http://kouttab-al-internet-almaghariba.page.tl/
  وطني صحراء كبرى
 


كتبها : مجموعة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة في الإثنين، 22 نوفمبر، 2010 |
0 التعليقات
 «وطني صحراء كبرى» لإبراهيم الكوني: الميلاد الثاني

ضحى الخطيب مارديني
تغويك نصوصه في كتابه «وطني صحراء كبرى» (المؤسسة العربية للدراسات والنشر) فتمضي معها لتعيش تجربة الصوفي والعالم والحكيم. وأنت خلال ذلك كله تائه مسترسل مع رؤى حياة كونية، لدى الكوني أبعاد مغايرة، تأنس بها النفس ويتلقاها الذهن بالترحاب. والمواضيع المطروحة كثيرة، ولكنك كقارئ تجد نفسك مأخوذاً ببعضها إلى حد كبير. المرآة، الخل، العلاقة مع الآخر. السياسة وغيرها مسجيات تأخذ مساراً آخر في استدراجاتها لدى الكوني. «فالاسم»، وكما يفلسفه الكوني، والذي يخلع على الوليد يوم الولادة هو اسم على سبيل الإعارة «.. في انتظار «اسم آخر حقيقي» سوف تسفر عنه التجربة الدنيوية..». و«التاريخ لا يعترف بالأسماء المعطاة على سبيل الإعارة، ولكنه يعتمد الأسماء التي اكتسبناها بتجربتنا العقلية، بتجربتنا الأخلاقية النابعة من حقيقتنا كإرادة، من حقيقتنا كحرية». وهذا يعني أن وظيفة الاسم الذي نناله على سبيل الإهداء «تنتهي ما أن تبدأ وظيفة الاسم الذي تهبه الذات»
وماذا عن الخل؟! فعلى الرغم من خرافة وجوده، حيث كان الخل بالنسبة للعرب أحد المستحيلات.. إلا أن البشرية أخفقت في قمع الظمأ إلى الخل، والى هذا فان نزوع المخلوق البشري إلى الالتئام بهذا النوع ليس استجابة للسجية فحسب.. «ولكنه ضرب من غزيرة خبيئة من النواة، شيفرة كامنة في الجينات».. الخل هو مثال يبحث الإنسان في غربته الروحية.. انه حاجة ميتافيزيقية.. مثله مثل الحاجة إلى وجود حياة أخرى وراء الحياة الدنيوية.. «اختلاف أسطورة الصديق إشباع للشهادة الروحية إلى الحقيقة». من هنا تبدأ مسيرة التي عن الخل والتي سماها الكوني «مسيرة الضلال ومسيرة الخطيئة الثامنة».. فصاحب الاغتراب مديد لا بد أن يروي حنينه لا بد أن يبحث عن الآخر الذي يبثه شجونه.. «.. لأنه لن يستطيع أن يضمن له حياراً، سيما بعد أن فقد بسبب غربته الروحية الثقة في المخلوقات الأرضية». وينتهي الكوني إلى نتيجة وهي أننا في عملية البحث عن الخل إنما نبحث عن «الأنا الثانية» التي لا ننالها بالخلوة الدنيوية بقدر ما ننالها بالخلوة الروحية، ولهذا فإن الصداقة أو الخل إنما يتخفى فينا لا في العالم.. وعلى ذلك فإن خلاصنا من خارجنا.. لكنه فينا «خلك نفسك» والوصية اللاتينية تقول: «لا تبحث عن شيء خارج نفسك».
اللغة
وأما المبدع والوحي وكما يفلسفها الكوني.. هما شيء واحد.. فالوحي الذي يدفع المبدع كي يبدع له وجود في باطن المبدع لا خارج وجدانه.. إذ أنه ليس للإلهام حيز فهو وهم.. «إن الإلهام الذي يتغنى أصحاب البهتان بوجوده.. هو عنقاء لا وجود لها في الواقع الذي يتغنون به، وحتى لو منت هذه القفار على المبدع بإطلالتها.. فان هذه الإطلالة سرعان ما تنقشع وتنقلب زوراً في زور»
وعلى ذلك فإن نواميس العملية الإبداعية لا يجب أن تخضع لأهواء الوحي بقدر ما يجب أن تخضع لقوانين الحقيقة.. «هذه الحقيقة تشحن مريدها بطلسم الروح الرسولية».. وإنما يخضع للإلهام هو الموهبة.. وأما الإبداع والعبقرية.. فهي تبدع وحيها من نفسها كما تبدع ربة الكون في ميثولوجيا الطوارق «تانيت» نفسها من نفسها لتبدع رسالتها.. وإبداع العالم أيضاً..» مستنهضة المارد الذي يتوارى بعيداً في باطنها.. «ولأنها أخيراً ليست شيئاً سوى هذا المارد نفسه».
وأمر آخر.. هل من الممكن أن يتكلم العالم بلغة واحدة.. هو كذلك لدى الكوني «اللغة أعجوبة أخرى».. اللغة لا تصير أعجوبة الأعاجيب إلا في يد سلطان اسمه المبدع.. المبدع المشبع باسمه روح التكوين.. أي من المشبع بثقافات العالم التي يحيلها في مستودع روحه. ففي يد هذا المبدع».. في يد هذا الساحر الخرافي تستقيل اللغات عن هوياتها كلغات لتصير لغة خارج كل اللغات، تصير لغة الروح التي ترفض البقاء حبيسة داخل حدود الرطانات. تصير لغة الحقيقة».. والنفوس كل النفوس تعيش في حالة ظمأ إلى سماع لغتها المفقودة هذه.. «لا يهم بعد ذلك بأي لسان نتكلم».. لأن كل الألسن سوف تسري في أوعيتها آنذاك لغة الميلاد الثاني.. «لغة الإنسان قبل أن تتفرق به السبل.. وقبل أن يتغرّب عن حقيقته الروحية في الزمان الذي كان فيه ما يزال يتكلم لغة الكون لا القوم».
