http://kouttab-al-internet-almaghariba.page.tl/
  هل ينجح العلم
 

هل ينجح العلم في فكفكة الفلسفة؟
جهاد الترك


العلم ذلك الابن الضال لمرحلة الحداثة. ولعّله يزداد ضلالة بعد أن راح التاريخ الإنساني، في الألفية الثالثة، يتخفّف، قليلاً أو كثيراً، من أثقال الأيديولوجيا. بدا للوهلة الأولى، منذ منتصف القرن التاسع عشر، على وجه التقريب، أن ثمة تعايشاًَ سلمياً بين المعارف العلمية ومثيلتها الإنسانية. توافق صامت بين الطرفين على تقاسم الأسرار التي قيل إن الاستحواذ عليها مقدمة موضوعية لمصادرة الكون. والأرجح أنه سرعان ما تحول علاقة انتهازية، بالمعنى الإيجابي، بينهما على قاعدة أن كلاً منهما يحتاج إلى الآخر في الترويج لمقولاته المعقدة. ومع ذلك، لم يكن من شأن هذين المتسابقين إلى احتلال الذاكرة الإنسانية الحديثة، أن يلتزما بالعقد الصامت بينهما. بدا أن كلاً منهما يسعى إلى الإدعاء بأنه الأوفر حظاً لامتلاك الحقيقة في الزمن المعاصر. بدليل ان الفلسفة بالتحديد أخذت تزعم أن لديها شرعية مرجحة لتصبح هي علم المستقبل لتضفي بذلك على نظرياتها في التجريد الذهني ملامح حيوية من الواقعية المتشددة للعلم. بالمثل، وجد العلم فرصة ذهبية ليضفي على نظرياته الصعبة شيئاً كثيراً من انفتاح الفلسفة وسواها على الذاكرة الإنسانية الحديثة. وفي النتيجة أن كليهما استُخدم، بشكل أو بآخر، مطيّة جاهزة، إذا صح القول، لهذه الأيديولوجيا أو تلك وهي تتقدم رويداً رويداً لتجبر التاريخ على تقديم استقالته بقوة الإكراه. بدت الأيديولوجيا الاشتراكية، منذ قيام الاتحاد السوفياتي، الأكثر تحرشاً بالعلم لحمله على الانصياع لتوجهاتها الواقعية المزعومة. وجدت في العلم ضالتها المنشودة. سرعان ما استدرجته إلى كنفها ثم وضعته في الإقامة الجبرية. لم تشذّ الأيديولوجيا الرأسمالية عن هذا المنحى المبتذل. راحت تزعم أن للعلم الهالة الأكثر قداسة في إقامة مجتمع الرفاهية وتوطيد دعائم الاستقرار الديموقراطي والترويج للحريات الليبرالية. ومع ذلك، شبّ وحش العلم عن الطوق. دفعته غزيرة التوسع والقسوة والاستئثار بالمعرفة إلى أن يرهن قدراته الخرافية لأساطين المال والتجارة والأعمال. بدا الطرفان من قماشة واحدة، يستخدم كل منهما الآخر ليزداد استفحالاً وغطرسة في عصر الحداثة. أصبحا توأمين، على الأرجح، يتطلعان إلى قدر مشترك يضعانه على نحو من المشاركة في إعادة تشكيل العالم. والأخطر في إعادة تشكيل الهوية الإنسانية الحديثة في زمن منكشف بالكامل على المجهول. هل ثمة فلسفة للعالم اليوم في أعقاب التحولات المريبة التي طرأت على العالم بعد انهيار الأيديولوجيا الشيوعية، مطلع التسعينات الماضية، والترهل المروّع الذي أصاب مفاصل الرأسمالية بعد انقضاء العقد الأول من الألفية الثالثة؟ الأغلب، في هذا السياق، ان العلم بعد تفتت البناء الأيديولوجي المقفل على نفسه، بات يمتلك فضاء أوسع للتحرك بحرية هي من نسيج طبيعته الذاتية. ولعّله أصبح أكثر اقتناعاً بحاجته الماسة إلى إنقاذ نفسه من أسر المفاهيم الشمولية الصارمة. ولعّل العلماء كذلك، باتوا أكثر ميلاً إلى الاعتقاد، في مناخ من الانعتاق النسبي، بوجوب أن يتحول العلم أيديولوجيا فوق الأيديولوجيات جميعاً. وفي هذا عودة، على الأغلب، إلى نمط من التفكير يعتبر بالضروة ان