http://kouttab-al-internet-almaghariba.page.tl/
  "منذ تلك الحياة"
 
كتبها : مجموعة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة في الأحد، 22 مايو، 2011
قراءة نقدية في مجموعة قصصية :
منذ تلك الحياة"




 قراءة من إنجازليلى بوتبغة



    لطيفـة باقـة
1 ـ مدخل عتباتي
لايستجيب العنوان للشرط النظري الكلاسي، الذي يجعل منه عادة مكثفا للنص مضمونيا؛ فهو يتموقع بين لحظتين زمنيتين إحداهما تقوم على الاسترجاع، و الثانية تتأسس على زمنية مضارعة مستمرة فيها نوع من انبناء الذات في علاقتها المختلفة وفق تصورات تمنحها خلاصات الحكي الاسترجاعي. إن في العنوان نية مؤكدة لاستعمال " التعريف "؛ فالألف و اللام المسندة إلى الحياة،
وقبلهما اسم الإشارة "تلك" يجعلان الحياة التي تحيل عليها الكاتبة معروفة، إننا أمام خطة سردية زمنية مركبة تتداخل فيها الأزمنة الثلاث لتؤسس فضاء للنص القصصي في تلويناته العشر، يبدو فيه الحدث زمنيا، ومن ثمة، فالشخوص لا يمكنها أن تتحرك إلا زمنيا لأنها قادمة من تلك الحياة ولا يزال حضورها مستمرا في الذاكرة التي تعيد صنعها حكائيا. يعرض النص، إذا، حياة –إن لم نقل حيوات- تلتقي عند هوامش بعينها لتؤسس " العلائقي "، و هي حيوات مؤنثة، فالصورة على الغلاف لامرأة أهم ما يميزها عينها التي نفترض أنها عين للذاكرة أو عين على تلك الحياة، العين التي ترى الأشياء القديمة رؤية مختلفة : إنها رؤية المسافة التي تلزمنا لنكتشف الحقيقة. تستدعي الحيوات المؤنثة حيوات رجالية تتقاطع مع بعضها لحظة الحكي، لتشكل عوالم المخفي و المسكوت عنه و اللامباح. إن هذه العوالم هي ما يؤسس لنص " منذ تلك الحياة " – المتحدد أجناسيا كما أسلفنا الذكر بكونها مجموعة قصصية- حيث يتحقق فعل البوح من جهة، وفعلا الكشف والتعري من جهة أخرى. 2-المحافل السردية: يتمفصل السرد في النص وفق مستويين؛ الأول يحضر فيه ضمير المتكلم الذي يسرد عن نفسه وتفاصيل حياته، وهو مؤنث يحيل إلى انتظام علاقة مباشرة بين الساردة و الكاتبة تتأسس على المشترك الذاكراتي وكيفية رؤية العالم، والثاني يتناوب فيه ضميرا المتكلم و الغائب حيث يحيل السرد على حيوات مؤنثة أخرى تتقاطع مع حياة الساردة في النفس المتذمر و الكينونة الضائعة والحب المفقود، وفي مصير الضياع و قدر البحث. يشير استعمال ضمير المتكلم في النصوص – قيد الدرس - «استوقفتني امرأة» ،«سأقول إنني كنت أفكر» ،«أسير فوق الرصيف المضاد» ... إلى حضور قوي للذاتية، تلفت الانتباه إلى طبيعة العلاقة القلقة بين الساردة وذاتها، فهي تضعها موضع مساءلة تتغيى الفهم ومقْوَلَة العالم و إيجاد طرائق للخلاص، من خلال علاقاتها المتشابكة مع " كائناتها الورقية ": زهيرة- زازيا- ريما- الصديقة رقم "2"- صفية...