http://kouttab-al-internet-almaghariba.page.tl/
  تصفية حسابات ما بعد الحداثة
 

تصفية حسابات ما بعد الحداثة
جهاد الترك

ويتعاقب المشهد صوراً متنافرة يكتنفها غبار رمادي: الحداثة بأشكالها الأوروبية التي توشك أن تقفز فوق أرتال من "النفايات" الفكرية والفلسفية المتكدسة على تخوم الألفية الثالثة. الحداثة بأنماطها الأميركية والبريطانية التي تحوّلت شعارات "صلبة"، على الأرجح، تستدرج العقل الى حيث يمضي الزمن المعاصر الى ما وراء الرأسمالية بزحفها التقليدي الحثيث. ولعلّ الحداثتين اللّتين تستأثران بالكم الأوفر من "العروض" الفكرية والسياسية في الذاكرة الثقافية تعيدان مراجعة حساباتهما. كل منهما من موقع التضاد مع الأخرى. تتربّص إحداهما بالثانية بصمت من وراء الجدران الفلسفية الشاهقة. وأحياناً قليلة أو كثيرة تفاجئ إحداهما الأخرى بهجوم مدروس أو مباغت في السياسة. تبدو هذه الأخيرة واجهة، على الأغلب، يستخدمها الطرفان تعيبراً عن تململ أعمق في باطن العلاقة المتأرجحة بينهما. الطرف الأنغلوساكسوني في هذه المعادلة أكثر قدرة وجاهزية على إظهار تفوقه الحضاري متذرعاً بعطرسة تكنولوجية لا مثيل لها. تقود هذه الحركة الولايات المتحدة، ومن خلفها بريطانيا ومن يدور في فلكهما. تتزعم الاتجاه الآخر فرنسا وألمانيا بالتحديد ومن يدور في فلكهما من بلدان أوروبية ازدادت تكاثراً بعد انفراط عقد الاتحاد السوفياتي. لا يبدو أن التباعد بين الدائرتين يشكل حدثاً مباغتاً في الوقت الراهن. ليس في الأمر شيء من هذا القبيل. ومع ذلك، فإن حالة التوجّس القائم بينهما، منذ عقود طويلة، قد تحوّلت في العقد المنصرم، على الأقل، ضرباً من الاضطهاد الفكري. تديره بذكاء ونوايا مبيّتة ماكينات الفكر الأنغلوساكسوني ضد مثيلتها الأخرى في بوتقة الحضارة الغربية. الملاحظ، في هذا السياق، على نحو لا يقبل الشك، أن الأكثرية الساحقة من الدراسات الفكرية والسياسية والفلسفية الأميركية والبريطانية وسواها، يتعمّد أصحابها أن يظهروا الوجه القبيح للحداثة الأوروبية. يتسللون الى "جبهة" الآخر من خلال ثغرة ضيّقة، على الأرجح، يزعمون أنها الأمثل لقراءة المجتمعات الأوروبية في ما بات يسمى مرحلة ما بعد الحداثة. يرى أصحاب هذه المؤلفات، وهي من الوزن الفكري الثقيل، أن اليمين السياسي والفلسفي في المجتمعات المذكورة أصبح أكثر استعداداً من ذي قبل للإفصاح عن ميوله ونزعاته وحوافزه الحقيقية. بات أقرب الى الاعتقاد، في نظر هؤلاء، بأن ثمة حاجة تاريخية اليوم لإعادة تكوين الهوية الأوروبية في زمن ما بعد الحداثة. يعتقد واضعو هذه الدراسات أن الفكر الأوروبي، في نسخته الأحدث، يزداد انغلاقاً على نفسه. يتشبّث بنمط من الراديكالية الفلسفية التي تسعى الى خلخلة حقيقية لأكثر مرتكزات الحداثة حيوية وأهمية في الألفية الثالثة. يخيّل الى هؤلاء المفكرين الأميركيين والبريطانيين ومن يستظلون قاماتهم الفلسفية الفارعة، أن اليمين الأوروبي الجديد أصبح يضيق ذرعاً بالنظام الديموقراطي السائد ومتفرعاته. بات أقرب انفتاحاً على التذمّر من المساواة الاقتصادية. أقل اكتراثاً بالمنحى الليبرالي للنظام الديموقراطي. أكثر ابتعاداً عن المسيحية التي كانت ولا تزال تحتل هامشاً واسعاً في ذاكرة الثقافة الأوروبية. ولعلّ هذه المسألة الأخيرة تشكّل ذريعة نموذجية، يستخدمها هؤلاء، على نحو انتهازي، إذا جاز التعبير، دلالة على استنهاض الذاكرة