http://kouttab-al-internet-almaghariba.page.tl/
  المقامة المهرجانية
 
المقامة المهرجانية




حميد تشيش


للقارئ اللبيب وللمهتمين بفنون العرض بكلامي هذا أتوجه يا إخوان، مخبرا إياهم وكما يعلمون أن فنون الفرجــة عديدة منذ غابــر الأزمان ، في بعض الساحات والأسواق المعلومة كان لها موعــــــد وميعاد،بمناسبات أو بدونها يلتئم حولها الأطفال والشباب وكل العبــاد، أبطالها ورموزهــا أضحوا ببديع أقوالهـم وأفعالهـم في أمهــات الكتب خالدين ، كجحا وأشعب وأبو دلامــة وقراقــوش ومن سبقهم وتلاهــم أجمعين، ولما كنت بإبداعاتهم وجميل قولهم ومقالبهم مفتتنا، وسمو أخلاقهم ولطف معشرهم ولصداقاتهم مطمئنا وآمنا، حصل أن وطدت مع العديد منهم صداقات وصلات، بهم أستمتع لما أكون مكدر البــال أو صافي الذهن، أستمع لهذا وأتابع ذاك حتى وإن صعد البصرة أو انحدر إلى عدن، إلى أن حصلت المحبــة والألفة بيننا، وبصدق ونبل أخلاق طورنا صداقاتنا. ولما كنت دائما وفي عديد مناسبات ضيفهم، اقترحت على بعضهم مشاركتنا بعض فرجاتنا في زمننا فاعتذروا كلهم، لتخوفهم من السفر إلى زمن غير زمانهم، كله عجائب وغرائب كما يقولون، وتبدل أحوال الناس والعباد في العيش والفرجة كما يزعمون، زمـن قد لا يقوى فيه عاقل على الحفاظ على لبه و إدراكه بالحلول فيه، لأنه يماثل السفر إلى جزيرة الواقواق آنذاك أو يزيد عليه، نشرت إعلاني بين دفات كتب ومواطن هؤلاء، وهو إعلان عن موعد مهرجان مسرح بمدينة فاس التي يعزها أولئك الفضــلاء. كل ليلـة أفتح الكتب مترقبـا الردود على دعوتــي، لكني أعود خائبـا خافضـا هامتي، إلى أن حلت إحدى ليالي آخر أبريل، وموعد الفرجة لا يفصلنا عنه من الأيام إلا القليل، وأنا أفتح كتاب ابن الجوزي وأقلب صفحاتـه،وعنوانـه بالمناسبــة أخبار الحمقى والمغفلين الذي كثيـرا ما استطبت نوادره وطرائفه، إذ ببصري يشخص على إحدى الصفحات، تسارعت أنفاسي ودقات قلبي زادت، أخيرا لبيت دعوتي لنفسي قلت، استاحالت فرحتي إلى ندم وحسرة، لمعرفتي المسبقة بمن لبى الدعوة، هو مجنون فاقد عقـل ذاك الزمـان، ومن غيره يغامر بفقدان عقله في سفر إلى هذا الأوان، هبنقة إسمـه وبلاد قدمـاء العـرب موطنـه وزمانه، هو في أبهى حلـة استعدادا للرحيـل، أثوابه مزركشة تبـدوعلى بعد ميل، وقلنسوته مزينة بريشة ذيل طاووس جميل، في أعلى الإعلان هو يربض، على كلمـــــة المسرح جسده يمدد، وظهـره على اللام يسند، إحدى رجليه بين الحاء والراء نازلة، والأخرى على الحاء وإلى الأمام مائلة، صرة أمتعته على الألف معلقـة وأمامي ماثلــة، بابتسامــة ماكــرة هو الآن إلي ينظر، مخاطبا إياي هيا فلنرحل ماذا تنتظر، إليه مرحى وأهلا يا هبنقة قلت، ولكن بشروط عليك قبولها أردفت، كلي آذان صاغيـة لسماع شروطك قال، وأعدك باحترامهـا من الصبـاح إلى الليـل وحتى بعد الــــزوال، شروطي له عددتها ورتبتها أولا بأول، وعلى رأسها الامتثال لتوجيهاتي ونصائحي في قاعة العــروض وأثناء التجول، من زمنه ووطنه إلى زمني ووطني استقدمته ، وفي منزلي كان مقامنا وبذلك أقنعته،بعد الراحة والاستراحة في اليوم الموالي، كانت المناسبــة لجولة في المدينــة وزيارة الأهالـي، بعدها كانت للتعرف على تاريــخ المســرح وتاريــخ ظهوره عند العرب جلســة، ولتاريخ المسرح ومشاهـدة بعض العــروض المصــورة حصة، حتى يحصل له بهذا الفــن الغريـب عنه الاستئناس، ويتمكن من متابعـة العروض دون أدنى باس. قبل انطلاق موعد الاحتفال بيوم واحد، اصطحبته إلى مقهى الناعورة ليكون لهذه الأخيرة يشاهد، بعد ارتشاف من كأس القهـوة رشفـات، قال لك أنا مستمع فأكمل حديثك ولجديد مسرحكم هات، أجبت عن أحوال المسرح والمسرحيين كلنا الآن آسفون ، لتبدل في الأخلاق والسلوك وما آل إليه الإبــــداع متأسفون، فعندما تمرض نفس الفنــان يا هبنقة وتتضخم أناتها، ينتفخ الجسـد بوهم التعالي والاستعلاء، والتميـــز والاستفراد، فتخال قامتها إلى الأعلى مديدة، وعلى أديم الأرض تمشي مشية الخيلاء، لوجوه تصـــادف تفحص بجلاء، وكأنها لهم سائلة ألا تعرفونني أيها البلداء، أنا الفنان القادر وعلى كل شـيء مقتدر، وفوق العديد من خشبات العرض دائما منتصر، لي دائما في العديد من الملتقيات والمهرجانات، معلومـــة هي صولات وجولات.