وعلاقاتها مع الرجل الذي اتخذ صورا متعددة في نصوصها : الأب و الزوج و الحبيب... هكذا فإن الساردة متماثلة حكائيا؛ أي إنها تحكي عن نفسها بضمير المتكلم، فتدخل – رغم محاولات الاستعانة بالحوار- في مونولوج مطول يقوم على الحكي الاستعادي، الذي يخترق دواخل الذات المهزومة الباحثة عن حقيقتها داخل مجتمع لا يؤمن إلا بقيم الفردانية و التفوق الذكوري، وحيث هواجس الذات لا يمكن الإعلان عنها، فتصبح اللذة موضوع بحث سري يرافقه الخوف و الحياء معا، يظهر ذلك في مغامرات "زهيرة" و في أسرار الساردة و في أحلام الصديقات، حيث المحرم يصبح حقا إنسانيا تبيحه ضرورة المعرفة بالحياة وكنهها. لا يخضع السرد لمنطق الخطية: فهناك تداخل واضح بين زمني الماضي والحاضر، يحضر أحدهما ليليه الآخر أو يتزامنان من خلال عملية التداعي«تداعت أمامي ببشرتها السمراء الندية...» ، إذ تشتغل مثيرات الذاكرة النابضة بصور الأمس بفعل سرد الأحداث التي تبني تدريجيا الصورة الصانعة لحيوات الكائنات المتحركة في فضاء الحكي: العلاقات و المصير والجسد والفشل. 3-خصوصية السرد يبدو – وفقا لما سبق- أن النص يخلق تميزه السردي معتمدا على حميمية سرد تفرضها طبيعة الذات السردية الغارقة في تفاصيل تقابلها مع الآخر سواء أكان فردا أم علاقات أو تصورات. لذلك فإن الإيقاع الذي يتحرك وفقه النص، إيقاع بيذاتي تنخرط فيه الذات في اليومي للوقوف عند تناقضاته المسفرة عن الخلل المكتنف للعالم و أحيائه، إن الذات لا تستطيع التخلص من نفسها، فيبدو الأمر أقرب إلى النظر في المرآة في شتى الاتجاهات ومن الزوايا جميعها. إن عدم قدرة الساردة على مقاومة الذاكرة يدخلها في دهاليزها فتجعلها لا ترى إلا نفسها،يتعلق الأمر بتماه مطلق بين الذات و الملفوظ و التلفظ ؛ فالذات حاضرة بما هي كيان إنساني، و الملفوظ يتأثر بهذه الإنسانية ذات الطابع الأنثوي، فتأتي طريقة القول (التلفظ) منسجمة مع خصائص التكتم و السرية و الحميمية المميزة لكينونة الأنثى. تحكي الساردة من داخل الحكاية فهي الموضوع و هي آلة النظر،ما يجعل الرؤية السردية تتحدد من خلف، حيث تعرف الساردة كل شيء عن شخوصها، بل إنها تطلع على ما يفكرون فيه و ما يحسونه و ما يخفونه «زازيا تنام الآن...عند رأسها شمعة وعلى يمينها شمعة وعلى يسارها شمعة و في قلبها يرقد أمير أسمر سيقطع البحار ليحملها على جواده الأبيض ويرحل بها إلى مملكة السعادة الأبدية». 4-اشتغال الزمن اختار الزمن أن يبتعد عن الكرونولوجيا فجاء صدى لانتقالات الذاكرة و اشتغالها المستجيب لمثيرات خارجية تستدعيها صدفة اللقاء و الأمكنة و الموسيقى... فتحرك الزمن في اتجاهات متقابلة، يضطر القارئ إلى إعمال الجهد للربط بين أجزاء الصورة التي ينسجها الحكي. لذلك نجد آليات زمنية متعددة أهمها: أ- الاسترجاع: المعتمد على تحفيز الذاكرة لخوض مغامرة التذكر و البحث في ثنايا الماضي و فتح غرفه الموصدة: «قبل سنة من الآن التقيت زهيرة في مدخل السوق...» ، «أتذكر:» . *التذكر من خلال الحلم: يعد الحلم أحد أساليب التذكر الذي يتفاعل فيه الشعوري واللاشعوري، ويتم التذكر فيه دون قيود أخلاقية ودون حرج: «تذكر ليلته السابقة.. كانت أمه شهية في الحلم و كانت تملك حلمتين كبيرتين» ، «فكرت طويلا في كلام صديقتها رقم " أ " التي ضاجعت أباها في الحلم بلا أدنى شعور بالذنب» . ب- الاستباق: وفيه نوع من تنشيط الحدس و محاولة التنبؤ بما سيحدث، وفي هذا تناسب