http://kouttab-al-internet-almaghariba.page.tl/
  حروف الفقدان : قراءة نقدية
 


حروف الفقدان

القصة القصيرة بين التوظيف الجمالي والبحث عن الاستثناء
قراءة في
"حروف الفقدان"(1) للقاص المغربي عبده حقي

 
 
 
قليلة هي الأعمال القصصية المغربية التي تمكنت من تقديم مادة سردية دسمة ، تجعل متلقيها مندهشا لما تحويه من توظيف وجماليات  ، فنزوح بعض المبدعين نحو التوظيف الجمالي لم يخلو من هفوات أثرت سلبا على إنتاجهم بل أغرقت البعض في متاهات التقليد وحاصرتهم على نحو أصبح معه من الصعب التخلص منها .
في حين استأثرت بعض الأعمال بتفردها في إنتاج نصوص أصيلة بقدر ما كسرت الحدود بين الأجناس ومختلف الأنواع السردية والفنية استطاعت ببراعة وقدرة هائلة المزج بين مكونات مختلفة لإنتاج نصوص متمنعة أرغمت قارئها على قراءتها مرات عديدة لاستكناه خصوصيتها و ما تزخر به من حسن توظيف ، فجاءت مغايرة  سواء على مستوى التوظيف وحسن البناء .
فالتشييد القصصي بقدر ما هذف إلى الحفاظ على البناء المنباسي استطاع إتحاف جسد القصة بجماليات أخرى كالكتابة من خلال الحلم أو عبره لتفجير المسكوت عنه والمكبوت في اللاوعي وبالتالي الحديث واقعيا عن أزمة ما موضوع وثيق الصلة بالواقع المعاش سواء من خلال انتقاده وطرح بدائل أو لتفجير تناقضاته وعيوبه المستورة .
في حروف الفقدان للقاص عبدو حقي نستشف الحزن الشفيف على جانب الشعور بالفرح انطلاقا من الملموس والمحسوس للسفر إلى عوالم منها الواقعي ومنها المتخيل الهدف منها إثارة الحديث عن زمن الكرامات وقضايا التصوف ، في حين نعثر على مواقف السرد الإيجابية إزاء قضايا معاصرة  كالتصفية العرقية في البوسنة ، وتوظيف تقنيات الكتابة الروائية ، والفن التشكيلي ، من خلال الاعتماد على وصف الأمكنة التي صارت تسيير أحداثا بعينها بل وتؤثر في مسار الحكي من خلال طرح مفهوم الأنا والآخر دون دونية من خلال وضع حوار الثقافات على قدم من المساواة سواء بين الشعوب أو الأديان كل يتعايش مع احترام خصوصيات الآخر مما جعله حوارا متوسطيا هدف الارتقاء به كونيا ، إلى جانب التوظيف الموسيقي والانفتاح على الكتابة المسرحية "كوميديا قصصية" في نص الفنان ، فانفتاح النص القصصي على فنون عريقة منحه سمة المتجدد ، وأتحفه بنغمة خاصة فالبناء بقدر ما ارتكز على التفاصيل الصغيرة مكن بشكل ساخر من رسم صورة كاريكاتورية للواقع ، فنفذت عيون القصة من خلال شخوصها ورسائلها لكل الأوساط الأدبية والفنية والخاصة والتشكيلية وهو ما عرى زيف الواقع وزيف من خلال تعرية زيف واعتقادات الشخوص من خلال ما أبدته من مواقف ، في حين لامسنا في بعض النصوص تمازجا وانصهارا أبرز سيمفونية الحياة الحقيقة التي تتأثر بكل ما هو جميل في أحلك اللحظات لتحولها شخوص إلى إشراقات منيرة ، فحين تعجز اللغة عن التعبير عما يرتج في الأعماق وقد كبل الصمت أفواهها تستطيع كموسيقى شاردة على إحداث فرق بتغييرها لمجرى حياتهم الراكد فتنقلب رأسها على عقب .
في حين تتحول لحظات الاحتضار المؤلمة إلى لحظة تأمل مليئة بالحكم والعبر أبرزت عمق الرؤيا والرؤية للواقع والحياة ولمكانة الفرد وهو ما عرى عن زيف الأحاسيس في لحظات يتعطل فيها كل شيء لتعود الشخوص من رحم المعاناة متعطشة للاستمرار برحابة صدر .
إن بلاغة نصوص هذه المجموعة وصلت حدا كبيرا في منح المتلقي متعة خاصة من خلال تجسيدها لرؤى متعددة مجسدة في بلاغة السرد وعنفوانه من خلال مواقف الشخوص وتقنيات التوظيف ورمزية إشاراتها الوامضة والسريعة .
 
