان بطلة يوسف ادريس في النداهة كالحكاية ذاتها تقبل تأويلات لا آخر لها ومنها النداهة السياسية التي سيكون لها مقام آخر!!
 
   
 
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=