الوثنية للمجتمع الأوروبي في زمن ما بعد الحداثة. تأخذ هذه الدراسات الفلسفية على رموز اليمين الأوروبي الجديد أن إفراغ المسيحية من مضمونها التاريخي، الأخلاقي والديني والاجتماعي، أمر من شأنه أن يعرّض الثقافة الأوروبية لمهب التحولات الحادة. وهم يقصدون بذلك، على الأغلب، أن توجهاً من هذا النوع العنيف قد يستدرج المسيحية من دائرة اليقين الديني والأخلاقي الى دائرة الاحتمال المشرّع بالضرورة على المجهول. في هذا السياق، يخلص أصحاب هذه المؤلفات الى الاعتقاد بأن هذا اليمين الجديد ينطوي على عقل عدمي لم يعد يرى في الحضارة الإنسانية المعاصرة سبباً ملحاً لاستمرارها وتطورها ضمن الأطر الفكرية والفلسفية السائدة. على النقيض من ذلك بات رواد هذا التيار أكثر نزوعاً الى الربط بين تقهقر الحضارة وتحلّلها وسقوطها المتوقع حافزاً إضافياً للحكم على المسيحية بتخلّفها عن مواكبة ما بعد الحداثة. غالباً ما يثير المفكرون الأنغلوساكسونيون هذه القضية باعتبارها الرصاصة القاتلة التي قد تطيح اليمين الأوروبي الجديد في اللحظة الاستراتيجية المناسبة. والأرجح أنهم يتوجهون بهذا الخطاب الناري الى الجمهور الواسع الذي يبث فيه اليمين أفكاره الجريئة. علّهم يحملونه على التصدي لهذه المنظومات الفكرية التي أصبحت في المجتمعات الأوروبية من المسلّمات المتداولة على الأرجح. وهم يستهدفون بهذا الهجوم المكثّف إسقاط عصفورين بحجر واحد. الأول، محاولة ضرب العلاقة التي تتخذ منحى تاريخياً بين اليمين وتلك الشرائح الواسعة التي تفتّح وعيها على ما بعد الحداثة. الثاني، محاولة الإيحاء للأكثرية الساحقة من الأميركيين ومن ينتمي الى فلكهم الثقافي، بأن إظهار الولاء للمعتقدات الدينية لا يزال أولوية مطلقة في المشروع السياسي الفلسفي للولايات المتحدة. قد يشير هذا التصوّر، بشكل أو بآخر، الى رغبة مكشوفة لدى هؤلاء في إضفاء بعد ديني ملتبس، وربما مشبوه، على ملفّات التناقض المختلفة بين الحداثة الأميركية ومثيلتها الأوروبية. والأرجح أن ثمة شيئاً حقيقياً وواقعياً من هذا القبيل. فقد نمت الحداثة في المجتمع الأميركي وترعرت وتغلغلت في النسيج الثقافي الاجتماعي بإيعاز قوي ودعم لا سابق له من قبل المشروع الأوروبي. ومع ذلك، بدا منذ السنوات القليلة الأولى من منتصف القرن الثامن عشر، أن ثمة بوناً شاسعاً بين المشروعين. مساحة غامضة من الفراغ تشبه الثقب الأسود كانت ماثلة على الدوام بين الضفتين. اقتبست النخبة الأميركية، في تلك الأثناء، الحداثة الأوروبية مع وقف التنفيذ. فشلت، على نحو ذريع، في أن تتسلم هذا المشروع الإنساني الكبير بشروطه العلمانية التي ترسم حدوداً فاصلة بين الدولة والكنيسة. ولعلّ هذا التمايز بين الإثنتين لا ينتقص من قدر إحداهما على حساب الأخرى. في الوقت الذي جاءت علمانية أوروبا تعبيراً عن توجه فلسفي يستعيد فيه الفرد قدرات صادرتها الكنيسة بالاحتكام الى الخرافات التي أرستها المعتقدات الشعبية المتوارثة، جاءت العلمانية الأميركية تعبيراً عن شيء آخر شديد الاختلاف. بدت تطبيقاً انتقائياً خاضعاً للظروف والتحولات الاجتماعية. اقتباس بنكهة البراغماتية الأميركية التي قد لا يعدو كونها غاية تبرّر الوسيلة. حلّ المفكر الإيطالي ذائع الشهرة، مكيافيللي، ضيفاً مبكراً على مآدب الفكر والثقافة في الأوساط الأميركية. لم يكن الأميركيون، على اختلاف طبقاتهم وشرائحهم السياسية والاجتماعية، مضطرين