I القصة القصيرة وتنوع قوالب التناول   
 
 1) الكتابة والألم
ليس من الهين كتابة قصص قصيرة برشاقة لغوية وبناء متماسك ومضامين عميقة في زمن الرداءة . فالقاص عبدو عينو "حقي" من القلائل الذين لهم بصمات واضحة في المشهد القصصي المغربي سواء الافتراضي أو الورقي رغم أننا إزاء باكورة أعماله والتي يرجع كتابة بعض نصوصها إلى فترات سحيقة ، فهو كاتب ومترجم وناقد مما جعل التعامل مع باكورة أعماله الورقية يفترض نوعا من الحذر والتعقل والتمعن .
لقد استغربت كثيرا لكون نصوص هذا المجموعة لم تحض بمتابعات أو مواكبات نقدية   وربما مرد ذلك حسب وجهة نظري المتواضعة إلى عدم رضوخها بسهولة وإلى تمنع لغتها بقدر ما يرجع إلى مضامينها التي لا تتيح اختراقا سهلا ويسيرا للجميع .
في مدارج البيت العتيق " ص 5 يحكي السارد لحظة اتجاه الأم لقضاء مناسك الحج بنوع من القداسة والحنين المزوج بآلام الفراق وهو ما جعل النص يمتاز بقوة في الرصد لأدق تقاصيل ذلك الرحيل الذي يترك تمزقا لن يملؤه بعد رحيلها أحد ، ولعل أقسى اللحظات تأثرا كانت لحظة العناق الأخير يقول السارد" وكان النداء بالأسماء إعلانا ليتمهم المؤجل . همس له جار قديم لاتكثرت بالفراق ففي تلك الأكناف للسكينة خيمة بحجم السماء" ص 7
إن الصورة التي يقدمها السارد عن رحيل أمه أبرزت مدى قوة الارتباط بها والمكانة التي تحتلها في حياته وهو ما أبرز كتابة نفسية وارتجاج داخلي عرى عن هوة سحيقة وظلمة مخيفة يقول السارد "رنا إلى الشارع الممتد أمامه في صمت رهيب ..أعمدة النيون عقد متألق على هامة الفجر وجدها تعبر هذا الارتداد التاريخي وهو يلوح لها بمنديله عبر نافذة الاغاثة ويلاحق كالمخبول طيفها بالنظرة الواجلة " ص 7
رغم سفر الأم ظلت صورتها تتحفه في الأعماق بذكريات جميلة هو وإخوته كلهم شوق لسماع صوتها " هاهم الليلة جميعهم ينسجون حول طيفها حكايا رائعة يرفعون السماعة ويتوسلونها أن تغمرهم بصوتها الرؤوم"8
إن حرقة الانتظار أحدثت هوة أخرى مضافة لألم الرحيل وهو ما سيحدث شوقا كبيرا مليئا بالانتظار طوال مدة سفرها ، فمدارج البيت العتيق بقدر ما تطرح واقع الفراق والحزن تبرز بقوة جدارة القصة القصيرة ورهاناتها في الحفاظ على ألقها الدائم وقدرتها في رصد أدق اللحظات الإنسانية النفسية توثرا وقلقا .
2) الكتابة الغرائبية 
 
 في حين يرصد السارد في نص خلوة رفيعة " ص 11 لحظات بطله بنوع من الغرابة والقداسة والغموض ، فالبطل بدا من خلال رسم ملامحه من طرف السارد أن محفوف بخوارق الأزمنة القديمة وهو ما جعل ترقبه يزداد أكثر يقول '" أجدني مرتقبا أكثر من ذي قبل إلى أشيائه ..ظله .. زفراته إيماءاته المغمورة بهذيان الحكماء الذي يخيل إلى جليسه كما لو أنه منعتق من شفتين تحللتا فجأة من أنشوطة عنيدة" ص13
فالوصف اتخذ صبغة الغرائبية جاعلة من البطل صاحب قدرات خارقة " اذكر ..كان يمرق مثل النيازك مقداما كما عهدته ... حارس التضاريس المعزولة المتمنطقة بالأسبلة السريالية / أعزل/ عليه دائما جوخه الصوفي الذي تفوح منه رائحة عرق المعارج المتربة" ص 13
أنها صورة تبرز بركة مجذوب أو صوفي بقدرات عجيبة وخارقة للعادة ( الاختراق / الكلام الملغوم / الشرود في المسالك المخضبة إلى قمة الجبل / قوة البصيرة ) مما يبرز تشكيلا غريبا ومتميزا تجعل من الغرابة السمة الأساسية للمتحدث عنه وكأنه انبعث من عدم " تبدو عليه سيماء خبل المجاذيب الملتحفين في أردية الصوف " ص 15 في تأمله وغيابه وظهوره وقسماته التي هي في حاجة إلى فك شفرتها .
إن لقاء السارد والمجذوب اتسم بالغير العادي ومليء بالدهشة في جوف المغارة ، ولعل صندوق معرفته الذي كان السارد يرغب في التعرف على محتوياته العجيبة جعل من اللقاء يتحول إلى مطاردة لصيقة ، يتلوها اختفاء مفاجئ بنوع من الغرابة يحول كل دنو واقتراب مستحيل يقول السارد " وفي لحظة سهو مني توارى خلف صخرته وكأني بوقع أقدام قديمة تجلجلان في جوفها " ص 18 وهو مسار مفتوح على التيه والعتمة جسده اختفاء المجذوب المفاجئ " حاملا صندوقه على كتفيه العريضين الضامرين وهو يركض" ص 18 حتى استحال شجرة ..
فنص خلوة رفيعة هو بحث مضني بدأ بتقليب " أراق كتاب مغبر" ص 12 وانبعاث طيف صاحبه الساحر واختفائه بشكل مفاجئ ليظل النص العجائبي متكون من درات غبار انبعثت من كتاب وانتهت
برحيل الطيف المنبعث منها وهي الخلوة التي تحققت من خلال سفر بين أسطر الكتاب وتقليب صفحاته وكأنها لحظة اقتناص للحظة منفلتة لا إرادية سحبت السارد بعيدا لطرح قضايا المتصوفة والمجاذيب .
إنها رصد لكتابة نفسية تبرز جوهر وعمق الارتجاج الداخلي تصور ما يجول في رحاب الخاطر وضفافه من خلال إبداع عوالم الجمال المتخيلة وهي تطرح قضايا الشائكة جدا وبالحميمة في نفس الوقت .
3) الكتابة والقضايا الإنسانية
 