والويل كل الويل لمن إليه بالبنان أشار، أو فضح حقيقتـه بعد فحــص وتشريح من لجنــة ذات علم واقتدار، في مناسبة تكون فيها احتفال ، بأبي الفنون الذي دائما هو في البال، به معتزين كنا ولازلنا، لأفضاله الكثيرة علينا، من معارف وفنون من شتى الألــوان، وأخــلاق بقيم راقية على مر الأزمــان. فبالأمس القريب كان على الركح الصراع، حول أفكار جريئة بحجة الإقناع والاقتناع، لهموم الإنسـان وقضاياه كانت دائما منتصرة ومناصـرة، بعمق فلسفـي وأفق سياسـي، دون المبالاة بالتضييق أو أي حكم قاسي، لرفع حيف أو ظلم منه الفرد أو الجماعة تقاسي ،إيمانا بقيمــة ونبل الرسالــة، دون إضفــاء على النفس هالـة، فعن المعلومة كان الجري واللهث ، وفي الكتب والمجلات يتم البحث، في ميادين الفكر والفن والسياسة والفنون ، لتقديم فرجة أسها علم ومعرفة والانتشاء بها مضمون، بذوق فني وعمق تخييل ، وللجمهور كان دائما الاحترام والتبجيل،باستلهام أشخاص وأحـــداث من التــراث الإسلامي والإنساني، وتوظيفها بفنية للتدليل على كل حدث آني،وبالعلامات المسرحية والرمـوز كان المستعان، سواء عند الكتابة أو الإخــراج أو تأثيث المكــان، والممثل فوق الخشبــة كان محــور هذه الأمــور، فقد تغيب كلها أو بعضها وهو دائم الحضور، إذ بدونه لن تتحقق الفرجة والحبـور، ويصل الأثر والتأثير إلى عقل ووجدان الجمهـــور، فجسده آلــة عليها يعزف لنقل الخطـاب، لكل من حضر القاعة متأسفا على من غاب، والسينوغرافيا بعناصرها كلها، من تأثيث وإنـارة وملابـس وغيرها، في العرض استعملت كلغة درامية،إلى جانب الممثل والكلمة والإخــراج سويـة، فبمعيتهم لفضـاء اللعب تحدد، ولبعض الأفكار تشرح ولأخرى تؤكد، بها كان يستعان لتفكيك شفـرات بعض الخطابـات، في النص هي رابضة كرموز وعلامات،ومن تم فهي للعرض تغري وتثري، برسوم وألوان للعين بالنظــر تغري،تكون للعرض كأفكار إضافية،بجمالية وفنية عالية،في انسجام وتناغم تام، مع باقي مكونـــات العرض يا سلام. ولضبط مكونــات العرض أجمعها ، حتى تحصل المتعة الفكرية والفنية في أتمها، كان لابد من مخرج مثقف فنان، هو بشتى الفنون ملم منذ غابر الأزمـان، من موسيقى وتشكيل ورقص على عزف عود أو كمان، وبشتى العلوم الإنسانيــة محيط بأمانة واطمئنان، كفلسفـة الفـن وعلـم الجمــال، لدورهما في شحذ العقـل وتطويـر الخيـال، ومعرفـة بقوانيـن التطــور الاجتماعي عليه واجب، وفي ميكانزمات الصراعات الإنسانية دائما كان راغبا،لبلورة نظرته وأسلوبه في الحياة، بأسلوب فنــي وجمالي يتطور حتى المماة، لنقل الواقع والحياة على الخشبة بفنية وجمالية، وليس التعامل معهـــا بطريقة ميكانيكية. كان هذا في قريب الأزمان،تؤطره الهواية التي كان لها مهرجان، تتنافس خلاله العــروض من شتى الأطياف والألوان،اجتهد بعض مبدعيها فأنتجوا اتجاهات مسرحية،ذات تصورات بأبعاد فكرية وجمالية،على التراث الإنساني اعتمدت وارتكزت،ومن نظريات غربية غرفت واستفـــادت، فانطلق العنان للتجريب والتغريب،فبقاعات السينما كان للعروض ميعاد وموعد، بشراء تذكرة كان عليها الجمهـور متعودا،أما المعاهـد العليا يا هبنقة والجامعات، كانت للفـرق الهادفة فيها صـولات وجولات، لاتختار لأنشطتها غيرها، فهي دائما حاضرة في برمجتها، لمعرفتها المسبقة بالتزامهــا، فبعد العرض تبسط موائد النقاش والجدال، لتعميق الإدراك وتقويم أي اعتلال، باعتمـاد الصراحــة والمصارحة، بدون مجاملة وبكل فصاحة،لساعات مديدة طوال،فائدتها تبقى راسخـة دائما في البال، بسعة صدر يتم تلقي الملاحظات ويتم لها القبول،لســداد آراء أصحابهـــا أمـلا في تخطي المجهول، إيمانا ودفاعا عن حق الخلاف والاختــلاف، وممارسته في إخاء وود وائتلاف، فعلى التكوين الذاتي كان للأعضاء الحرص والتعويل،لتطوير الممارسة والتجربة بكل مسؤوليـــة دون تهويل، ممارســـة كانت لكل الأشياء مدركة وواعية، مؤطرة بأخلاق عالية وراقية. وبعد أن كانت هذه التجربة لبعض المسؤولين مقلقـة ومحرجة، فلها كانوا بالمرصاد وعــــن طاعتهم هي كانت خارجـة، فنشطت الدسائس وبثت الأحقـاد، ليتحمـل النتائج الأولاد والأحفاد، فكـان أن أجهز على تلك التجربة الغنية والثرية، التي كانت وما زالت لتاريخ المسرح المغربي مزية، بهــا يفتخر في كل محفل او ميعاد، بحنين وأسف على ضياعها تستعاد. قالوا للمسرح في البلاد لنا خطة ومنهجيـة, قوامها الدعم والنقابة والبطاقة الفنيـــة, والجــــدة والجودة والمهنية،على أساسها سيتم الاغتـراف من الطنجيـة, بعنـوان عريـض بحبر جـاف, اقرؤوه يا ناس هو الاحتراف, فتم حوله الالتفاف وبقربه الاصطفاف, للنيل من بركاتـــه فحذار يا إخــوة مـن الابتذال والإسفــاف. تحذيرات ونصائــح صمت الآذان لها , فعلى الطنجيــة شخصت الأعين وكـــان الترحال صوبها, ونحن لا ننكر أهميتها في التغذية ومراحل إنتاج العمل كلها, هـوحج في كل موســـم وموعد قار, يأتيه الحجيج من كل البقاع والأقطار, فانطلقت مواسم الحج وتتالت, ومعه انحدرت قيمة جل العروض المسرحية وتراجعت, لاختلالات في سياسة الدعــم طالت, فبحضور المال بين الأفـراد والجماعات, كانت الصراعات البينية للأفراد علامات, فانشطروا وتفرقوا, وبعضهم استمر وآخـرون توافقوا, فبأعناقهم شدت خناقات, لالتزامــــات أحدثت وجبت عليها اتفاقــات, للوفـــاء بكل العقـــــود والواجبات, منها عشرة عروض للإنتاج وللترويج بضعة, في جولة تجوب مدن وقـــرى في مجالات رحبة, فتم بذلك عن الإبداع