العلم هو النهاية المتحولة للتاريخ. تشير الدراسات الأحدث، في هذا الإطار، إلى شيء كثير من هذا القبيل. يحجم أصحابها، وجلّهم من الأوزان الفكرية الثقيلة في الغربين الأوروبي والأميركي، عن أي محاولة من شأنها أن تغلّف العلم بأي نوع من الأيديولوجيا الجاهزة أو المرتقبة من أي فئة كانت. قد يخيّل إلى المهتمين بهذه القضية، على وجه التحديد، أن ثمة نزعة عميقة لدى هؤلاء إلى تجنيب العلم والعلماء المصير عينه الذي انتهت إليه الأيديولوجيا في سقوطها المدوي. غير ان في الأمر شيئاً آخر، على الأرجح، أكثر التباساً وغموضاً ودعوة إلى القلق. أن التبرؤ الواضح لفلاسفة العلم في الدراسات الواردة أدناه، مرده إلى افساح المجال أمام العلم ليكون معتقداته الجديدة بهدوء لا تشوبه شائبة. كلما تقدم خطوة في هذا الدرب الطويل، أصبح أكثر قدرة على استكمال مفاهيمه الفلسفية في هذا الإطار. لا فلسفة محددة للعلم تنطوي عليها هذه الدراسات بانتظار أن يتمكن هذا الأخير من فعل ذلك في السنوات المقبلة. أيديولوجيا للعلم مشرعة على ما لا يمكن توقعه في اللحظة الراهنة. ومع ذلك فهي مشرعة، في الوقت عينه، على تأهب للعلم ليقول كلمته الفاصلة في هذا السياق. في هذه الأثناء، توحي هذه الدراسات أن ثمة شهية للعلم منقطعة النظير للانتقال بأدواته التجريبية ومواده الصلبة ومكتشفاته التي لا يرقى إليها الشك أحياناً كثيرة، إلى سائر العلوم الإنسانية من دون استثناء يذكر. وكأن في هذا الزحف البطيء ما قد يؤدي إلى اختراقات مرتقبة للعلم إلى ما وراء الجدران العالية لسائر المعارف الإنسانية في أشكالها المتداولة. ولكنه قبل ذلك يبدو أنه مزمع على تفكيكها بالتدريج لإعادة تشكيلها بالتدريج أيضاً. تعتبر هذه الدراسات المنتقاة بعناية بالغة نموذجاً حقيقياً وواقعياً لمنظومة من المفاهيم الفلسفية الأكثر حداثة حول التقاطع بين العلم، من جهة، والفكر، من جهة أخرى. ولعّلها تشكل في حد ذاتها، منعطفاً ذا دلالة هامة على الكيفية التي تقارب الفلسفة من خلالها ما يلقيه العلم على الفكر الحديث من تحديات فائقة الخطورة. والأغلب ان هذه الدراسات التي أخذت تتصدر واجهات المكتبات في الغرب الصناعي بدءاً من العقد الأول للألفية الثالثة، تتميّز، عن سابقاتها التي صدرت في العقود الماضية. مرّد هذا الاختلاف إلى طبيعة الرهان على العلم وتطبيقاته التكنولوجية التي تفوق التوقعات قصيرة المدى. يضاف إلى ذلك، أن العلم الذي كان يراد به في الماضي القريب والبعيد إثبات قدرة الإنسان على الاستجابة لتحديات الطبيعة، لم يعد يقتنع اليوم بهذه المهمة الساذجة. استفاقت التكنولوجيا المتطورة، في العقدين المنصرمين على الأقل، على ما يعتبره العلماء إنجازاً نوعياً من شأنه أن يمنح العلم فرصة نادرة في أن يسلك طريقاً من الحرية الكاملة والاستقلالية الملحوظة. يتمثل ذلك في انتقال العلم من دائرة الاكتشاف والاختراع والتطبيق، إلى دائرة أخرى أكثر تشويقاً بالنسبة إليه. ولكن أكثر غموضاً ومدعاة للقلق والخوف والترقب بالنسبة إلى سائر الناس في كل مكان على الأرض. والمقصود بذلك، على الأرجح، انه بات بمقدور العلم أن يتدخل، بشكل أو بآخر، في الطبيعة المتوارثة لعدد غير محدود من الكائنات الحية كالنبات والحيوان وسواهما. ومع ذلك، فهو يضع نصب عينيه، إخضاع الإنسان للتجارب