لكل كاتب مشروع ، وقضايا إنسانية يدافع عنها تبرز من خلال إبداعاته ، فيحيطها برعاية خاصة من خلال صنع عوالمه يغلب فيها السلم على الحرب بنبذ العنف والإقصاء ، لتتخذ صفة الكونية .
حروف الفقدان لم تحد عن هذا المسار بجعل القضية الإنسانية محط هدفها الرئيسي من خلال إثارتها للعديد من القضايا كالحرب اللبنانية / والحرب العرقية في البوسنة ، والدعوة إلى التعايش السلمي وحوار الأديان والثقافات .
في نص " أوراق من تحت الردم" ص20 يطرح القاص عبدو حقي الحرب اللبنانية الإسرائيلية من خلال رصد واقع الرعب اليومي الذي يتعرض له جنوب لبنان وحالة الفزع والدمار والموت التي تتركها وراءها انطلاقا من حدث أولي تجسد في إحياء ذكرى عيد ميلاد البطل الصغير والذي تحول في غياب والده الذي يعمل بعيدا عن الوطن إلى دراما إنسانية ّ
 لقد جسدت أغنية فيروز التي شكلت خلفية لسينوغرافية النص بدلالتها العميقة مضفية على المكان استماتة ومقاومة الشعب اللبناني وهو يحلم بغد جميل . كما ربط السارد بين حقب تاريخية للإستشهاذ على قدر النكبات التاريخية التي تعرضت لهل سواء على يد العثمانين او الواقع الراهن وهو تاريخ مليء بالاضطهاد والسخرة والعذاب وكأنه قدر لبنان السرمدي بقعة أرض حزينة ، كما أبرز الحالة النفسية للأم الطفل لحظة تعرضهما للقصف يقول " إنهما لا يبكيان ،، أو ربما يتهيأ لنا على قناة الجزيرة أنهما يبكيان ..فقد ألفا هذا الذوي منذ بدأ القصف .., منذ ثلاثة عقود أو أكثر " ص 24  
 
إن فكرة النص حسب ما جاء على لسان السارد مستوحاة من خلال لقطة إخبارية على قناة الجزيزة وهو ما منح النص خصوصيته والكاتب قدرته على الرصد والالتقاط وبناء أحداث نص متماسك لتمرير رسائله الإنسانية بإثارة أبلغ عمقا وأثرا وهي رسائل تعبر عن مواقف تم تمريرها بسلاسة يقول السارد " هاديا تضم وائل إلى صدرها المضرج بدم الشهادة وكأنها تربت على جسده الغض في لحاف وسنة لذيذة"
لقد خلف القصف قتلى وجرحى ونازحين نحو الشمال وأشخاص آخرون محاصرون في موانئ ومطارات أخرى كما حدث للأب "خليل " الذي تعذرت عليه العودة للاحتفال بعيد ميلاد ابنه ليحضر ربما جنازته ، وهو ما أبرزالتمزق والمآسي التي تخلفها الحروب في شرق المتوسط لتظل البراءة وحدها أكبر ضحية للحرب الجائرة . يقول السارد " ليل لارناكا " يمتد ساخنا ..وعبقا برائحة الحرائق القادمة من شرق المتوسط .. وفي المدى تتسع شهية الحرب .. لكن ما ذنب البراءة؟" 27 
إنه السؤال الآخر الذي يطرحه نص " ناتالي " ص 82 والسارد يخبرنا عن واقع قاتم أخر بطلته التصفية العرقية والنعرة القبلية المليئة بالحقد والكراهية بين أبناء المنطقة الواحدة "البوسنة/الصرب"يقول السارد عن بطلة النص برمزية عالية " لم تكبر ناتالي .. ما زالت الآن أمامي تمرح ..تعدو وتلعب لعبة الغميضة تحت ردهات وبين مخابئ وأدراج سيرك " ماكسيموس" في ضاحية روما مع صديقاتها الصغيرات الأفارقة والمهاجرين المغاربة غير الشرعيين " 84
لقد جسدت الطفلة البراءة التي ذهبت ضحية للحرب العرقية الطاحنة بتحولها لنازحة او مهاجرة غير شرعية في بلد آخر ومحط شفقة كبرى بل هم إنساني يضاف للقائمة الكوارث المفجعة كالمجاعة والهجرة السرية وهو ما ابرز تعاطفا كبيرا معها يقول السارد على لسان أحد الشخوص " أتدري ما هو حلمي اليوم يا سيدي .. أتدري .. أحلم بألا تكبر ناتالي .. آه إنني أخشى عليها أن تكبر ثم تعود إلى قرية "كورانا" لتبحث عن لوح الآردواز وحمامتها البيضاء وزورقها الورقي على النهر الهادئ" ص 84 .
أما نص " we are the world " ص 30 فيحيل منذ بدايته ومن ومض عنوانه انه نظره كونية تنفى كل الفوارق والألوان والجنس وتقصي من حسابها كل تفرقة  أو دونية أوتراتبية . وتطرح بدائل الحب الذي  نشيد به  عالما نكون فيه أسياد أنفسنا .
فانطلاقا من العنوان تطرح فرضية الأنا والآخر التي تناولتها كتابات أخرى بنوع من اللا تكافؤ ومن منطلق انتماء للمركز والأطراف مما يكرس فعل الهامشية بل يجدره ، في حين نلحظ نوعا الانسجام والتناسق والتساوي بين الأنا والآخر انطلاقا مما تحكمه اختيارات شخصية وحرية مطلقة أبرزت خصوصية الأنا والآخر وبالتالي نقط التقائهما وقدرتهما على نبذ اختلال العالم من جهة ومن جهة أخرى قدرة القصة القصيرة على مضاهاتها للرواية في وصف الأمكنة ورصد تفاصيلها بدقة آسرة من خلال مشاهد متنوعة الالتقاط وكذلك رسم ملامح الشخوص وميولها ومستواها المعرفي والفكري وإرثها الثقافي المتباين والعريق في نفس الوقت .
إن تصرف بطلي النص على سجيتهما أبرز قناعتهما الفطرية وتعاملهما العفوي ومواقفهما تجاه مختلف المواقف التي واجهاها يقول السارد على لسان بطله " يذكرني هذا المدخل ب.. فقاطعته ..تصميم النادي مستوحى أصلا من قرية تروبيكالية ..فالمعمار البراني كما يبدو شبيه بقصبة من قصباتكم" ص 31
إن الارتكاز على وصف المكان كان الهدف منه جعله خلفية وتقديم لما سيأتي من الأحداث وهو ما جعل النص يتسم بكتابة سيناريوهاتية يقول السارد" توقفنا أمام مسبح دائري محفوف بكراسي وطاولات بيضاء .. اقتعدا تحت مظلة مفوفة بخطوط بيضاء وسوداء على اليسار كولوار يفضي إلى غرف محجوزة على مدارالسنة ..شرفات جميلة تطل على شساعة المتوسط ..قاعة للمؤتمرات مجهزة بآليات لإطفاء الحرائق والإسعافات الأولية... " ص 32
إن رسم معالم المكان اتخذت الحيز الأكبر في النص وهو رسم تم من خلال مقارنات تمت في صمت ، وهو ما ابرز ثقافة البطل وصديقته كريستينا التي بمجرد ما وصلتها نبرات البيانو حتى انخطفت وصاحت عن غير وعي قائلة " سيمفونية ريتشاردستراوس دون خوان الأوركسترا السمفونية لغرناطة بقيادة جورجي سولتا هل فهمت ؟"ص33
في حين أبرز السارد ثقافة بطله من خلال دخوله حلبة الرقص وصديقته تطلب منه رقص رقصة الروك وهو متردد لكنه سرعان ما اندمج في جذبة " هو كيجذب (الله دايم.. الله دايم) الحضرة هنا والروك لهيه " ص 34 وهورقص جنوني حرر الذات من شياطينها المرابطة بالداخل إلى حد الهيجان والتهيه الذي افقده السيطرة على النفس يقول السارد " هاهي قد أيقنت أنها فقدت السيطرة عليه حين طفق يغمغم ( أين نحن ؟ من أنا ؟ أين أنا ؟ في الضفة الغربية أم في البحر الميت أم أنا في كاليدونيا أم أنا في كوادلوب أم أنا في لاس بالماس)" ص 34
فنص we are the world “" يصهر الأمكنة في بوتقة مكان واحد كما يصهر الذوات المقيدة بإرث ثقافتها موحدا إياها في ثقافة كونية وهي حقيقة أكدها بطل النص بعد استعادته لوعيه وهو يشعل سيجارته " مجيبا إياها بنرفزة وقفز إلى المرآة تحسس وجهه .. قسمات ممسوخة .. على الصدغ نذب لم يدر مم وقع ، ربما أثناء هيستيريا (الحضرة) مسح المرآة فألفى وجهه الأول ..نفس الوجه البلدي العريق ..ومع ذلك شك في حقيقة ما يحمله من قسمات حين احتضنته كريستينا من خلف ظهره وهي تغمغم we are the world
 