صرف النظر, إلا من فرق قليلة دائما هو في بالها حضر, فبسرعـــــــــة قياسية أصبحت العـروض تنجــز بعد أن كان في السابق زمن طويل لها يحجز، والفن والجمال أصبح لبعضهم بدعة, ابتعدوا عنه كثيرا دون رجعة، والتأليف المسرحــي أضحى خدعـــة, تكالبت عليه الأطماع بالإعداد بكامل سرعة, دون إلمام بقواعده واستحضارها, للظفر بغنيمة مستحقاته وثمنها, في تهميش وتحقير للتأليف الأصيل, وحتى وإن تم فجله يشكو من جسم عليل, تزيده تصرفات بعض المخرجين علة وشكوى, بحذف كل فكرة غامضةهي في نظرهم بلوى, لضحالة فكر وضعف مخيلة, عند بعضهم في عروضهم ماثلة, فبشطبهم أفكارا نيرة وتعويضها بأخرى في نظرهم خيـــــــرة, يمارسون ذبحا مستباحا لأفكار أصحابها, سلخوا ليالي وأياما لبلورتها, باستحضار قواعد الكتابة والإبداع, واستلهام أفكار من كل الأزمان والبقـــاع, فبأفكـــار مبتذلة عنها استعاضوا, وبإيحاءات جنسيــة وعري عوضوا, لاستدرار عطف الجمهور وإضحاكه, وهم بذلك لا يكرسون إلا إفســـاد ذوقه, محتقرين بذلك ذكاءه, فتعددت المهرجانات والملتقيات, الوطنية والدولية في كل ميقات, صمد منها الآن إثنان همــــــا مراكش وفاس يا بني إنسان, دون أن يكون لمهرجان مكناس نسيان. فيا هبنقة ها أنت بأحضان مهرجان فاس الاحترافي السابع, لعروضه المسرحية أنت تتابـــع, اختاروا أن يكون دوليا من بضع دورات, أملا في تلاقح التجارب واكتساب الخبرات . هبنقة إلي كان ملازما ودائما متسائلا, عن غموض وتشويش يصبح على إثره العرض مائلا, إلى المنحدر والقاع مصيره آيل , لعسر فهمه وصعوبة إدراكه, أو لتشويه خطابه المسرحي وشكلـــــه, فبذلك يحصل التضليل بدل التهليل, والتنفير للجمهور بدل الاحتــرام والتبجيل, بصعوبـــة ومجهــــود ومشقة, أقنعت ضيفي هبنقة, بمواكبة كل العروض والفرجات, واعدا بأنه سيحصل على ظالتـــــه في قريب الأوقات, أمنيته تحققت في بعض العروض كما وعدت, لكن سرعان ما خاب ظنه في عروض تلت, إلي نظر مقطبا حاجبيه,واضعا يديه كلتيهما في طي حزامه, توجه لي بنبرة صارمة, فــــــاس محبتها في قلبي دائما قائمة, بيد أن عروضها ألوانها قاتمة, حيث غالبا ما تخسر النزال, في مجمـــــع تحضره عروض تبقى دائما في البال, فهل من تفسير لذلك أو تعليل, لوضع اليــد على الجــرح وعلى البراء منه يتم التعويل, من ساعده مسكته واصطحبته, إلى زاوية في المقهى أقعدته, قبالته على مقعـد واجهته, عينيه في محجريهما تتحركان, لماعتان وعلى وجهي أضحتا شاخصتين, أسماعه إلي مسيخة, آمرة إياي بالنطق بلغة واضحة وفصيحة, إليه قلت هاك بعض الجـــواب, وانشره بين من حضـــر وغاب. فالعرض الأول لعب بالحرية وتلاعب, باختلالات في البناء الدرامي شكلت للفرجة بعض متاعب ومصاعب، فجاءت الشخصيتان فـي العرض بكائيتين, انهزاميتين غير مقنعتين, فما من سبب وجيه لسجنهما, أو موقف سياسي لأسرهمـــا, حتى يكونان للحرية عنوان, ولها هما دائما ناشدان, في صراع مقنع ضد المسؤول عن مصيرهمــــــا, حتى وإن وظفت علامة الكـــف ضد منعهما, بعد أن وظفت في النص الأصلي بجماليــة واحترافيـــــة, وتطوير الصراع الدرامي بمهنية. في إحدى المناسبات من طرف فرقة وطنية. تتابعت الأخطاء وتتالت, في التحركات والتموقعات, فما من سبب مقنع لان يتموقع في الأعلـى سجينان, لأنها حسب القواعد منطقة الأقوى, ولا مبرر لإقحــام في الاستنطاق لغـة بذيئة, لأن الركــح يتطلب لغة فنية جريئة, للابتعاد عن النقل الحرفي, للأحداث فوق الخشبة بشكل وفي, لأننا يا هبنقــــة في حضرة أبي الفنـون, وعلى العلامة وبالإيحاء الحركي يجب التعبير وليس بالمجـــون, وما دواعـي مع حركة المثليين التقابل والتضاد, مع فكر مناهض أسه الدين والتعسف في تأويل النصـــوص وليس الاستشهاد, هذا ما ورد في العرض وليس ما رواه النقاد, أليست الغاية من ذلك الالتفاف عل الصـــراع الحقيقي, لمشروع حقوقي ديمقراطي, هو في المجتمع حاضر من قديم الزمان, فاضح مكامن الفســاد والإفساد في كل مكـــان, فيها هو مستشر ورابض في أمان, فالشــذود الجنسي علة جسديــة ونفسيـــة, كان أحرى تناولها بطريقة علمية وفنية, بأسلوب مقنع يروم التشخيص والتمحيص, وليست السخريـــــة بلغة حركية ولفظية, بتحريك المؤخرة وتدويرها, لابتزاز الجمهور قصد الضحك والتصفيق لها. فبالله يا هبنقة قل لي ماذا أصاب الإبداع في هذا الزمان؟ أزلت كفي هبنقة من على وجهه مــن شدة الحياء , وإليه أكملت تعليقي على العرض دون عناء. فالسينغرافيا يا هبنقة انطوت على بعض الملامح الجمالية, بيد أنها لم توظف في العرض كلغة درامية, لاحتوائه على اعتلالات واختلالات, في الإعداد والإخراج ظهرت لها علامات, فالألوان في فنــــــون العرض لها لغة ودلالة, فما سبب طغيان الأبيض على الأسود على الأثواب؟