وبالمقابل.. ما هي تلك الحقيقة التي تمثل ذلك الهاجس الملح في أعماقه.. «هاجس الحقيقة هو ما كان في علة العلل منذ فتحت عيني على فضاء الصحراء «ذاك الفضاء العاري اللامبالي والقاسي في لامبالاته وسكونه وفي تكتم على «يحتضن في النهار كوكباً لا يقل قسوة.. أما في الليالي فتومض تلك الرقعة العليا، اللانهائية في امتدادها في غموضها وصمتها.. في عزلتها الخالدة». وهكذا وجد الكوني نفسه مكبلاً بجنون البحث عن حقيقة هاتين المملكتين السرمديتين (العليا والسفلى) في التحامهما الخالد، وفي خصامهما الأبدي «واني بهذا الجنون إنما أحاول في الحقيقة أن أجد تأويلاً منطقياً للغز المتمثل في سر الوجود الملفق من بعدين متنافرين هما الروح والجسد». وسعياً وراء هذه الحقيقة كان لا بد لهم من رحلتين روحية وجسدية.. الـأمل والترحــال.. الهجرة إلى أبعد الأوطان.. «لأننا لا ننال أنفسنا إن لم نفقد أنفسنا»
المرأة
ولكن ماذا عن المرأة؟! السيرة الأولى تقول إن مخلوقاً حدّق في المرآة فرأى صورته فما كان منه إلا أن استكبر وتعشّق نفسه... «رسالة المرآة ليست في المرآة، ولكنها في وجدان الإنسان الذي يخفيه (أو ينفيه) في نفسه ليبحث عنه بعيداً عن نفسه... «والمرآة إنما هي وفي كل حال «اغتراب.. اغتراب عن الأصل وفرار وراء الصورة». والمرآة في النهاية إنما هي «تجربة تيه»...
وأما السياسة... فالسياسة ضرب من ضروب الجنون.. والسياسيون وعلى الرغم من علمهم بأنها إنما هي لعبة مميتة... فهم يحترفونها... بل ويفعلون ذلك برغم علمهم أنها لا تهب نفسها دون خيانة ضمير... ودون التحلي بالنذالة، ودون إراقة دماء.. «أي أنهم مجرمون عن سبق إصرار... ولا يدركون أنها سعلاة لا تترك عشاقها أمواتاً إلا بعد فوات الأوان» والى ذلك كله... «فإن أهل السياسة في غيبوبة ولا يفيقون من سباتهم إلا في اللحظة التي يفقدون فيها السلطة»
وتبقى هذه القراءة ناقصة إن لم تستأثر بتلك المعلمة الأولى التي علمت الكوني حروفه التأملية الأولى... الصحراء ووطنه الكبير... «ولهذا لا أستحي بأن أعترف بأني تأثرت بأم العالم الحاملة لحقيقة العالم المسماة في معاجم اللغات صحراء كبرى... فهذه الأم التي ننعتها بالقـاسية التي رمت أم الجسد في أحضانها منذ طفــولة المهد... لتــبدأ معي رحلة اليــقين».
ومفلسفاً ذلك يقول: «ولدت بالجسد من رحم الجسد، وشهدت ميلادي بالروح من رحم أمي الحقيقية: الصحراء الكبرى؛ هذا الفردوس المنسوج من خيوط العدم الذي لا يمل البعض من أن ينعته بأشنع النعوت... جهلاً بحقيقته التي تجعل من الصحراء رديفاً شرعياً للوجود الإنساني برمته».
وبعد آخر يأخذه معنى موت الأحبة لدى الكوني، وذلك في معرض حديثه عن الفقيد الصادق النيهوم.
«فإذا كان صديق واحد حقيقي في هذا العالم يعادل كل أمجاد هذا العالم... فلا شك في أن فقدان الأخلة من دنيانا لن يعود مجرد رحيل إنسان حميم، ولكنه يصير اغتراب من جنس مركب».. «لأن الخلّ الفقيد إنما يغتصب بالقوة شطراً من وجودنا يستقطع النصيب الأنقى من روحنا ليجعله غنيمة، أو ربما زاداً/ يستعين به في رحلة الأبدية..».
... وماذا بعد.. هناك الكثير مما يمكن أن يقال عن تجربة الكوني الكتابية ذات الأبعاد النائية والأغوار العميقة.. إلا أن ما هو الأكثر إلحاحاً.. هو أن الكوني الذي تتردد في نصوصه أصداء عبارات... مفردات مثل.. غربة.. تأمل.. روح.. ميلاد ثان.. صحـــراء... هــــذه وتلك تجعلك مع تماس مع معان وجدانية تشيع في روحك حـــالات تأملية.. لتصبح أكثر اقتراباً.. من نفسك وأقــــل اغــتراباً عنها.. ثم لتدنو أكثر لتصبح على أعتاب ميلادك الثاني...
ضحى الخطيب مارديني
عن السفير اللبناني

 

 
   
 
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=