4) القالب العجائبي رحلة عبر الحلم ومن خلاله
 
للحلم لغته الخاصة ومفاهيمه التي ترفض التقيد بالقواقع لأنها تتحرر منه وتحرر كل مكبوتات الجسد لتحلق على عواهنها . ونحن نجترح عوالمه المليئة بالرغبة والرهبة واللذة ، فالحلم بقدر ما يدفع باللاشعور نحو الانفجار والسفر فإن الرغبة عند اليقظة لرسم صور الحلم المنفلتة والغريبة تخلق بداخلنا هاجس ما ورغبة نحو العودة التي غالبا ما تستحيل بنفس الإيقاع أو اللذة والقوة .
ومن خلال الحلم نستحضر كل مرغوب وكل ما تهفو إليه النفس ونحن نكابد عناء لحظات قاسية جدا ، صراط نمشي فوقه مغمضو العينين نحو أرخبيلات لحظات متناثرة نتوق إلى جمعها في جزيرة كبيرة ممتدة الأطراف منفتحة على زرقة الماء والسماء ونحن نكسر كل الأصفاد التي أدمت أيدينا والفداحة التي تكبدنها على ارض الواقع .
في نص أرجيف الوسادة يتم التشييد انطلاقا من لحظة جامحة فرضتها ضرورة استرخاء جسد البطل ليلج عوالمه الغرائبية ورؤاه المزدحمة في الرأس يقول السارد " هكذا .. بلا جسد كنت .. وحدي أعبر مدنا لم تحلم بها خارطة .. أعثر فيها على بعض من بعضي وأشياء حقنتها بدم المعا كفة ( ما بالها تلاحقني إلى أرخبيلات الحلم وتوثر فوضى مدن بلا شوارع وأحبة بلا أسماء ..؟ "ص 104
غير أن الاستفاقة من الحلم لم تكن أقل توثرا والبطل حائر يخوض صراعه بحثا عن خط الفصل بين الحلم والحقيقة " لست أدري كيف تخصبت رؤى الأراجيف الليلية في رحم النهار ، وكيف اجتزت العين عالمها في غفلة مني يقينا أنني كنت انحث على جدار الحلم مطا فات أخرى" ص 105
 
 
 