فالأسود في الصراعــات الدرامية رمز القبح والشر, والأبيض رمز الحسن والخير. لا أكلف نفسي عناء الحديث عن الإضاءة , بألوانها وكمياتها وتأثيرها على الأجسام المضاءة, في تفاعل وتناغم مع مكونات العرض جميعها, حتى يحصل الانسجام بين مفاصلها وأعضائها جميعها, فبذلك كانت السينوغرافيا للإعداد والإخراج ضحية حرمتها من التتويج باستحقاق وأفضلية. أما العرض الثاني يا هبنقة, فبحق كان رحلــة في الغرائـب والعجائـب, بعضها منك صدر لما قلت لي إن الممثلين لك أقـــارب, من شبه في اللسان والملابس, فقفزت من مكانك فرحا غير عابـــس, وأردت بهم اللقاء ومشاركتهم الفرحة والفرجة, على خشبة العرض وأنت في كامل بهجة, على مقعدك أقعدتك وألزمتك القعود, قلت ذاك لا يجوز فالزم مكانك حتى لا تصبح لي مفقودا, ما أن بدأت أحـــداث العــرض تتوالى وتسترسل, حتى علي أكثرت من الاستفســار والتســاؤل, لعدم قـــدرة فهــــم وإدراك, وصعوبة تتبع خيوط الحكي التي استحال بها الإمساك, لحظة إلي أدرت وجهك, وعلى الأريكـة مددت جسدك, ما بال هذا الزمان استعصى فيه اللسان حتى وهو مليء بالبيان؟ قلت هي لغة أعرفها وأتقــن التخاطب بها , لكني لم أقو على فهمها وفك شفراتها, بالسؤال ثانية بادرتني, وبكثرة أسئلــــــة أقلقتني, أصحابنا هؤلاء بالمغرفة من الطنجية اغترفوا أو بالملعقــة؟ إياك أجبت من كثرة أسئلتك أخي ارحمني, فدعني وشأني, أتمناه أن يكون آخر سؤال , فهاك الجواب ودعه يستقر في البال, أصحابنا بالمغرفــــة اغترفوا, وأصحاب الحرية بالملعقة تشرفوا, فلا تجعل أهل عشيرتك يتقولون, لأنها نميمة قديما قالوا. لم يهدأ لي بال ويستقر لي حال, إلا بعد أن نومك طال, فاتحا فاك ولعابك على ضفة ذقنك سـال, للعرض وبقية مشاهده واصلت, وبمجهود مضاعف لخطابه الفكري أدركت. فالصعوبة التي حالت دون فهمك يا هبنقة بدوري استشعرتها, لتصرف غير مدرك مس الكتابة الأصلية برمتها, على إثره انشطرت إلى نصفين شخصية نجمة, وأبو الغرائب إلى ثلاثــة, فالوحــــــدة العضوية للشخصية بذلك ضاعت, في متاهـــة رحلــة الغرائـب تاهت, فأصبحت الشخصية أحيانا تؤدي دور نقيضها, رغم حفاظها على اسمها وخصائصها, وهو ليس مسرح داخل المسرح كما في علمك أيها اللبيب ويخطر على بالك. فلو تم من تفكيك شفرة نجمة الانطلاق, كمصدر للضوء والنور في العتمة في كل الآفاق, وبعدها بأميال ضوئية عن الأرض ونأيها, وسعي أبي الغرائب الحثيث للظفر بها, موظفا كل ما أوتي من قدرات لوصالها,من أموال وحيل هو خبير بها, جوابا للأقطار ملاقيا العباد, أقطار كلها فيها فساد وإفســـــاد,في حدوده الدنيا كما ورد في العرض, من خمر ومجون ونشل وطعن في عرض, فالإخراج على الفساد الصغير في الفرجة اقتصر, ونأى عن مثيله الكبير وفر, فهو يملك من القدرات التعبيريـــة شتى, من ممثــــــــــل وموسيقى وألوان وإضـاءة حتى, دون نسيان تأثيث الفضاء وملئه, بقطــع كبيرة الحجــــم وصغيرته, في انسجام مع المضامين والأفكار، تكون لها شارحــة وموضحــة يا أهل الدار, مثريــة للعرض ومغنيـــة, بإضافات فكرية وفنية, بصياغة صور إخراجية فريدة وبديعة, تنطق معنى غير مفرطة في المبنى. فالصورة لابد أن تقول شيئا يقول العقلاء, ولابد أن يكون لها شكل ترتاح له العين يزيد الحكماء, والعرض هو تتابع للصور وتتاليها, واختفاء صورة لتحل أخرى بدلها, بمراعاة فوق الخشبة زمنها, قوة الدفع فيها وثقلها, دون إغفال صفائها ونقائها, بالارتكاز على قانون السبب والنتيجة في إنتاج الفكــــــرة والمعنى, وتبادل عوامل التأثير مع العناصر الأخرى, لأن الصورة إذا توفرت الخبرة والدربة, لابد وان تحكي قصة إذا حضرت التجربة, فتفيض بالفن والخيال غزارة وخصوبة, لأن ولـــوج عالم الفـــن يــا إخوان , يقتضي الدراية بعالم الفكر والفلسفة والبيان, وفلسفة الفن وعلم الجمال, دون إهمال التواضـــع وسمو الأخلاق يا خلان, واحترام العلم والعلماء قديمهم وجدديهم, خاصة إذا كنت بالأمس تلميــــذا لهم, فابدأ عليك ألا تنسى أفضالهم, وهذه فضيلة الأخلاق التي ربانا عليها أسلافهم. قلت عليك استعصت الرسومات المؤطرة للفضــاء يا هبنقــة, ولك سأشرح الأسبــاب فستفهم دون مشقة, فالأحداث في العرض وردت في سفر وعبور, وتجوال وقطع أميـــال في زمـــــن مختلف وليس دهورا, فظلت الأثواب التي هي من الأعلى نوازل, ثابتة غير متبدلة ثبوت المنازل, رغم تغير الأزمنة والأمكنة, حيث ظلت في مكانها كامنة, دون مبرر درامي يجعلها آمنة, أما ما رسم عليها من أشكـــــال وألوان، فلم يجعلها مع العرض منسجمة في أمان, ومبدعة بأفكار مقنعة, فهي لملامح إحدى الشخصيات كررت , على إحدى النازلتين من أعلى استقرت, إلى الأعلى رافعة يديها مستصرخة, أو مستنجــــــدة بكلتيهما أو متضرعة, على إحدى المواضع في الخلاء, قد تكون تلة أو صخرة واقفة بجـــــلاء, لكن يا هبنقة إنتبه معي فبأسفل الموضع مسننات بألوان زرقاء, مرتطمة بالصخرة والتلة في بهـــاء, فهي بذلك للماء علامة, كأن