للاحتكام الى سياسة الفصل عن الكنيسة كما حصل في أوروبا. والأغلب أنهم استحوذوا على فرصة تاريخية وكاملة من دون نقصان، ليصنعوا كنيستهم وفقاً لحاجاتهم المستجدة. كنيسة من صنعهم هم، على مقاسهم ورغباتهم الدينية والدنيوية لا تستوجب أبداً تنكراً لها أو تمرداً عليها بأي شكل من الأشكال. قطع الإنجيليون، خصوصاً المتزمتين منهم، شوطاً بعيداً على طريق التوحّد المدهش مع آلاف الكنائس والمؤسسات الدينية التي أنشاؤها منذ أن قدموا الى "الأرض الجديدة". وكما ابتكر الإنجيليون كنائسهم، وهم السواد الأعظم في المجتمع الأميركي، بادلتهم هذه الكنائس العلاقة عينها. ابتكرتهم من جديد. ثم شكلتهم مراراً وتكراراً ولا تزال تفعل ذلك في الزمن الراهن، تلبية لحاجاتهم الروحية وانسجاماً مع خرافاتهم التوراتية التي تحوّلت، في حقيقة الأمر، مؤسسة راسخة لا يقوى عليها شيء. من هذا المنطلق الملتبس، على الأرجح، دأب أصحاب المؤلفات، كما أُشير آنفاً، الى الطعن بالمشروعية السياسية والفلسفية لليمين الأوروبي الجديد. وهم يسقطون بذلك طبيعة المجتمع الأميركي، بتكويناته الدينية والعرقية المبعثرة، على نسيج المجتمع الأوروبي. ولعلّ الطرفين، نتيجة لحوار الطرشان هذا، باتا على طرفي نقيض. ولن يصلح العطار ما أفسده الدهر بينهما. والأخطر من هذه التصورات، على الأغلب، أن مقاربة اليمين الجديد، من هذه الزاوية الدينية الحادة، تنطوي في فضائها الداخلي، على ما يشبه الإدانة القاطعة لسائر فئات المجتمع الأوروبي من دون استثناء. لا فرق، في هذا الإطار، بين يمين جديد، أو معتدل، أو وسطي، أو يساري، أو ماركسي، أو فوضوي راديكالي، أو ليبرالي منفتح على أفكار الآخرين. إدانة لا ترقى، على الإطلاق، الى المعايير الفلسفية، أو المنطقية، أو السياسية السائدة. حكم مستهجن للغاية يطلقه أصحاب هذه الدراسات على اليمين الجديد وفي قناعاتهم الدينية والسياسية أن اليمين الأوروبي هو المحاكاة الحقيقية للمجتمع برمته. والأرجح أنهم يستهدفون هذا المعنى بشكل خاص، ليخلصوا الى القول أن هذا اليمين على وجه التحديد هو الشكل الأمثل للمجتمعات الأوروبية على اختلافها. ومن خلف هذا الستار، يروح واضعو هذه الدراسات الى ترقّب متعجّل لسقوط المجتمع الأوروبي في هوة الحضارة الحدثية. حتى ولو لم يحصل ذلك، ولن يحصل ذلك، فقد وُصم هذا المجتمع بارتكاب إحدى الحماقات التي لا يغفرها الأميركيون على الأغلب. وهي إما أن يصبح الأوروبيون إنجيليين متزمتين وإما فإن مشروعهم الثقافي باطل لا محالة. تتفاوت هذه المؤلفات في الكيفية التي تتوجه من خلالها الى قراءة اليمين الأوروبي الجديد في فكره الفلسفي وحركته السياسية. ومع ذلك، فهي تتوافق، على نحو مثير للدهشة، على أن أوروبا تقترب رويداً رويداً من شفير الهاوية إذا ما قيّض لهذا اليمين أن يتوغل عميقاً في البنية الثقافية الاجتماعية. وقد بلغ الأمر ببعض أصحاب هذه الدراسات الى اعتبار أن المجتمعات الأوروبية قد اصطدمت فعلاً بالجدار المغلق على نفسه. وهي على وشك أن تنتقل من حالة الى حالة. من حيوية متألقة بثقافاتها الإنسانية الى تصحّر مروع في سياق الحضارة. وكأن الولايات المتحدة وبريطانيا ومن يدور في مسرحهما الحضاري بمنأى عن هذه الموجة من الاكتئاب والأفق المسدود التي تُسقط إسقاطاً على الثقافة الأوروبية. العلّة، على الأرجح في هذه "الغارات" الفلسفية والعقائدية على اليمين الأوروبي، قد تظهر في مكان آخر