II القصة القصيرة بين محاولات الهدم والتشييد
 
 1) اختراق الحدود بين مختلف الأجناس السردية والفنية
 
أ) الفضاء في مجموعة حروف الفقدان/ شارب الإنبست
لقد استطاع القاص عبدو حقي كتابة نصوصه القصصية القصيرة بالاعتماد على توظيف العديد من الجماليات لإبراز وجهة  نظره اتجاه  وتمرير مواقف إنسانية متعددة من خلال المزج في كتاباته بين  التشكيل والموسيقى والرواية وهو ما جسد بلاغة السرد وتنوعه من خلال الحصول على مزيج عجائبي أتحف صدر القصة بتوشيحات   جميلة جعلها واقعية وحية قابلة لقراءات متعددة فهي تحاكي الرواية في وصفها للشخوص والأمكنة وتمتح من المسرح تقنيات تأثيثه السينوغرافي ومن التشكيل القدرة على المزج بين الحالات النفسية المتجسد من خلال رمزية الألوان ووضعية الشخوص ومن الموسيقى تحليقها ورخامة رناتها المصاحبة أثناء قراءة بعض النصوص التي لا يمكن قراءتها بعمق دون استحضار نكهة تلك  المعزوفات للوصول إلى قمة المتعة ولذة في الإحساس أثناء لحظة الاستقبال  .
 هل باستطاعتنا من خلال تأمل لوحة تشكيلية أن تجود الذاكرة بنص حارق يجمع بين طياته جماليات تتوخى تكسير الحدود بين الأجناس لتأخذ من الرواية الوصف والدقة والتفاصيل ومن القصة روعة العصف بانتظارات التلقي وجودة الحبك ومن اللوحة شخصية محورية قضت ظروف اللحظة أن يكون والبطل سيان في الوحدة 'وبقايا أشياء ويوم ، وزمن مخمور' وهو يتأمل قنينته كشارب " الأنبست " في لوحة بيكا سو .
إن دلالة العنوان بقدر ما تفتح مسارات نحو التحليق قد تكون عائقا أحيانا لكن ذلك لا ينفي ما تبقى من الحلم والأمل والرغبة الدفينة بانتظار يوم جديد قد يكون هو الآخر حافلا بالشرب مادام ذلك هو الشيء الوحيد الذي قد يتحقق ويؤكد كينونته ووجوده .
إن أحداث هذا النص دارت داخل ثلات أمكنة ( الحانة / الشارع / الغرفة) ، في الحانة رسم السارد ملامح بطله والمكان يقول " لم يبق في الحانة غير بقايا الأشياء .. وبقايا يوم يراجع مفكرته على إيقاع بندول مخمور .. وعقربان متعانقان على سرير الثانية عشرة ليلا " ص 88 " النادلة إيف وحدها خلف الكونتوار ..والقطة "مينو" كعادتها تنط إلى ركبة سيدتها " ص 88
إن الحوار الذي دار بين النادلة إيف البطل ، أبرزت عمق انهزامه الإنساني وضياعه وهو يجيب على مداعبتها " اشرب ..اشرب ما استطعت فما أقسى شتاء هذا العام " فكان رده عليها " سيكون شتاء طويلا ..طويلا .. فماذا أعددنا لذلك يا ترى ؟ .. حطب مكيفات .. كل هذا لا يكفي إذا أضعنا ما تبقى في أيدينا من دفء إنساني " ص 88
في حين احتضن الفضاء الثاني " الشارع" حيرة وتيه البطل وهو يقذف بجسده نحوه ممتعضا يلفه شعور غامض يقول السارد " صدر منه زفير أعقبه صفير توهمه أبيضا هو أيضا وعائما في خواء الشارع .. هاهو يتحول بدوره كائنا تلقائيا مجرورا إلى منتهى شارع " سان كترين " حيث حديقة الطيور (و) خلفها قرب المرحاض العمومي غرفته (المزينة)جدرانها بأبخس لفائف أوراق الديكور"
إن الذهاب نحو الغرفة (الفضاء الثالث) المعزولة كان ذهابا قسريا نحو الجحيم وليل الوحدة القاتلة والصمت الرهيب ، وقد جسدت فضاء عرى عن القسوة والبؤس والعزلة يقول السارد " مصباح واحد .. فنجان واحد .. كرسي واحد ..سرير لشخص واحد ، صورته حين كان طفلا طليقا " ص 90
إن الحياة بالأستوديو عرى عن واقع المهاجر والحصار المضروب عليه بفعل تكاليف العيش من جهة ومن جهة أخرى بفعل الاغتراب وصعوبة الاندماج ، فالمهاجر يراه الآخر" كرجل (بئيس) .. في قطاره وتلفزته وجرائده .. في خبزه وثقافته " ص 93 إنسان معرض للاحتيال والنظرة الدونية والإقصاء الممنهج مراقب على مدار الساعات والفصول يقول السارد "دنا من النافذة فلمح حارس العمارة وسيجارته في فمه متوهجة مثل عين مارد حمراء " ص 93 وكذلك من طرف الجيران الذين يتفادى أسئلتهم واستفساراتهم .
إن صورة المهاجر في نص "شارب الإنبست" أبرزت مدى قذارة أن يدرك الإنسان لحقيقته لحظة سكر ولماهيته التي بقدر ما تسرع بفتح أبواب السؤال على بشاعة الواقع والوعي بضريبة الاستمرار والحياة المعزولة تنزف جراحه الغائرة ليظل كبقايا كائنات .".بقايا أشياء ، وبقايا يوم يراجع مفكرته على إيقاع بندول مخمور ، وعقربان متعانقان على سرير الثانية عشرة ليلا" ص 88
 