تكون بحرا أو يما لا تضلله غمامة, ومن تم في الخطأ كان الوقوع , لأن المــاء في المخيال من فضاء اللعب قادم في خشوع, لتتكسر أمواجه على البر في خنوع, فأصبح الممثلــــون في وسط الماء يتحركون , وهم لذلك لا يدركون. هذا ما تنقله الصورة لذهن المتلقي يا سادة, ليضيع المعنى ولا تتحقق الاستفادة, فصعب الفهم واستحال الإدراك, خاصة لما بممرات الدخول والخروج لم يتم الإمساك, وما زاد في الطيــن بلة, حتى صارت للأرجل عليه زلة, اختيار بين النوازل للحانة موضع, بعد أن كان ذلك الممر في السابق للدخول والخروج موقـع, فتداخلت النوازل وما عليها من رسومـات, مع أثاث الحانة وما له من دلالات, فكثرت بذلك التســاؤلات والاستفهامات, وتشتت التركيز والانتباه, حتى قلت يا هبنقة وا أسفاه, رددتها مرات وقلت أنا آه . ولما كان ثالث عروض فاس, وانأ بقاعة العرض يا ناس ، فقدت هبنقة الذي كــان لي مرافقا, والعرض لم تفصله عن الانطلاق إلا دقائق, عليه شرعت أبحث بين الحضور, وإذا بأحــد المعارف يدلني عليه وهو مشكور, كان الشقي فوق الخشبة يحوم, حول قارب هو إحدى قطــــع تأثيث ولي يلوم, لم بي أتيت إلى هذا الزمان, الذي تبدلت أحواله فأصبح عليه يشفق الفقهاء والرهبان، فدعني إلى زمني أرجع وأعود, ولما تتبدل الأحوال وتتحسن أعدك بالعود, فأنا سأمتطي هذا القــــارب, أمخر عباب البحر ومن هذا المكان أنا هارب , على إحدى كتفيه ربتت, ولاستحالة ذلك وضحت, هو زورق غير حقيقي بل افتراضي ،أرجو على قولي أن تكون راضيا, فهيا بنا نأخذ بين الجمهور مكانينا, وأتمنى ان تأخذ الفرجة بلبينا وجوارحنا, بأغلظ الأيمان أقسم ألا يبقى, وفي السيــارة أراد أن يرتـــاح حتى لا يشقى, لي قال بعد العــرض سيكون الملتقى, لأهبـك أذني لتلصق فيهما الحكايــة,وإن كانت ممتعـــــة سأتابعها من البداية إلى النهاية, إليه قلت مفتاح السيارة هو لك , فحذار من الشقاوة كي لا تكون لنفسك هالكا, لهبنقة ودعت وإلى القاعة عدت, وللعـــــرض تابعت وأتممت, بإمعان على تفاصيلــــه ركزت, غادرت الصالة ورأسي مطأطأ, أرتب مشاهد العرض جزءا جزءا, من باب السيارة بسرعة اقتربت, لما هالني صوت الموسيقى العالي الذي سمعت, على زجاج النافذة ظللت أنقر وأقرع, وهبنقة غاط في نومه لا يسمع, بقبضة يدي أسرعت الطرقات والدقات, استفــاق وقال والله إليك كنت آت, ولم أدر كيف إلى جفوني النوم تسلل دون ميقات, خلف المقود أخذت مكاني , ولمبدل الصوت أدرت مــــرات وهو يراني, يدي على المقود كلتاهما مددت, ورأسي دفنته بينهما, لم أرفعها إلا بعد أن كسر هبنقــة صمتي بالقهقهات والضحكات, لي اندفع قائلا أتعب أصابك أم أسف على تلك المشاهدات؟ استعجلنـــي بسماع الحكي والقص, له قلت تفضل بدون زيادة أو نقص, فالحكي غير معقد بسيط, رغــم انطوائـــه على رموز وشفرات دون إفراط أو تفريط, فالأشخاص في العرض ستة, صاحب مطعم في المينـــــاء وبحارة أربعة, دون نسيان فتاة لأدوار متحولة لعبت, على الخلاص والحرية أحيانا دلت,وللأم أحيانــا شخصت ولعبت,فلما كانت هذه الشخصية بدلالاتها ورمزيتها غنية وثريــة, فهي لم تستغــل كما ينبغي لتكون للعرض إضافة ومزية, فجاءت من منظور الإخراج باهتة ومسطحة, لعدم غوص في أعماقهــا ونفاذ, وتحريكها بشكل جذاب وأخاذ, لأنها مركز القوة في النــص والعرض, وهذا لا يختلف حولــــه الكــل أو البعض, فبابتكار علامــات وأشيــاء وأكسوسوارات,تكون لها معينــة في كل الحركــــــــات والتحركات, وإيجاد العلاقة العضوية بينهم أجمعهم,دون إغفال علاقتهم بباقي الشخوص كلهـم, ولذلك وجب استنفار وشحذ المخيلة, باستحضار المخــزون والمدفــون في الذاكــرة, من علم وفــن وتقنيـــة, لتجسيد على الركح عنف الشقاق والصراع, بين الأدنى والأعلـى الذي هو لحق الأول أضاع ،وهــــــذا بصياغة صور محملــة بالمعنى يقتضي, بصفاء دون خدش للعيــن يرتضي, باسترســال وسلاســـــــة وانسياب, بتوظيف مرونة الأجساد لينتشي الأحباب, بتأطير موسيقي ملائم للمشاهد, في انسجــام مــع الحالة الدرامية وفي ذلك لا تكون زاهدا, فاختيار فضاء البحــر والميناء للأحداث في النص الأصلــــي, اختيار واع ومدرك من لدن الكاتب أيها المشاهد, وهو ذكاء منه لا ينكره جاحد, فالبحارة من أهــــوال البحر وقساوته يعانون, وبالعودة للميناء من بشاعة الاستغلال يقاسون, ليبقى التشبت بالخــــــلاص فـي الالتفاف حول رمزية الفتاة, ومن هنا وجب الانطلاق بثبات, وتطويرا لصراع الدرامي وتقويته وتنميته, وليس تمييعه بافتعال بين البحارة تارة صراعات وتسطيحه, وبين أحدهم وصاحب المطعم وهو بدوره ضحية , مصيره بهم مرتبط ضد مصادري الحق والحرية. حسنا فعلت يا هبنقة لما للقاعة غادرت, لمعرفتي المسبقة بشخصيتك وخجلك, فإحدى البحارة جاء في العرض متشبها بالأنثى , في مشيته وحركاته وكلامه حتى, وهو في النص الأصلي أكيد ليس كذلك, وبذلك أصبح دوره في الإبهام والغموض مشارك, وتشويش على الصراع الدرامي الحقيقي كذلك, فلا مبرر درامي لإقحامه بين الممثلين بتلك الصفة, حيث منها الإضحاك يراد وليس للعرض إضافــــــة, فبذلك يحصل للمتلقي التضليل, بالابتعادعن الصراع الحقيقي دون تعليل, وبذلك تاه المضمــــون وتبددت أفكاره, وطوحت بها رياح وأمواج البحر واللبيب لذلك كاره. هبنقة عينيه في تحملقان, مني دنا وعلى وجهي أصبحتا شاخصتين، .