يلفّه الصمت وسط أجواء من الضجيج المنبعث كالدخان الأسود. والمقصود بذلك التناحر السياسي بين الإمبراطورية بأحلامها التي باتت أشلاء ممزقة، وأوروبا ذات الإرث الإمبراطوري الذي أصبح أثراً بعد عين. كلما هوت الولايات المتحدة على الطريق الوعرة لمغامراتها الصعبة، ارتفعت وتيرة استهداف الثقافة الأوروبية. وتحديداً في أحزابها اليمينية المعتدلة والمتشددة في آن. وقد يخيّل الى القيّمين على الفلسفة السياسية في أميركا، أن أوروبا ملزمة بمحاكاة أحزابها اليمينية. وهي ملزمة، بالضرورة، أن تكون أحزابها اليمينية نسخة طبق الأصل عن مثيلاتها الأميركية. وإلا فهي مارقة. منهارة. فاسدة. يمينية متعصبة تكاد أن تذهب بالمجتمعات الأوروبية الى الجحيم. ضد الليبرالية من بين الدراسات الهامة، في هذا الإطار، كتاب أثار ضجة كبرى في حينه بعنوان "ثقافة جديدة، يمين جديد: ضد الليبرالية في أوروبا ما بعد الحداثة" للمفكر الأميركي المرموق، مايكل أوميرا، عن منشورات "فيرست بوكس"، 2004. يعزو الكاتب ما يعتبره انحرافاً مثيراً للصدمة ومهيناً لأخلاقية الحداثة لدى اليمين الأوروبي، الى خضوع هذا الأخير للمؤثرات المباشرة لأفكار الفيلسوفين نيتشه وهايدغر. ومن نافل القول أن لهذين المفكرين سمعة رديئة جداً في الولايات المتحدة لاتهامهما زوراً بأنهما ألهما الأحزاب المتشددة كالفاشية والنازية. وفي حقيقة الأمر فقد جرى استخدام فلسفتهما على نحو انتهازي مكشوف من قبل هذه الموجات السياسية المتعصّبة لأنها كانت تفتقر، في الأساس، الى أي سند فكري في الفضاء الثقافي الأوروبي. يتطرّق الكاتب الى هذه القضية باستحضار الذاكرة الشعبية في الولايات المتحدة وأوروبا التي لا تزال منكشفة على صور الحروب والقتل الجماعي. لم يبرأ الفكر الفلسفي والسياسي بعد في أميركا من الارتعاد المتوهّم، وربما الموت خوفاً، من هايدغر ونيتشه وسواهما من الفلاسفة الذين استشرفوا، على الأرجح، مرحلة ما بعد الحداثة على نحو مبكر. وبالمثل، قد يبدو اليمين الجديد في أوروبا وحشاً خرافياً قد يخرج من وكره في اللحظة المناسبة ليغرق العالم من جديد في أجواء تذكر بنهاية العالم. هذا ما لا تزال النخبة الفكرية في أميركا تنظر إليه من البعيد. وتخشاه بالفعل. وهي تتناسى، في الوقت عينه، مشاهد نهاية العالم التي أثارتها الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق وأمكنة أخرى مرشحة لسيناريوهات مماثلة. لم يجد صاحب هذه الدراسة، على أهميتها الفكرية، غير نيتشه وهايدغر ليستنتج بأن المجتمعات الأوروبية، في مرحلة ما بعد الحداثة، أصبحت مقفلة على نفسها. ذهبت الى العزلة من تلقاء نفسها وإرادتها. حكمت على مخيلتها بالإغلاق التام. تحوّلت مجموعة من البشر يقودها الضياع والإفلاس الفكري والمعنوي الى الفراغ. الى حيث الانتحار البطيء بعد أن أصبح الأمل سراباً مخادعاً. ينحو هذا المفكر باللائمة على الفلسفة التجريدية التي طغت على الفكر في أوروبا منذ أن أرسى مرتكزاتها الفيلسوف الفرنسي الشهير ديكارت. وفي هذا إشارة لا تقبل الشك الى المنحى التجريدي لكل من نيتشه وهايدغر اللذين يتهمان بأنهما جرّا وراءهما اليمين الأوروبي الجديد الى الانشغال بالغيبيات الفلسفية بعيداً عن الواقع الاجتماعي السائد. وفي هذا أيضاً دعوة مبطنة الى اعتناق البراغماتية الانتهازية الأميركية بدلاً من التجريد الفلسفي. ويتغافل هذا المفكر عن أن المنحى البراغماتي لم يكن