ب) الاحتفال بالتفاصيل الصغيرة داخل رحم الأمكنة
 
وإذا كانت الرواية قد استأثرت عبرأحقاب في التاريخ للأمكنة من خلال وصف معالمها وهي تؤثث حبكتها وصراعات شخوصها لمنح القارئ صورة خلفية واضحة المعالم للأمكنة بهدف إضفاء مزيد من الواقعية السحرية على الحدث وهو أمر بقدر ما يعزى إلى حجمها وعدد صفحاتها وقدرة كتابها يرجع إلى  كونها كجنس أدبي يدخل الجزئيات والتفاصيل الصغيرة ضمن حساباته بل يقترن بها اقترانا أبديا وبدونه تضحى الرواية عارية وغير ذات جدوى لكن هذا التوظيف استأثرت به القصة القصيرة كذلك وكتابها يخترقون في إطار من التجريب الحدود بين الأجناس ويكسرون القواعد وخطية السرد بحثا عن القصة المغايرة المتحررة وهي تحتفل بالمكان تفصله على مقاصها لتحقيق نفس الغرض بل والتخلص من هيمنة السارد أحيانا لينوب المكان عنه في السير قدما بالحدث وتوجيهه وهي تقنية تم توظيفها في نص " سوناتا من قبل هذا المقام " وهي تستأثر بقدر كبير من القدرة على جعل المكان ذاكرة ومؤثر في الحدث بل أحيانا صانعة له .
وهو ما حدد ذوق البطل من قبيل اللون الرمادي " الرمادي يشق اديمه القديم داخل الممرات الجوانية " ص 96 / سوناتا فاجنر / لوحة الموناليزا ص 97 / موسيقى الحسين الثولالي / ص 98 وهو ما شكل مزيجا من الألوان والأصوات والأنغام منضافة لقصة غرامية يقول السارد " أدخن لفافتي وأرنو إلى لقد حوى النص أسماء أماكن كثيرة لمدينة مكناس وبطلها يسترجع بلذة أحيانا وأخرى بلوعة العديد من الفضاءات والأشياء المقترنة بها من قبيل " إرتشفت كأس شاي بالنعناع المكناسي/ ص 96 / مقهى "النهضة ص 97 / ساحة الهديم / مقهى لحبول / بوليفار محمد الخامس / )
لم تكن الأمكنة وحدها المؤتثة للنص والرابضة على صدره لوحدها بل امتزجت بالموسيقى والتشكيل ظلينا المتعانقين في غفلة منا على الجدار " ص 97
 
2) قضايا الإبداع وتبئيرالصور
 
إن الاعتماد على تقنية الاسترجاع وتوظيف نون الجماعة التي عوضت ضمير المتكلم جعلت من النص يحمل شذرات سيرة ذاتية خفية يقول السارد " أتذكرين تلك الرقصة الشبيهة بعصاب ( الفلامينكو)
ونحن نهم بترتيب أول دخلة مثخنة بالأحلام والأوهام الحمقى قلت حينها أخيرا آوينا إلى بيتنا المتسربل باللبلاب " ص97
إن براعة كاتب القصة القصيرة لا تكمن فقط في الحفاظ على زمن النص وإيقاعه بل من خلال دخول حقول تجريب عالم يمزج بين مكونات مختلفة مع الحفاظ على سلامة النص و بناء القصة نفسها من خلال المزج بين تقنيات متعددة استأثرت بها أجناس سردية أخرى ونقل مفاهيم وأدوات لتوظيفها داخل حقا غريب مما يحدث مثاقفة تفضي إلى الحصول على لذة التلقي وتحقيق متعة ، فاللغة قد تتشظى
وتتلاشى دون أن تفقد سلاستها ومرونتها وقوتها إلى جانب مؤثرات أخرى صوتية مرئية مما يمنح تركيبا للصور وإعادة للتشكيل للأمكنة والقصة نفسها التي تتحول إلى نص قابل لمختلف القراءات ويسمع بالالتقاط من مختلف الزوايا .
 