عينها رغم العوائق الأخلاقية والمحظورات الدينية. والأغلب أن العلماء بات بإمكانهم اليوم، نتيجة لذلك، أن يشقوا لأنفسهم طريقاً فلسفية خاصة بهم في قراءة الإنسان والعالم والكون على نحو من فضاءات فكرية مستجدة. المشهد الأخلاقي تشكل دراسة المفكر الأميركي الكبير، سام هاريس، خطوة نوعية متقدمة في هذا السياق المعقد. الإصدار بعنوان "المشهد الأخلاقي: كيف يحدّد العلم القيم الإنسانية" الصادر عن منشورات "فري برس"، 2010 . تنطوي هذه الدراسة، في مرتكزاتها الأساسية، على استدراج مثير للجدل للقيم الفكرية التي يزعم العلماء إنها باتت في عهدة الفلسفة المعاصرة. والمقصود بذلك، أنه يتعذر على أي نظرية فلسفية في الألفية الثالثة أن تتجاهل الأدوات التحليلية التي يوفرها العلم للمعارف الإنسانية برمتها. ومع ذلك، لا يتردد هذا المفكر في أن يتخطى هذه المفاهيم بأشكالها التقليدية. يرى، في هذا الإطار، أن المنحى الفلسفي للعلم يفترض بالضرورة المطلقة، مساءلة شاملة وقاطعة لما يعتبره إرثاً متعارفاً عليه للمعرفة الأخلاقية المتجذرة في لا وعي الإنسانية. وقد تحولت هذه إلى بقايا من الأيديولوجيا التي لا تحجب عن الذهن الطبيعة المتحولة لما يسمى حقائق موضوعية، بقدر ما تحول دون أن يتمكن الإنسان من فهم الوظيفة الأحدث للعلم في إعادة تشكيل العقل والمخيلة. يعتقد هذا المفكر أنه ما لم يتمكن العلم من فكفكة هذا الإرث الأيديولوجي المضلّل سيظل يفتقر إلى وضع نظرية فلسفية إنسانية حديثة من صنعه. وفي حال لم يتحقق هذا الاختراق، في المستقبل المنظور، سيخسر العلم هذه الفرصة الفريدة من نوعها. والأخطر من ذلك في نظره، أن ينكفئ العلم على نفسه. أن يصاب بالإحباط والبلادة الفلسفية. أن يفقد تطلعه إلى النفاذ داخل الفكر الفلسفي السائد. وأن يكتفي بالانشغال في الانتقال بإبداعاته التكنولوجية من مرحلة إلى أخرى أكثر إثارة للدهشة وأكثر اقتراباً من التحكم بمصير المجتمعات الإنسانية. يرسل الكاتب شيئاً منهذه الإشارات تعبيراً عمّا قد يؤول إليه العلم إذا بقي عاجزاً عن المشاركة الفاعلة في الحداثة الفلسفية والأخلاقية. العلم، الحقيقة، الديموقراطية في الوقت الذي يدعو فيه المفكر السابق إلى إدخال العلم في بنية النظريات الفلسفية المعاصرة، يقدم مفكر آخر على اعتبار العلم قيمة أخلاقية في حدّ ذاتها. وهو يناقش هذه الفرضية من زاوية مثيرة للتساؤل، تفيد بأن العلم ينبغي أن يكون معزولاً، بطبيعته القاسية، عن المؤثرات الاجتماعية من أي نوع كانت. ولعّل المنحى الأخلاقي الصارم الذي يتطرق إليه المؤلف، إنما يكمن في هذه الطبيعة القاسية على وجه التحديد. إن أخلاقية كهذه معنية بالدرجة الأولى بالانصياع الكامل لمسار يتطور على نحو مطرد لا يبدو أن ثمة نهاية وشيكة أو مرتقبة له، هو ما يرمي إليه المؤلف في هذه الدراسة. أن تحليلاً عميقاً للكيفية التي يعبّر بها العلم عن نفسه وطموحاته ورغبته في الكشف عن أسرار الإنسان والكون، وفقاً لهذا المفكر، أمر قد يعيد هذه القضية إلى نقطة الصفر. يستدل الكاتب على ذلك، بأن هذه الأخلاقية التي يختص بها العلم وحده، ضعيفة الصلة على الأغلب. بالأسس المعرفية والأخلاقية المتداولة. وقد يبدو نتيجة لذلك، أن أي فلسفة أخلاقية للعلم ستتخذ طابعاً براغماتياً متغيراً يميل إلى التبدّل والتحوّل