يوماً بنداً مطروحاً على بساط الحداثة الأوروبية. ويخلص هذا الكاتب الى الاعتقاد بأن اليمين الجديد قد أحدث ثقباً عميقاً في العقل الأوروبي. تلف بنيوي من النوع الذي يسبب خراباً لا يرتجى شفاء منه. وهو يرى، في نهاية المطاف، ان الانصراف الى منطق السوق هو النتيجة المأسوية الأكثر خطورة التي أسفرت عنها مرحلة ما بعد الحداثة. عقل ما بعد الحداثة مفكر آخر من أوساط النخبة هو هستن سميث يتخطى مرحلة ما بعد الحداثة الى محاولة العثور على مغزى للوجود الإنساني في حضارة العولمة. الدراسة بعنوان: "أبعد من عقل ما بعد الحداثة: مكانة المعنى في حضارة العولمة" عن منشورات "كويست بوكس"، 2003. والمقصود بتسمية الكتاب هذه، على الأغلب، ان زمن ما بعد الحداثة ليس بديلاً ثقافياً من الحداثة ومشروعها الإنساني الكبير في فضاء الحضارة الغربية. ولا يتضمن هذا التصور ان مفهوم الحداثة هو الثابت، وأن مفهوم ما بعد الحداثة هو المتغير أو الزائل. كما لا يشتمل هذا التصور، بالضرورة، على أن الحداثة أكثر أهمية على المستوى الثقافي. أو أنها تمثل المشروع الإنساني الأمثل للغرب الصناعي بشقيه الأميركي والأوروبي. ولعله ينطوي كذلك على أن التصدع الإنساني الذي تشهده المجتمعات في الغرب في زمن ما بعد الحداثة مرده الى الحداثة عينها. هي التي أفضت إليه لأنها تشكل مقدمات موضوعية أدت إليه. تنكشف هذه الدراسة على منظومة من الآراء الحزينة إذا جاز التعبير وكأن العالم بأسره قد فقد ظله. فأصبح بلا ظل يبحث عن هويته الإنسانية الضائعة من دون جدوى. يعزو الكاتب إعادة تشكيل الحضارة في الغرب وفقاً لمرحلة ما بعد الحداثة، الى الفلسفة الأوروبية على وجه التحديد. ويعزف، في هذا السياق، على وتر التيارات الفكرية السياسية التي تروج لهذه المقولة. يأتي في مقدمها اليمين الجديد الذي يتخذ من الحداثة وما بعدها ذريعة فلسفية للادعاء بأن أوروبا باتت تحتاج فعلاً الى شخصية ثقافية مغايرة تتلاءم مع التحولات المستجدة في السياسة والاجتماع ومنطق السوق. ولعل هذا المفكر الذي وجد، على الأرجح، في مفاهيم ما بعد الحداثة غموضاً يستعصي فهمه على الفكر الأميركي الحديث، قد اهتدى الى مخرج مزعوم لينقذ نفسه من هذه المتاهة. يرى في دراسته ان ثمة حاجة ملحة للغاية للتوصل الى ميتافيزيقا جديدة تأخذ بيد الإنسان الحديث لتدله على الطريق الأخرى. وهو يعني بذلك المغادرة الفورية لمنطقة "الأدغال" الموحشة التي أرستها الحداثة الأوروبية. ويعتقد ان ذلك لن يتم إلا بإقدام الفرد على استكشاف طاقته الايمانية التي غيبتها الحداثة وما بعدها. ذريعته في ذلك، ان المعتقد الديني كان بمثابة واسطة العقد لاحتكاك الإنسان بالكون والغازه الكبرى والمبهمة. اليوم، وفي أعقاب فلسفة الحداثة وما بعدها، أصبح يخيّل الى الفرد ان الكون الذي يشكل الذاكرة الروحية للإنسان، بات عاجزاً عن الايحاء بأي معنى ذي قيمة. وفي هذا إشارة مبطنة، على الأغلب، الى الكيفية التي يجمع خلالها الفكر الأميركي بين الخرافة والحداثة. وفي هذا أيضاً دعوة يوجهها الكاتب الى اليمين الأوروبي الجديد للإقلاع عن أي محاولة للأخذ بمفاهيم ما بعد الحداثة لأن في هذا تضليلاً خطيراً لذاكرة الفرد وذاكرة المجتمع. تصورات جاهزة غالباً ما يلجأ إليها المفكرون الانغلوساكسونيون ليعفوا أنفسهم من مغبة الغوص في ما يفرضه زمن ما بعد الحداثة من فلسفة شائكة للارتقاء بالفكر الإنساني الى مسارب غير مستكشفة. هذا