بكلتا سبابتيه رسم على خديه خطين, من أسفل محجرتي عينيه إلى أدنى ضفتي ذقنه نازلتان, حشومة, حشومة, قالها بدارجــــــة وهو خجلان. أمرني صوب المنزل بالانطلاق, لإحساسه بجوع لا يطاق, لم أنفذ رغبته , إلا بعد إكمال قـراءة العرض برمته, بصعوبة بالغة أقنعته, استسلم لرغبتي وأذعن, ولمزالق الإخراج شرعت أبسط وبنظــره في يمعن, إسمع يا هبنقــة فالإخـراج كان ترجمة حركية للممثلين فوق الخشبــة بشكل غير مقنــع, وليس للنص مثر وللعرض مغن بشكل مبدع, فتوزيع الممثلين وتحركاتهم جلها شابتها أخطاء , أما تموضعاتهم فتكررت في مكانها من مشهد لآخر دون أن يحصل الانتشاء, فهذا ممثل يصعد على مقعده ويجلس مرات, مؤديا حواراته وزملائه له بالإنصات , وآخرون قبالته على نفس الخط موزعون, يتوسطهم صاحب المطعــــم أجمعين, هكذا دامت التحركات على خط أفقي مرات, دون استغــــــلال عمق الخشبـــــة ومقدمتها إلا في مناسبات, وهذا في لغة الإخراج لاختلال التوازن سمات, وعدم دراية بمناطق القوة والضعف في توزيـع الممثلين, وعدم انتباه لأخطاء تموقعاتهم على الزورق واقفين أو جالسين, فبعضهم والمركب منطلق يؤتي بجسده حركة, وآخرون في أماكنهم ثابتون ممسكون بالشبكة, في تنافر تام مع ما يصاحب من مؤثمـــرات صوتية المشهد, فبعد إدارة المحرك ينطلق الزورق والقائد ممسك بالمقود, ففي الواقع يطغى صــــــــوت المحرك على أي صوت في الموقع, لأن سطح الماء يلعب دور مكبر صوت في أي موضـــــــع, فتتعالى أصــوات ممتطي الزورق لكي تسمع, وفي حالة زورقنا ما أن يدار المحرك ويسمع صوته, حتى ينقطع ولا يعود الجمهور يسمعه, وذلك في ذهنه على الوقوف إشارة, فيما الممثلون بأجسادهم يتحركون راجيـن أن تكون وفرة صيدهم بشارة, فذلك بين الإيقاع الصوتــي والحركــــي عدم انسجــام, فيحصل بذلك على عقلية ومخيلة المتلقي التشويش بالتمام,خاصة بعد أن توحي إدارة المحرك بالانطلاق على سطح المــــاء وعليه الانزلاق, والابتعاد عن الشاطئ ومعه يحصل الفراق, ويظل صوت انكسار وتكسر الموج يسمـع, لأنه في عمق البحر ليس لمكان تكسير الموج موضع, سأكتفي بهذه الملاحظـــات ولن أزيــد , وأتمنى يا هبنقة مني ألا تطلب المزيد, وحتى أشبع فضولك ,لإدراكي المسبق بنزقـــــك وشقاوتـــك, لك أقـــول إن فضاءات اللعب عرفت فيما بينها التداخل , وعدم إدراك باللعب على التقابل, في انسجام مع الصـــــراع الدرامي وما يقتضيه, من تنافر وتضاد وتنمية العقدة وذلك الجمهور يشتهيه. أما تأثيث الفضاء يا إخوان وأخوات, فبدوره عرف أخطاء عديدة ومطبات, بعضها إلى تكديس الخشبة بالقطع والأثاث راجع, فأصبح أحيانا مشوشا ومعرقلا وليس للعرض نافعا, فعلى يمين ويســـــار الخشبة أحجام وكتل مصطفة, ليست هي حتما لصناديق السمك إشارات, وليست للصخور والأحجـــــــار علامات, فحجبت بذلك الرؤية عن المشاهد, الذي من يسار الصالة ويمينها يشاهد, علما أن لعب إحـدى الشخصيات الرئيسية ذاك غير مكانها, لأن قوتها تقتضي أن تكون مقدمة الخشبة مجالها, وما الفائدة أن تكون الشبكة من أعلى عمق الخشبة مدلاة, دون توظيف درامي والأخرى على الأرض ملقاة, فالعمـــق هو للبحر وزرقته امتداد, وعلى جنباته قد تتناثر الصخور والجبال وحتى الوهاد, في تناغم للألـــــــوان وتناسق, مع مثيلاتها المنبعثة من إضاءة الصالة وتوافق, لأن متعة العين في الفن علينا واجب, وتغذيـة العقل بأفكار فنية لها الجمهور طالب, لو كان الأمر على هذا المنوال تم, والقارب نلمح إليه بقطعة ليست كبيرة الحجم, لتحرر فضاء اللعب وكسبنا مساحات، تكون لتحركات وحركات الممثلين مجـــالات, بأداء رقصات ولوحات, واستغلال بعض الصخور للتموقع والتموضع, بكميات إضــاءة وألـوان دون تصنع, والمطعم له نختار إحدى الجنبات, منه يتم التزود والانتشار حواليه فرادى أو جماعات. توالت أخطاء السينوغرافيا وتتابعت, إحداها في عمق البحر خلال عاصفة بحرية بانت, فأريــد التعبير عن العاصفة ومخلفاتها بالبخاخ المضغوط, للإيحاء بالأخطار والأهوال ونفس البحــارة منهــــا قنوط, لكن ما أريد الإيحاء به يأتي دائما من الأعلى, من رياح وضباب وأمطار ورذاذ لتحدث تأثيراتها على ما هو أدنى, عدا تبخر المـــاء الذي من الأدنـــى ينطلق صوب الأعلــى, وهو في العـــرض ليس المقصود لكونه لأهوال البحر غير ذي معنى. ثاني الأخطاء هي بعد انطلاق القارب وعلى السطح والى انزلاقه, بسرعة تحكمت فيها