الدائمين كما هو العلم في طبيعته المتحولة. الدراسة المذكورة بعنوان "العلم، الحقيقة والديموقراطية... دراسات في فلسفة العلم"، صادرة عن منشورات "جامعة أوكسفورد"، 2003. والتصور الذي يخلص إليه صاحب هذا الإصدار الهام، وهو الفيلسوف المشهور، فيليب كيتشر، أنه لا ينبغي أن نطمح إلى فلسفة خالصة للعلم قائمة بذاتها. وهو يعزو ذلك إلى أن المكتشفات التي لم ينقطع العلم عن التوصل إليها ذات طبيعة قهرية لا تقبل المساومة. ولا تفسح مجالاً، في الوقت عينه، أمام الطعن بها لأنها ذات طبيعة صلبة يصعب اختزالها أو التلاعب بها أو إعادة صوغها وفقاً لشروط من خارجها. ماذا يعرف العلم؟ مفكر مرموق آخر هو جايمس فرانكلين يقترب من هذه المسألة من زوايا أخرى أكثر إثارة للتساؤلات. وأكثر انسجاماً مع النسيج الصارم الذي يتكون منه العلم. الدراسة بعنوان "ماذا يعرف العلم: وكيف يعرفه" صادرة عن منشورات "انكاونتر بوكس" ، 2009. يتوسع المؤلف، في هذا الإطار، طارحاً أبعاداً جديدة لما يمكن أن يشكل فلسفة محتملة للعلم في الألفية الثالثة. يرى، في سياق من التساؤلات الصعبة، أن العلم لا يتناول بالضرورة الأمور اليقينية. وبالتالي، ليس كل ما يصدر عنه حقائق دامغة لا مجال للشك في مشروعيتها. وهو بذلك يضع العلم في دائرة المعارف التي لا ترقى بالضرورة إلى منزلة الحقائق الثابتة. غير أنه لا ينفي أن للعلم قدرات خارقة تفوق مثيلاتها في معارف أخرى، على استشراف الظواهر الغامضة في العالم والكون. وليس مستغرباً، على الأرجح، أن يدرج في خانة هذه الظواهر ما يعتبر فلسفة اخلاقية تستمد مرتكزاتها، بشكل أو بآخر، من أيديولوجيات أو خرافات غيبية. ان اهم فلسفة للعلم، في رأي هذا المفكر، إنما تعزى إلى الوظيفة الأكثر خطورة وأهمية، وهي مثابرة العلماء على نقل المعرفة إلى الأجيال، واحداً بعد الآخر. لا يتشبث هذا الفيلسوف بالتصور الذي يجزم بأن ثمة فلسفة مؤكدة للعلم يصعب التملص منها. بدلاً من ذلك، نستشرف من دراسته أن الفلسفة الحقيقية للعلم هي أن لا فلسفة له. وينبغي إلا تكون له فلسفة خاصة به ليبقى قادراً على التحرك خارج نطاق الأيديولوجيا. ومع ذلك يحجم هذا المفكر عن الاقتراب من تلك المناطق التي عادة ما تثير الذعر لدى الأكثرية الساحقة من زملائه في الغرب الصناعي. يتحاشى إثارة توقعات أو تصورات من النوع الذي يوحي أو يشير إلى احتمال أن يصبح العلم منحى أيديولوجياً في حد ذاته. بمعنى أن يزعم العلماء كما فعلوا من قبل، أنهم وحدهم يستحقون الإدعاء بأنهم يمتلكون الحقيقة. أو على الأقل يستحوذون على القابلية التي تمكنهم من التوصل إلى امتلاك الحقيقة أو جزءاً يسيراً منها. ولو حصل ذلك، وليس بالأمر المستبعد لانقلبت فلسفة العلم إلى نظرية سلطوية في ممارسة السلطة السياسية. يكتفي هذا المفكر بالتلميح إلى احتمال أن يبقى العلم يتيماً من دون فلسفة محددة تروّج له في مجال العلوم الإنسانية على نطاق واسع. منطق الاكتشاف العلمي يعتبر المفكر كارل بوبر الفيلسوف الأكثر جرأة على مقاربة العلم في أبعاده الاجتماعية والسياسية. ولا تزال الدراسة التي وضعها في العام 2002، تشكل تحدياً ملحوظاً، لعله استثنائي بكل المقاييس، للعلم والفلسفة على حد سواء. الكتاب بعنوان "منطق الاكتشاف العلمي" صادر عن منشورات "روتليدج". يناقش فيه المؤلف