ما حاول ان يفعله نيتشه وهايدغر ومن بعدهما فلاسفة الحداثة وما بعدها. فكان ان جرى وصمهم من قبل النخبة الأميركية باليمين المتشدد الذي يسعى الى إلقاء الثقافة الغربية في الهاوية. موت الحقيقة مفكر آخر يرى في مرحلة ما بعد الحداثة عائقاً حقيقياً يحول دون ان يستعيد الفرد قدراته الغريزية على استخدام العقل كما ينبغي ان يكون عليه. الكاتب هو دنيس ماكالوم الذي سبق زملاء له في اعتبار مرحلة ما بعد الحداثة زمناً غامضاً لا يتلاءم مع ملكة الوضوح التي فطر عليها الفرد. الدراسة بعنوان "موت الحقيقة: ما الخطأ بالتعددية الثقافية، نبذ العقل والتنوع الجديد لمرحلة ما بعد الحداثة"، عن منشورات "بيثاني"، 1996. واضح منذ البداية ان الكاتب يعلن موت الحقيقة، وأن العقل أصبح منبوذاً في مرحلة ما بعد الحداثة. وهو يقصد بذلك الفكر الفلسفي في أوروبا على وجه التحديد، ويستهدف بهذا التصور، على نحو أكثر تحديداً، التيارات السياسية الاجتماعية التي تعتبر ان وحدانية الحقيقة في الزمن المعاصر ضرب مبتذل من الايديولوجيا المضللة. لا يرى المؤلف شيئاً من هذا القبيل في دراسته. يقفز الى النتيجة مباشرة. وكأن الحقيقة قد وجدت كاملة دفعة واحدة. ولهذا فهي معرضة لأن تموت دفعة واحدة. يحجم الكاتب عن الاعتراف بأن ما يسمى الحقيقة، في هذا السياق، هو شيء منها فقط على الأرجح. أو لا شيء على الاطلاق. لماذا؟ لأن الحقيقة دائمة التحول والتبدل والتغير وفقاَ للظروف الاجتماعية والسياسية والانسانية المتحولة. وهي فعلاً كذلك حتى ليبدو ان لا حقيقة البتة. ما يعتبر حقيقياً اليوم قد يصبح غداً أمراً منافياً للحقيقة. تقوم فلسفة ما بعد الحداثة على ان الحقيقة الوحيدة المتبقية في هذا العالم هي تلك التي لا وجود حقيقياً لها. لأنها سرعان ما تنقلب على نفسها. تتنكر لذاتها غير الحقيقية في الأساس. ان هذه الوتيرة المتسارعة التي تنتقل فيها الحقائق من حال إلى أخرى، هي تعبير عميق لدى فلاسفة ما بعد الحداثة، عن توق دفين في الذاكرة الانسانية لبلوغ الحقيقة. ولكن اي حقيقة يمكن الركون اليها في زمن ذي طبيعة عنيفة وقاسية ومضللة لا تعترف بالحقائق بقدر ما تطمئن الى منحاها المتحول. ينبغي على الحقيقة، في نظر هؤلاء، ان تموت سريعاً كما ولدت سريعاً حتى لا يخيل الى الفرد انه عثر على حقيقة لا وجود واقعياً لها في الأساس. ومع ذلك، لم تثبت الفلسفة الأميركية، في شكلها الرسمي على الاقل، أنها مهتمة فعلاً باعادة فهم الحقيقة من هذه الزاوية المتحولة. المفكر المذكور يعلن في عنوان دراسته موت الحقيقة بينما يميل فلاسفة ما بعد الحداثة الى الاعتقاد بأن الميت لا يحتاج الى ان يموت ثانية لتعلن وفاته. يجري الكاتب مقارنة ساذجة، على الأرجح، بين الحداثة وما بعد الحداثة والايمان. يرى، باسلوب الفكر الأميركي، ان ثمة تطابقاً بين الحداثة والإيمان باعتبار أن كلاً منهما يؤمن إيماناً قاطعاً بالحقيقة الموضوعية. على هذا الأساس، ليس ثمة تناقض يذكر بينهما. لذلك يمكن لهما أن يتعايشا بشكل سلمي من دون أن ينشأ بينهما قتال عنيف أو أن يلغي أحدهما الآخر. ثم يعمد إلى المقارنة عينها بين الايمان ومرحلة ما بعد الحداثة. ويستنتج انهما لا يتطابقان لا من قريب أو بعيد. دليله على ذلك ان الحقيقة، وفقاً لمفكري ما بعد الحداثة، هي شأن ذاتي لا علاقة له بما يسمى الموضوعية بأي شكل من الأشكال. واذا كان الأمر كذلك، فان اليمين الأوروبي الجديد