قوة دفع محركه, فظلت إحدى شباك الصيد على الخشبة ممتدة, وهي بأيدي البحارة أو بالقارب ملتصقــة, حيث كان أولى التخلص منها بإزالتها من على الواجهة المطلـة على الجمهـــــور, حتى لا يثير المشهـــد في عقليته التساؤل ومن تم النفور, ثالث الأخطاء وليس آخرها , كانت الأغاني الموظفة في العرض لها عنوانا, حيث تم اعتمــــــاد تقنية القص واللصق, لأغاني عديدة بتعسف دون رفق, فالأغنية الدرامية لها تقنياتها وقواعدها, فانبثاقها من أحداث العرض واجب عليها,وإذا حملت أسماء الشخصيات يكون ذلك قيمة للعرض ولها, والمخرج هو أول من يدري ما يفعل بهــــا, كأن يعمق حدثا دراميا أو يفسره, أو يضيف أفكارا ويعزز أخرى لدى جمهوره, بمراعاة توافق لحنهــــا مع إيقاع المشهد وحركات الممثلين, في انسجام مع كمية الإضاءة وألوانها لتحصل المتعة لدى النـــــاس أجمعيـــــن. فالسينوغرافيا المبدعة يا هبنقة في المسرح عموما وبصفة شاملة, إغناء للعرض بأفكار ومع مثيلاتها في النص منفعلة ومتفاعلة, باعتماد الوضوح والبساطة والإيحاء, ومعتمدة في العرض كلغــــة بصفاء وجلاء, من النص نابعة ومع باقي المكونات مرتبة لأفكاره وشارحة, كل ما غمض في النـــــص ولشفراته هي مفككة, باقتراح أفكار غنية وثرية, في العرض توظف بجمالية وفنية, وأدواتها التعبيريـــة كثيرة وغنية, ومن تم فهي ليست دراية بعالم الرسم وتقنيات التشكيل كأولوية, واعتمادها فقط لتأطير فضاءات اللعب كأفضلية, بل إبداع واقتراح أفكار يستعين بها المخرج في التعبير بمهنية, وهذا ما حصل بالتمام والكمال في عرض الجدار, الذي فاز بجائزة السينوغرافيا بكل اقتدار, لأنها سلكت طريق الوضوح والبساطة, متجنبة الغموض والتشويش بذكاء ولباقة , فالمجتمع رغــــــــــم شساعة مجالـه ورحابته, اختزل في العرض وضاقت جنباته, فأضحى فوق الخشبة حيزا مكانيا ضيقـــا, هو منزل بطابقين وبأفقه الدلالي والتعبيري كان موفقا, فضيق فضاء اللعب وحدوده,أصبح فوق الخشبة للسجن دلالة و قساوة صروفــه, انسابت عليه الأحداث وتتالت, لجارتين متنافرتين خصومتهمــــا طالت, لوضع اجتماعي وثقافي بينهما يفرق, وبأفق فكري يجمع بين مصيريهما في النهاية ولغرض وهدف يحقق , حيث أخذت الأولى مكان الأعلى , والثانية نزلت إلى مكان الأدنى, فجاءت الصورة واضحة وبليغة, دون تكلف أو حشو أو أخطاء فظيعة, فالعبرة ليست برسم أشكال بألوان , وإنما أحيانا يكون التوفق والتفوق بالأحجام رغم غياب الألوان,فالأعمدة الحديدية التي كانت للكتلة والحجم مادة , جاءت مع العرض مؤتلفة وعلى فكرته دالة, فالأعمدة على اليمين واليسار, هي امتداد بالإيحاء عموديا في أسفل وأعلى الدار. عرضت في العروض السابقة عن الحديث عن الممثلين, لأتحدث عنهم بإيجاز هنا أجمعين, فجلهم في أغلب الأحيان ضحية لبعض المخرجين, لنقص تأطير وإدارة وتوجيه, وقلة إدراك بقدراتهم الكامنة بشكل وجيه, رغم تحملهم بدورهم بعضا من المسؤولية, لقبول توجيهات وتعليمات ليست للشخصية ضرورية, بافتعال تأتأة أثناء الإلقاء والتشخيص , أو تجسيد عاهة جسدية أو نفسية وقبولها دون تساؤل أو تمحيص, أو تقليد أغاني نسائية من طرف ذكور بشعر مستعار، فيظل الجمهور في أمرهم وفعلهم يحار, فيسقط العرض في البهرجة والتهريج, وبذلك يكثر الحشو واللغو في الأداء, ويعم الصراخ وتستعصي الحركة فيحصل لبعضهم العناء, في غياب التوجيه بتقنيات التنفس لتجنب الاختناق والبلاء, فأين هو التعبير بالصمت وتموج الأداء حسب الحالة الدرامية؟ باستحضار خصوصية الموقف والحالة النفسية للشخصية, واعتماد الأداء الصادق , النابع من الأعماق بشكل حاذق, لتجنب الرتابة وتجاوز الاستظهار . حاشى أن يكون ذلك عيب كلهم, لمعرفتي بقدرات جلهم, بل هو أحيانا امتثال وخضوع لتعليمات بعض مخرجيهم, رغم مؤاخذتي على انتفاخ الأنا عند بعضهم , لسعيهم وراء التتويج دون إقناع بالجائزة , فهذا يقول بها أنا الفائز وأخرى انأ الفائزة, وهذه علة بدورها بعض من مسؤوليتها إلى المخرج أرجعها, لغياب توجيه وتنبيه إلى رسالة المسرح في مجملها , فهي رسالة إنسانية إصلاحية بالأساس, فكيف نرجو إصلاح المجتمع وبالنفس يقطن الوسواس؟ وأين هي المصداقية يا ناس ؟ لما يصبح المخرج بدوره عينيه على التتويج شاخصة , كهدف وحيد وأوحد ونفسه للنتائج مترقبة وفاحصة، فيرغي ويزبد لما بالجائزة لا يفوز, ويقول تبا للجنة التحكيم فهذا لا يجوز. هبنقة على قفاه استلقى من شدة الضحك ،على وضع آلت إليه نفوس بعض الفنانين في هذا الزمن المضحك, بعد أن كان جل فناني ومثقفي قريب زمان, في شتى الفنون والآداب والفكر بكل الألوان, بسعة فكر وعلم ومعرفة والتزام, وصدق وبإبداعهم وفنهم لهم إلمام, وكثير منهم صادرت خفافيش الظلام حريتهم, دون أن تتوقف أحلامهم وآمالهم, وهنا بفاس كان مقام بعضهم, أبدا لم تكن لجلهم في التتويج رغبة, ولا الفوز بجائزة رغدة, بل كانت التوعية والتثقيف غايتهم, وفضح الفساد وتعريته هدفهم, بسبل علمية وفنية مقنعة, وبصور وبأشكال فنية ممتعة, هذا كان في زمن يسمى الآن بالجميل , من لدن كل من عاشه أو سمع عنه يا خليل, وإليه نأمل العود يا جليل. ولما كانت إلى المنزل العودة والرجوع, وتناول عشاء استطابه هبنقة وقال الآن هزمت الجوع, على أريكة قبالة التلفاز استلقى, وبجهاز التحكم عن بعد شرع يغير القنوات المغربية والعربية ما أبقى, لم يجد ظالته فيها جميعها, لأن ظنه خاب في العثور على جميلها, استأذنني في أخذ حصة استحمام, بماء دافئ ينعش الجسم يا سلام, إلى خزانة كتبي كانت وجهتي, أخذت منها بعض الكتب كعادتي, فتحت كتاب موطن صديقي هبنقة كالمعتاد, قلبت صفحاته بهدوء وثبات وليس بعناد, ما هي إلا لحظة إذ بصوت من بين السطور خفيض يسمع, ذو بحة وحشرجة ولنبراته أنا أتتبع, لمعرفة صاحبه والاطمئنان على أحواله, فجأة انسلت من بين السطور العين والجيم والياء واللام مثثاقلة, وتلتها الباء والنون تعبانة, لتتبعها اللام والجيم والياء والميم واهنة, ماذا؟ عجيل ابن لجيم؟ما بك؟ وجهك شاحب وجسدك سقيم , أعلة تشكو أم أصابتك عدوى؟ بأنفاس متقطعة أجابني أنتما سبب البلاء والبلوى, لأيام ثلاثة وأنا هنا رابض قاعد, أسهر الليل عليكما أنادي والله علي ما أقول شاهد, حتى جف ريقي وبح صوتي, وانتفخت أوداجي وتورمت حنجرتي, لنزلة برد أصابتني, فنالت من نفسي وبدني. معذرة صديقي بن لجيم إن كنا نحن السبب, فقد كنا ضيوف مهرجان رأينا فيه العجاب والعجب, نحن بدورنا قال عجيل اقترب موعد حفلنا, كله شعر وحكي ومبارزة بين فرسان قبائلنا, وهبنقة أحد أمهر فرساننا, رغم رميي وإياه بالحمق والجنون من طرف أفرا د قبيلتنا, لذا وجدتني كل ليلة إلى هنا آتي, أنسل من بين السطور على أحدها في الوسط أضع رجلي, وعلى آخر في الأعلى اقبض بكلتا يدي, وأظل اصرخ وأنادي هاتفا باسمك واسم هبنقة , لأخبره بموعد المسابقة. لقوله استغربت وإياه سألت, أغاب موعد المسابقة عن هبنقة؟ بثثاقل نحوي رفع رأسه,وإياي أجاب ألست عارفا بغفلته وحمقه؟ أليس هو من كان يختار المراعي للسمان من الأغنام لما كان راعيا, وينحي عنها المهازيل غير مباليا, ويقول لا أصلح ما أفسده الله. استطبت قوله وارتحت له, وبقولي بادرته لفعل صدر عنه تذكرته, أو لست من سألك هبنقة عن اسم فرسك, فقمت إليه وفقأت إحدى عينيه, فقلت الأعور سميته؟ أتبعت قولي هذا بقهقهات وضحكات , على فمي وضع كفه ولي أراد الإسكات, عابس هو مقطب الحاجبين, أكنت تريدني أن اخسر الرهان ومن تم الدجاجتين؟ . فبيننا كانت لعبة ونزال , قاعدتها سرعة الجواب على السؤال, ولما نسيت إسم فرسي, اهتديت إلى تلك الحيلة فانقدت نفسي, والله شاطر بارع حاذق أنت يا ابن لجيم. وأنا إياه أحاور وأكلم, إذ بمساحة ظليلة على صفحة الكتاب تمددت, إلى الأعلى رفعت رأسي لأتبين من أي مصدر أتت, فإذا هو هبنقة في كامل زينة, رائحة الطيب منه تفوح وعينه حزينة, بعد أن رمق صديقه بين الأسطر معلقا ينتظره, بحرارة عانقني ليودعني, استعجلت الرجوع إلى موطني, فأهل عشيرتي هناك ينتظرونني قال لي, تعالى صياح وصراخ ابن لجيم لما رأى هبنقة يتحدث إلي, أسرع فالقوم ينتظرون صاح عجيل, هو الآن على كتفي بيديه يربت ويخاطبني بكلام ذي مغزى ومعنى جميل, والله يعز علي الفراق, وأسأل الكريم الخلاق، أن يمن علينا بالتلاق, والسعد الرائق ، والأمر الموافق, أتمنى أن أعود وتكون أحوال فرجتكم تحسنت , وأخلاق وسلوك العباد تبدلت وتغيرت, قالها بحسرة وقسمات وجهه منقبضة تعكس أسى عميقا, إلى ابن لجيم أدار رأسه, وعلى كتفه صرة أمتعته, صياح صديقه تعالى وزاد, إياه أجاب إطمئن سأكون هناك في الميعاد. هو الآن يلوح إلي بكلتا يديه, ودمعتان منسكبتان من عينيه, ببطء تشقان طريقهما على خديه, اقترب من الكتاب بخطوات , وقامته من قريب لصديقه عجيل لاحت, نحوه هذا الأخير مدد جسده, وبصدره ضغط على سطر فكسره, وبذلك فقد توازنه, لكن يديه على تلابيب هبنقة رست, على إثرها تقزمت قامة هبنقة وتقلصت, وبسرعة على سطح صفحة الكتاب انجذبت, إلى اللقاء سوية لي قالا, بسرعة انحنيت على دفتي الكتاب وعليهما أطل من أعلى, إنتظرا لحظة يجب أن يكون وداعنا بسمة وليس دمعة, من منكما يأتينا بطرفة نستملحها وبسرعة؟ هي لك والآن قال هبنقة وأرجو أن تلقى منك القبول, مرة سألت صديقي ابن لجيم أتقوم الليل وأنت في عرف عشيرتك مهبول؟ قال طبعا أقوم الليل وإلى فراشي أعود بعد أن أبول. على إيقاع القهقهات والضحكات افترقنا متمنيا زمنا جميلا يجمعنا كلنا. lacbara44@hotmail.com العنوان الإليكتروني: هذه المقالة هي قراءة لبعض العروض المسررحية المقدمة ضمن الدورة السابعة للمهرجان الدولي الاحترافي المنظم من قبل النقابة المغربية لمحترفي المسرح بفاس ما بين فاتح وسابع ماي2011
 
   
 
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=