مسائل من ذلك النمط الذي يتعذر تقبله من قبل العلماء والفلاسفة. وتدور بمجملها حول التنكر لأي فلسفة محتملة للعلم في ما يعتبره المفكر عصر ما بعد الحداثة. يبرر ذلك بالاعتقاد أن النظريات العلمية أن النظريات العلمية لا تختلف بشيء عن التخمينات والإرهاصات والمقولات التي تندرج بها العلوم الإنسانية الأخرى من أجل أن توجد مكانة لها في دائرة الثقافة والفكر في الألفية الثالثة. ويعتبر، في خطوة أبعد، أن الفرضيات التي يصوغها العلماء، من دون توقف، يمكن الاستغناء عنها في أي لحظة من دون أن يكون ثمة أسف عليها. ومع ذلك، يرى أن التساؤلات العلمية والاستقصاء العائد إليها، يمكن اثبات جدواها أو زيفها من خلال اخضاعها للاختبار والملاحظة والتدقيق. غير أن النظريات التي يستخلصها العلماء من هذه التجارب لا يمكن الوثوق بها. كما يتعذر اثباتها بالمطلق. وقد لا ترقى، في الأساس، إلى مرتبة النظرية لأنها عرضة للتغير وفقاً لتبدل المعطيات التي تقوم عليها. انطلاقاً من هذه الخلفية التي تطرح علامات استفهام كبرى حول النظريات الفلسفية للعلم، يبدو هذا المفكر اكثر ميلاً إلى تجنيب العلم مغبة التورط في المفاهيم الفلسفية. ولربما يوحي بذلك أن أي توجه من هذا القبيل من شأنه أن يسقط على العلم أنماطاً من الفلسفة لا تتلاءم مع طبيعته الداخلية. يؤخذ عادة على هذا المفكر رغبة دفينة لديه من أن يترك العلم ليصنع مساره وحيداً بمنأى عن أي تدخل من أي نوع كان. وقد يستشف من هذا التصوّر أن الامتناع عن تقييد العلم بأي قيد فكري أو فلسفي، قد يجعله علماً فوق سائر العلوم. فلسفة مستقلة بذاتها فوق سائر الفلسفات. فكراً يشق طريقه إلى نفسه ومن نفسه من دون أن يقيم اعتباراً يذكر لمكونات الفضاء الفكري الاجتماعي المحيط به. يعتقد عدد من المفكرين والنقاد أن الفلسفة العلمية التي يدعو إليها هذا المفكر قد تؤدي، في نهاية المطاف، إلى نمط مخيف من فاشية قد يلجأ إليها العلم، بالغريزة، من أجل أن يفرض مفاهيمه بقوة القهر. خشية ملحوظة لا يبدو أن العلم يحتاج فعلاً إلى أن يندرج في إطار من نظرية فلسفية طالما أن الخلاصات والاستنتاجات التي يتوصل إليها، تشكل في حدّ ذاتها نظرية يمكن أن تتوسع في اتجاه تطبيقات في السياسة والاجتماع والفكر. ولعّل الفلسفة، بحكم طبيعتها الشاملة ومنطقها في استيعاب كل الأشياء تمهيداً لضمّها إلى منظوماتها الفكرية، هي التي تتوق إلى مقاربة كهذه. يظهر هذا بوضوح، على الأغلب، في الدراسات آنفة الذكر. وخصوصاً في الكيفية التي يقرأ من خلالها العلم العالم والإنسان والكون والعلاقة بين هذه الأطراف الثلاثة. العلم لا يخشى النظرية الفلسفية إلاّ بالقدر الذي تقدم فيه هذه الأخيرة على رسم خارطة طريق له لا تتآلف مع منهجه في الكشف الدائم عن أسرار الكون والإنسان. بينما تبدي الفلسفة خشية ملحوظة من احتمال أن يتملص العلم من قبضتها فيروح يغرّد خارج سربها. ساهمت مرحلة ما بعد الحداثة في إشغال حرائق الشك المتبادل بين هذه وذاك. وراح فلاسفة هذه النقلة النوعية من الحداثة إلى ما بعدها يضعون العلم في قائمة ما يعتبرونه عرضة ضرورية للريب وإعادة نظر جذرية في بنيته الأخلاقية وقاعدته الفكرية. أخضع هؤلاء الفلاسفة الجدد، إذا جاز القول، كل إرث الحداثة لأدوات الشك والطعن المتمادي في صدقيته باعتبار إنه