يبحث عن حقيقة متوهمة في متاهة الفراغ. وبالتالي فهو يكلف نفسه عناء البحث عن فكرة يصعب ان تكون في أي مكان من هذا الكون. كما يستحيل وجودها في ذاكرة الفرد. والخلاصة بالنسبة الى هذا الكاتب، ان الفلسفة الأوروبية التي تسعى الى التكيف مع مرحلة ما بعد الحداثة، أصبحت عبئاً على حضارة الغرب الصناعي لأنها ماضية في دفع الثقافة الانسانية الى حيث لا شيء. لا هدف. لا مكان، الى الموت البطيء. الى افراغ ذاكرة الفرد من كل قيم الحداثة وإرثها الحضاري الكبير. ولعل الكاتب يحلو له ان يتناسى ان مشروع الحداثة عينها، هو الذي أسفر عن ظهور ما بعد الحداثة. استهلكت الحداثة على نحو مطرد. أخذت تنضب من الداخل قبل أوانها. أدت الى حربين عالميتين وسلسلة لم تنته بعد من الكوارث المدمرة. ألحقت أذى فادحاً بالبيئة العالمية. أحالت الفرد كائناً خائفاً مذعوراً من الانهيارت المالية المتعاقبة. جعلته أسير أوهامه مقيداً بالشروط المجحفة للنظام الرأسمالي المتوحش. ولعل العودة من جديد الى التوازن الروحي الذي يتحدث عنه المؤلف، لم يعد أمراً ميسوراً بالقدر الذي يدعو اليه. فقد خسر الفرد هذه الفرصة الروحية، اذا جاز التعبير، بعد أن أعيد تشكيل ذاكرته وهويته وأهدافه من قبل النظام السياسي ومؤسسات الاعلام بالغة النفوذ والهيمنة على الرأي العام، ناهيك بمؤسسات التربية والتعليم والمناهج الأكاديمية. طفل ما بعد الحداثة يأتي كتاب المفكر الكرواتي الكبير، توميسلاف سانيك، احدى أكثر الدراسات الأوروبية خطورة وأهمية في مجال الرد على مزاعم الفلاسفة الأميركيين والبريطانيين الجدد حيال اليمين الجديد في المجتمعات الأوروبية. عنوان الدراسة "الرجل الأميركي طفل عصر ما بعد الحداثة"، الصادرة عن منشورات "بوك سيرج"، 2007. ولعل هذا المفكر، بثقله الفلسفي الراجح وشهرته الأكاديمية الاستثنائية، الأكثر رهبة واستقطاباً للاحترام والإعجاب في الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا. وعلى الرغم من نظرياته المتشددة في الفكر الفلسفي السياسي الذي يتخذ ذريعة لترجيح كفة اليمين الجديد في معظم المجتمعات الأوروبية، الا انه يبدو مهاب الجانب في أوساط النخبة الأميركية، على نحو يفوق زملاءه في الوسط الفلسفي في أوروبا. لا يتنكر هذا الكاتب الفذ للتصورات الانغلوساكسونية حيال المنحى المتزمت الذي ينسب الى اليمين المذكور. ولا يرفص، في الوقت عينه، ما يتوافق عليه المفكرون الأميركيون ازاء تعرض المجتمعات الأوروبية الى الانهيار الثقافي. ولا يستنكر أيضاً محاولات هؤلاء للادعاء بأن الثقافة الأوروبية قد أصبحت عمياء بلا وجهة محددة. وهي تسير على غير هدى بانتظار ان تلقى حتفها في اللحظة المناسبة. لا يبدي اعتراضاً يذكر على هذه التصورات مجتمعة لأنه يرى فيها شيئاً كثيراً من الحقيقة الموضوعية. ومع ذلك، فهو لا يؤيدها من المنطلق نفسه الذي يتسلل منه زملاؤه الأميركيون وهم يحكمون على الفلسفة الأوروبية بالموت البطيء. ففي الوقت الذي تستخدم فيه النخبة الفكرية في الولايات المتحدة توجهات اليمين الجديد لتصفية حسابات سياسية مع الامبراطورية السابقة أوروبا، يتحرك هذا الفيلسوف الكرواتي في دائرة أخرى، ثم يلتف على المزاعم المذكورة في محاولة أكثر منهجية وصلابة فلسفية من مثيلتها الأميركية لاعادة الكرة الى مرمى اصحاب هذه الادعاءات الملتبسة. عادة ما يتهم هذا الفكر بأن تصوراته الفلسفية هي مزيج محير لنظريات كل