أ) بين بؤس المثقف / وثقافة التيئيس
 
في حين يرصد نص "الفنان " وهو كوميديا قصصية ص 45 موقفا آخر وصورة غريبة انطلاقا من وعبر الحلم لبناء واقع حياة تضج بالتطلعات والأماني والفوضى والكوابيس ، نص جسد واقع الفنان التشكيلي المغبون والمحاصر بنظرات الآخرين وتهميشهم وتحقيرهم له بالقدر الذي يبرز معاناته الخاصة في وسطه العائلي كمضايقة الزوجة والفقر ، لكن استمراره وتحديه لم يكونا في النهاية على قدر تضحيته وتفانيه وحبه للفن فأحيانا تخذلنا الطبيعة وتتكالب علينا الظروف التي ننظر إليها في الواقع بشكل أقرب إلى التقديس والحب والإعجاب .
لقد تم بناء هذا النص انطلاقا من نظرة توصل البطل برسالة من صاحبة قاعة عرض طالما تاق لعرض لوحاته فيها وهو أمر ألب عليه هواجسه وتخوفاتها بل أبرزت مواقفه من كل المحيطين به ( الزوجة / الأصدقاء / سكان الحي) .
لقد شكلت الرسالة العمود الفقري الذي نسجت عليه أهم أفكار هذا النص بدقة متناهية كشفت عن فاقة وعوز المبدع كما جسد انتظارا ته وأمانيه الكبيرة راسما لها آفاقا رحبة منيرة قادرة على تغيير مجرى حياته كلها .
إن الارتكاز على تقنية المونولوغ المسرحي أبرزت عمق نظرة الزوجة إلى "إبداع" زوجها التي لم تكن تر ى قيمتها الفنية بقدر ما كان هاجسها الأول والأخير الاستفادة المادية منها وهو ما علل به بطل النص رفضه للزوجة بمرافقته يقول السارد " هو يعلم علم اليقين بطبيعتها وخفة يدها وعماها المالي حين تسمع برنين الدراهم في جيبه فهي         لن تتوان ولو لحظة قصيرة عن إخراج الآلة الحاسبة وأمام الجمهور كان من كان " ص 50
وبالمقارنة بين تطلعات البطل وزوجته ندرك مدى الحصار المضروب عليه داخليا وهو ما زاد في تحديه لها ولأصدقائه وسكان الحارة التي يسكنها وهم ينادونه بالفنان ، يقول السارد" أما النداء فلم يكن في غالب الأحوال لذا (ته) فقد كان يتغافل النداءات ليقولوا ما يشاؤون يقول في نفسه ، أجل أنا فنان موتوا بغيظكم ... هؤلاء الأصدقاء الأوغاد .. لا يدركون ما معنى أن يعيش بينهم فنان تشكيلي " ص 48
غير أن سفر الفنان إلى العاصمة على متن ناقلة تميزت بلحظات متضاربة خصوصا بعدما استفاق على وقع جو ممطر " وجد العاصمة تغرق في أمطار عاصفية " ص 54 بين من يتبادل التهاني بنزول الغيث وبين الموقف الذي وقع فيه وهو عاجز بشكل مطلق " ماذا يستطيع الآن ؟ لقد انهار عليه الهرم .. الصرح الذي بناه في القبو.. حتى الطبيعة على نقائها .. خذلته في آخر لحطة " ص4 5
لقد استطاع القاص عبدو حقي نقل النص إلى مرحلة توثر قصوى وهو يسحب البساط من تحت قدمي قارئه من خلال التلاعب بمشاعر بطله لحظة نومه بالعصف بانتظار القارئ الذي كان يتوق لمعرفة تفاصيل أخرى أطرف وأروع عن بطل النص .
فالمبدع عامة يخلق عالمه أو عوالمه التي بقدر ما يتوق للتحليق فيها يبني داخلها عش أحلامه ينتظر اللحظة المناسبة فيطول انتظاره ما لم يجد من يشد أزره .
نص (الكاتب) ص 37 يعرض المواقف الحرجة والمطبات التي يتعرض لها ويقع فيها الكاتب المبتدئ المغمور الذي يعيش بالأمل والأكسيجين والأحلام وهو يصور عالمه المنشود ، فظروفه المعيشية القاسية تخترقها صدف قد تكون قاتلة ، يعيش على اللحظة المنفلتة التي قد يقتنصها في غفلة من الزمن وهو يحلم بالنص " الحدث .. نص يتصدر العناوين الرئيسية في نشرات الأخبار والمجلات والجرائد نص يزعزع النظريات النقدية والمفاهيم والمصطلحات" ص 39
وهي صورة تبرز الصراع المحتدم داخل النفس ومعها تسحب خلفها صراعه مع اليومي ورحاه الدائرة دون توقف تطحن الواقع وتمزجه بالخيال الذي يعري عن ما تبقى من جذوة متقدة بين الحنايا وبصيص النور الذي يحتضر يوما بعد يوم لكن الرغبة تظل والمرغوب لا يزال هاربا يسحب خلفه الأمل يقول السارد " فالنص المشتهى لم ينزل من سمائه بعد ، لا من سماء التجريب السابعة ، ولا من سماء السريالية السادسة ولا من سماء الفانتاستيك الخامسة (أو) من الواقعية (أو) من الكلاسيكية "ص 40
لأنه نص متمنع وعسير .
غير أن لقاء الكاتب صدفة بالمبدع المقتدر المشهور " الخمار القاشوري " المعروف بموسوعيته ستدفع به إلى مرافقته إلى أقرب حانة بعد اصطدام مفاجئ بينهما في الشارع وهي لحظة أبرزت كم هو عسير أن تؤمن بما تكتبه الفقاعات الثقافية الأكثر شهرة وتاريخا في مشهد ثقافي مريع ، فرغبة الكاتب المبتدئ في أن يحصل على تقدير الكاتب الكبير أبرزت الوجه الآخر للثقافة والمثقف الذي استغل بطل النص في الخمارة بدفع حساب ثقيل وبالمقابل لم يقرئ القصة التي رافقه مرغما من أجلها يقول السارد " بعد لحظة انتهى من قراءة النص وصفق فانتصب الكاتب مذعورا ووقف احتراما له وقال بصوت مجهد .. أنا مدين لاعترافك هذا وتصفيقك (..) فرد الخمار القاشوري .. لم أنته بعد من قراءة نصك القصصي فانا قد صفقت للنادل فحسب" ص 43 
 
ب) القصة القصيرة حقل مفتوح للتجريب العالم
 
 
في حين يحلق بنا نص علبة بيتهوفن إلى مدارج أخرى من التوظيف والتجريب العالم ونحن نطرق أبواب النص من حلال سؤال ، هل باستطاعة الفن أن يحدث الفارق ويغير أشياء كثيرة في حياة الإنسان وأن يحول لحظات التعاسة والمرارة والافتقاد إلى أمل مرغوب ؟
في علبة بيتهوفن ص 63 نلمح توظيف قالب جديد وتقنية كتابة لا تقل جمالية عن سابقتها ، فقد تتعذر القراءة (وهذه وجهة نظر خاصة) بالكيفية المنشودة في غياب تام للمعزوفة التاسعة لبتهوفن وهو ما يضع النص داخل إطاره الطبيعي للخروج على الحياة بدون عملية قيصرية ، فالمعزوفة التي اتخذت منحى حزين في بعض أطوار النص ستحوله إلى انتظار الزوجة الحزينة والغاضبة إلى حالة طبيعية أخرى وهو ما خلق تحولا عاصفا في العلاقة بين البطل وزوجته من خلال العلبة السحرية الذي أهداها إياها فتحولت لحظات الاستماع إليها من ترقب إلى إنفجار عاطفي يقول السارد " قبل أن يعود كان الصمت .. كان الصقيع .. رسائل المنجم الجنوبية المعبأة بعبارات الشوق التي يرسلها مع سواق الشاحنات ( وهي كل مساء تترقبه) على الشرفة " ص 67 إلى حالة أخرى مغايرة تماما حولت قتامة اللحظة ولوعتها كالمطر "المداهم (حيث) تساقطت الأنغام الخالدة وأخذك في انخطاف راقص وهادئ ز. وعيناكما وسط الطريق تتوسطان كالخلجان الصافية " ص 67
لقد استطاعت الموسيقى أن تحدث الفارق وستميل الكفة الراجحة لصالح البطل بقدرتها على اختراق سديم النفس وخلخلة مشاعرها وكأنها هبات نسيم جديدة تهب في أماسي حارة جدا
 