بين التقنية والمرأة المعروفة، باستشراف المستقبل من خلال توقع ما يمكن حدوثه «وسأقول لها، في ما بعد، إن كل شخص عزيز يغيب عن بصري فجأة، يولد غيابه عندي رغبة عنيفة في إعادة اكتشافه» ، «ولن يخونها أحد» . هناك –إذا- خلخلة لبنية الزمن التقليدي، المتسم بالخطية واشتغال له – بالمقابل – من خلال فعل الداعي و الحلم و الاستباق والتذكر، و كلها أفعال تدل على منطق زمني خاص لا يتردد في التعبير عن رؤية خاصة للتاريخ الشخصي و التاريخ المشترك 5-منذ تلك الحياة... تتقابل الحياة القديمة مع الحياة الجديدة: الدمية المعادل الموضوعي للسارد. في الحياة القديمة اختفت ساق الدمية، و في الحياة الجديدة تفقد الساردة ومن حولهم أعضاءهم بسرعة «إننا نفقد أعضاءنا بسهولة فادحة في هذه الحياة!» . إن العين التي تتراوح بين الحياة ترصد التحول الذي يعتري الشخوص و عوالمها و عواطفها: كره "وردية" للساردة بسبب اهتمام حبيبها بها سيتحول إلى حب في الحياة الجديدة «كنت أكرهك كثيرا... لأن كان يحبك... صحيح كان يحب يدي.. لكنه كان يفضلك أنت بما في ذلك يديك و ساقيك و ابتسامتك وعينيك» ، «أشعر فجأة أنني أحبها...» . كما أن هذه العين لا تتردد في فضح العقلية الذكورية المفكرة في الشهوة المتمثلة في الاقتراب من الجسد الأنثوي في نضجه و بروزه: «..الحاج الشرقاوي صديق أبي انتظر حتى مات هذا الأخير ليأخذ يدي الصغيرتين بين يديه الشوطيتين و يتأوه بصوت عال: يا ألله...! إنهما ليستا يدين... إنهما قطعة ميل فوي (...) ساخنتان» ، سي العلمي«كان ضخما وله كرش... و كان مذاق لعابه مقيتا.. مقيتا» . إن النص يكشف الألم السري الماضي و الحاضر: ألم التحرش و ألم الحب «حبيب وردية لم يصل بعد...» ، و ألم المرض «ثم سمعتها تقول بصوت خافت وحزين، إنه سرطان الثدي» ، و ألم الاختيار : «تسألني إن كنت أحبه..- زوجي يملك معملا كبيرا للدمى يا وردية!» و ألم الفقد: «...كانت زرقاء و بساق واحد» ، «سرقت مني ساق الدمية و أخفتها في حقيبتها سنة كاملة...» . يمكن القول: إن النص سيرة للألم، والذاكرة إذ تعود لتمارس اكتشافها للذات تقف عند التحولات التي لحقتها عاطفيا ونفسيا و فكريا و اجتماعيا. هذه التحولات التي ترتبط – بشكل بارز – ببنيات الألم و الخيبة و الضياع. التي تطال المرأة التي تريد أن تكتشف ذاتها عشقا وجسدا وفكرا و اختيارات. على سبيل التركيب: إجمالا ،لقد ظفرنا ببعض الخصوصيات التي ميزت هذا النص، نجملها في ما يلي: 1-السرد في المجموعة القصصية مؤنث بشكل مطلق. 2-الكائنات الورقية المتحركة في الفضاء السردي كلها مؤنثة. 3-انتظام علاقة حميمية بين الساردة وكائناتها الورقية. 4-تقترب النصوص من جنس السيرة الذاتية لطغيان ضمير المتكلم فيها. 5-النص مساءلة لواقع قيمي متردي. 6-تخترق النص قيمة الألم تعبيراعن وضع أنثوي مأزوم اجتماعيا 7-يعمل النص على تكريس فعل الكشف والبوح. 8-يتميز النص باختياراته السردية التي تجعل منه نصا قصصيا. 9-الزمن في النص يراوح بين فعلي الاسترجاع و الاستباق.

 

 
   
 
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=