من: ازوالد شبنغلر؛ كارل شميت وألان دوبونوا وسواهم ممن يذهبون مذهبهم. وقد عرف هؤلاء الثلاثة بسوداويتهم الثقافية ونظرتهم المتشائمة الى حضارة الغرب الصناعي، واعتقادهم العميق بأن الفرد في هذه المجتمعات قد بلغ نهاية الطريق. واستنفد ذخيرته الثقافية واستهلك البقية الباقية من ذاكرته الانسانية. ولم يعد أمامه الا ان يستنفد ذاته على وقع الافلاس الحضاري الخطير الذي حل أخيراً في المجتمعات الأوروبية. يتوافق توميسلاف سانيك مع هذه النظريات التي تبدو آراء أكثر منها قناعات فكرية ذات طبيعة موضوعية. ويعترف أيضاًَ في دراسته المذكورة بأن هذه العوارض التي تعبث خراباً في مرحلة ما بعد الحداثة في المجتمعات الأوروبية، يمكن ان تعزى الى فهم ناقص أو ضعيف أو متواضع للزمن الراهن الذي أخذت فيه الحداثة تخلي السبيل الى ما بعدها. وهو يرد بذلك على المفكرين الأميركيين الذي غالباً ما يلجأون الى توظيف هذه المزاعم الفلسفية للايحاء بأن الثقافة في أوروبا على وشك الانهيار. أو أنها انهارت فعلاً في المضمون ولم يبق منها الا الشكل المخادع. رعب فلسفي في الوقت الذي يتذرع فيه مفكرو السلطة في الولايات المتحدة بأن اليمين الجديد في أوروبا ينحدر بالمجتمع الى حالة من الغموض الثقافي المريب، يستخدم هذا المفكر الكرواتي الذرائع عينها ليزعم ان ثمة وعياً أوروبياً متنامياً بهوية انسانية مغايرة. وهو يرى، في هذا السياق، ان "الرعب" الفلسفي الذي ينتاب الفكر الأميركي الحديث جراء مرحلة ما بعد الحداثة، يكاد يكون هو عينه الذي يخيم على المجتمع الأميركي من الداخل، ولكن النخبة الفكرية هناك تأبى ان تتعامل معه بالعدائية نفسها التي تتعامل من خلالها مع الثقافة الأوروبية. يتقدم المؤلف خطوة الى الامام، نوعية بامتياز في وضع النقاط على الحروف. يناقش هذه المسالة على قاعدة تحليل مثير للدهشة والتأمل لما يعتبره الخرافات المؤسسة للثقافة الأميركية المعاصرة. يتناول هذه القضية من زاوية اجتماعية دينية منفتحة على قراءة حقيقية للواقع. مردها الى ان مرحلة ما بعد الحداثة في الولايات المتحدة انما تقوم على نمط مستهجن من الاعتقاد البروتستانتي المتزمت. يضاف اليه تقدم مذهل في مجال التكنولوجيا المعقدة، مشرع بالكامل على توسع اقتصادي لا يتوقف عند حدود معينة. يجري العمل بهذا الأخير تحت قناع توراتي مشبوه يضفي على الأميركيين احساساً أكثر التباساً بأنهم يتشاركون واليهود مهمة "مقدسة" هي ان كليهما شعب الله المختار. والنتيجة التي يتوصل اليها الكاتب الكرواتي المذكور، ان النخبة السياسية الحاكمة بفعل هذه الشرذمة وهذا الشرخ تبقى بمنأى عن الاهتزازات القوية المتوقعة في مرحلة ما بعد الحداثة. ويبدو ان الاستهداف السياسي والفكري لليمين الجديد يوحي، على الأغلب، ان ثمة رغبة جامحة لمصادرة الرؤية الفلسفية لهذا التيار الأوروبي وسواه، ومن ثم ضمه الى الحداثة المزعومة لأميركا. طبيعي ان تبادر "الامبراطورية" الى وضع يدها على فكر الآخر، كما وضعت يدها على ممتلكاته ومقدراته. هكذا كانت روما القديمة وسائر الامبراطوريات المتعاقبة. ومع ذلك، ليس طبيعياً ان تستسلم الثقافة الأوروبية لهذا الغزو المنظم إذا جاز التعبير. وإن بدا أن كفة الهجوم الأميركي راجحة في هذا التنافس على اعادة تشكيل الثقافة الإنسانية في الغرب وفي العالم. جهاد الترك almustaqbal

 
 
   
 
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=