III حروف الفقدان / أو الافتقاد الأخير  
الكتابة والموت
 
لقد شكل الموت في نص حروف القفدان لحظات احتضار مليئة بالحسرة وفي نفس الوقت بحكم بليغة تدفع القارئ إلى التأمل العميق وهي تحاصره تلو أخرى يقول السارد " ليتنا أدركنا معنى هديانه قبل الإغماضة الأخيرة " ص 75 وهو استنتاج متأخر بعد رحيل الهالك إلى عالم الغيب ، فلحظة الاحتضار بقدر ما منحت الهالك رهبة واندهاش أبرزت قناعات المحتضر واستعداده للرحلة يقول السارد " أردف وهو يلتقط أنفاسه الحرى : كم يلزمنا من الزمن للشبع من الزمن . فعلى كل معصم آلة لترصد العمر .. وحين لا نفكر في الموت فمعناه أننا قد انتهينا " ص 72
إن الصورة التي يقدمها سارد النص عن بطله تبدي بما لا يدع مجالا للشك أنها تقدم رؤية شمولية لرحلة الحياة القصيرة وعالمها الصاخب المليء بالرغبات في غفلة عن التفكير في واقع آخر وحياة أجدر بالانتباه إليها دوما لمن ما يدفعنا إلى استحضارها هو رهبة اللحظة يقول السارد " كانت الأشياء من حولنا تغري وتعطي انطباعا بان الحياة جديرة بالحياة برغم هذا الثقب الشاسع في طبقة الأحاسيس المخرومة بالكآبة " ص73
إن الموت بقدر ما هو فناء هو انتقال إلى عالم آخر هو لحظة تطهر تجعلنا نستخف بالحياة وبأننا محاصرون دوما ومنبهرون بأنوار نهار يزحف ليل الوحدة والبرودة نحو بشكل حثيث قد تتعطل الرؤية وأفقها ونهوي  آخر هو لحظة تطهر تجعلنا نستخف بالحياة وبأننا محاصرون دوما ومنبهرون بأنوار نهار يزحف ليل الوحدة والبرودة نحو بشكل حثيث قد تتعطل الرؤية وأفقها ونهوي إلى مسارب الديجور نحو البدايات
بهذا المعنى تعيد حروف الفقدان بحكمها  وبلاغة نصوصها فتح أفاق جديدة ومنظور خاص لكتابة القصة التي بقدر ما تم تطعيمها تمنح النص المغاير شكلا ومضمونا ، فالتوظيف الذي يخترق الحدود متمردا على القوالب الكلاسيكية يمنح بطاقة سفر جديدة للقارئ ويفتح له آفاق أخرى للإطلالة على ممكنات السرد وأقاصيه الغير مكتشفة أو الغير موظفة كالتشكيل والموسيقى وتقنيات الكتابة الروائية ، والشعرية فصدر القصة الرحب يسع كل الأشكال وتستطيع التكيف مع مختلف القوالب لكن يبقى الفرق كامنا في النظر على القصة نفسها التي بقدر ما تحافظ على وحدة الحدث تمنح إمكانية التطعيم السلس والعالم ولعل نص الفنان بقدر ما أبرز هذا المنظور من جانب استحالته وضيق الأفق في التطلع إلى النص المتمنع بقدر ما حاول كاتبه تطبيق أبجديات ذلك التوظيف للإعلان عن تصور جديد للكتابة المتفتحة والقابلة لتوظيف كل ما يخدم القصة سواء جماليا أو فنيا في محاولة جادة وجريئة .
فمجموعة حروف الفقدان كذلك حاولت تقديم رسائلها الإنسانية  النابذة للعنف والإقصاء والكراهية والتصفية العرقية ونشر رسائل الحب والسلم والتعايش وهو ما جعل خطابها يتسم بالكونية وهو أمر تم الوقوف عليه من خلال رصدنا لكل قصص التي تباينت سواء من حيث البناء أو التشكيل أو التوظيف وهو ما يطرح حدود وممكنات التجريب القصصي الذي استطاع توفير القوالب البديلة لخطابات فكرية جد إنسانية وبليغة وتقديمها بقوة وسلاسة ومرونة مررت المفاهيم والرسائل للقارئ . فكان الحديث عن الأنا ولآخر على قدم من المساواة وهو ضرب للكتابات التي بقدر ما رجحت كفة الآخر حطت من شأن الأنا وأبرزت دونية المذلة ، كما أبرزت اغتراب الإنسان عوما وبؤسه وتمزقه وأحلامه البائرة ولو من خلال الحلم ، ليبقى لحروف الفقدان رسائل عزاء مشفرة عن غياب إنسانية الإنسان وتيهه ، رسائل تعري عن واقع الحلم المصادر والوطن المستلب والحياة المسلوبة بالدمار والقتل .
أنها كتابة ترصد أقسى درجات العزلة وأقصى درجات الحب والفرح ، تؤرخ للأمكنة وللفضاء وتصف شخوص نصوصها بقدرة ضاهت فيها الرواية أحيانا وهو ما جعلنا نقف على سبب تمنع نصوصها و لغتها القوية والمتينة التي راهنت من خلال كاتبها على قارئ نوعي وخاص من طينة مغايرة في زمن العزوف المطلق وتردي الأذواق وانقطاع الصلة بعالم الكتاب والكتابة والكتاب  .
            
 
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) عبدو حقي حروف الفقدان مجموعة قصصية انفو برانت الطبعة 1 / 2008
 
 
 
   
 
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=