استبعد من دائرة النقد والانتقاد والتشريح العميق. وأصبح بناء على ذلك فوق الشبهات يستحوذ على هالة من القدسية المتوارثة. بينما لم يعد قادراً على الصمود في وجه التحولات العلمية والفلسفية المتسارعة. يرى هؤلاء الفلاسفة أن مساءلة العلم عن الأرضية التي يقوم عليها، جزء لا يتجزأ من الطبيعة العلمية ذاتها التي تستخدم الشك وصولاً إلى اليقين. ويرى فلاسفة آخرون لا يقرّون بتوجهات ما بعد الحداثة، أن الشك في كل شيء من دون استثناء أمر من شأنه أن يجعل الثقافة في الغرب الصناعي مشهداً مفتوحاً بالمطلق على سيناريوهات جهنمية قد تلقي بالحضارة الإنسانية في هاوية الجحيم. وبين هؤلاء وأولئك، يقف العلم والعلماء على الحياد، وهم يضحكون في سرهم على الأثنين معاً. فلا فلاسفة الحداثة قادرون على صوغ نظرية فكرية متكاملة للاستيلاء، على الإرث العلمي في أشكالها المستجدة. ولا فلاسفة ما بعد الحداثة قادرون أيضاً على استمالة العلم إلى أفكارهم المتشككة. ماذا يبقى من هذه المعادلة الغامضة والمحيّرة؟ العلم على الأرجح يسعى إلى أن ينأى بنفسه عن هذا الصراع المتفاقم بين خصمين شرسين للغاية لا يتنازل أحدهما للآخر بسهولة. تشير الدراسات الواردة في هذا السياق، إلى شيء كثير من هذا التناقض الذي لا يبدو انه سينتهي إلى تسوية ترضي غرور الطرفين. والأغلب ان أصحاب هذه الدراسات يميلون إلى أن تبقى الحال على ما هي عليه انتصاراً للعلم رغم الفضاء الشاسع من الغموض الذي ينتظر البشرية جراء التقدم المذهل للعلم والتراجع المؤسف للنظريات الفلسفية المواكبة. والنتيجة المتوقعة، في هذه المعادلة، ان العلم يتقدم بأطراد غير عابئ بالضجيج الفكري الصاخب من حوله. وأن الفلسفة تتخلف بأطراد أيضاً بعد أن باتت عاجزة عن تطوير أدواتها المعرفية أسوة بالعلم. ماذا بعد؟ تلمح الدراسات المشار إليها إلى أن العلم أصبح بمقدوره اليوم أن يمارس نوعاً من القفز العالي مثيراً للدهشة فوق فلسفة الحداثة والتنظيرات المعقدة لما بعد الحداثة. يستفيد من حالة الركود التي تخيّم على الاثنتين، في الوقت الذي لا تجد فيه هاتان هامشاً واسعاً ومرناً للحصول على الإفادة عينها. لا تبذل هذه الدراسات جهداً فكرياً يُذكر لإلباس العلم ثياباً نظرية قد لا تكون على مقاسه. لا تزعم أن لديها سيناريو محدداً في هذا المجال. والأرجح انها تبتعد عن هذه المحاولة وهي مذهولة، بشكل أو بآخر، بالتطور غير المتوقع الذي تمكن العلم من إنجازه في العقد الأول من الألفية الثالثة. قد يُستشف من هذا الموقف نمط من الإرباك الفكري حيال ما قد يشهده العلم من تطورات مماثلة تفوق التصور في الآونة المقبلة. وقد يستشف أيضاً ان نظرية كهذه ستغدو أمراً مفتعلاً لأنها ستبدو غير ذو جدوى إذا ما أقدم العلم على تغيير شروط اللعبة ن خلال نجاحه في العثور على مكتشفات جديدة بتطبيقات تكنولوجية جديدة. لا فلسفة محددة للعلم والتكنولوجيا في هذا الإطار المتأرجح بين أطراف الفلسفة والفكر في الغرب الصناعي وفي الشرق المتخلف أيضاً. محاولات أولية فقط لعقلنة العلم في مساره المتصاعد. غالباً ما تبوء بالفشل. ونادراً ما تتمكن من وضع اليد على الحقائق. ولكن أي حقيقة في عصر ما بعد الحداثة. لا يبدو ان ثمة شيئاً من ذلك.

 
 
   
 
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=