http://kouttab-al-internet-almaghariba.page.tl/
  متخيل الذات
 

متخيل الذات ورؤية الوجود والحياة في شعرعبد اللطيف شهبون.


د.محمد المسعودي
خاص بالموقع 
تركز هذه القراءة في شعر المبدع الشاعر عبد اللطيف شهبون على تناول متخيل الذات ورؤية الوجود والحياة في دواوينه الثلاثة التي أصدرها حتى الآن، وهي حسب ترتيب صدورها: كما لو رآني (2007)، وذاتي رأيت (2008)، وإليك انتهيت (2010فما الذي يطبع متخيل الذات في دواوين الشاعر عبد اللطيف شهبون؟ وهل رؤية الوجود والحياة ظلت أسيرة الذات في أشعاره؟ وبماذا تتميز قصيدة شهبون في اشتغالها بالذاتي وبالوجود من حولها؟

ما يلفت نظر القارئ منذ الوهلة الأولى في عناوين الدواوين الثلاثة السمة الصوفية لهذه العتبات النصية الأولى، وهذا الحضور الصوفي سيتجلى للمتلقي واضحا في نصوص المجموعات الثلاث، ومن ثم يمكن اعتبار عناوين هذه الدواوين مدخلا للكشف عن متخيل الذات في النصوص، ومنطلقا لسبر رؤية الشاعر إلى الوجود والحياة. تحضر الذات في العناوين الثلاثة وهي متصلة بما هو مطلق عرفاني: ففي عنوان الديوان الأول "كما لو رآني"، ترتبط الذات بالرؤية، وهي، هنا، تدل على أبعاد روحانية، وتقوم على أساس صوفي لتؤكد الاتصال بالذات الإلهية ونظرتها الرحيمة إلى الصوفي المتقرب منها، الطامع في نظرتها إليه وحَدَبها عليه. وفي الديوان الثاني "وذاتي رأيت" يتأكد معنى الاتصال والقرب والتماهي، لأن الذات الشاعرة رأت في ارتباطها بالذات العلية نفسها، ومن ثم تمت النعمة وتأكدت رؤية الذات العلية إليه لتنتشله من أوضار الحياة وشقائها. أما العنوان الثالث فيؤكد أن المنتهى هو إلى هذه الذات أولا وآخرا لتكتمل القربى ويتم الرضا. ولعل هذا البعد العرفاني الصوفي في العناوين يؤكد أبعاد الرؤية التي تطبع نصوص الشاعر بميسمها الوجداني الصوفي ونفحتها الروحية، وهي الرؤية التي تنظر إلى الذات الفردية باعتبارها جزءا من الوجود وما احتواه لا تنفصل عنه وتتصل به اتصالا وثيقا. فكيف تحضر هذه الأبعاد في نصوص الشاعر؟
في نص "فناء" يتجسد معنى ذوبان الذات الفردية في المطلق، ويصبح البعد عنه عذابا وليلا مظلما إلى حد أن الانتظار يفني الجسد والروح معا:
"شط المزار..
لا الليلَ أُدرك لا النهار..
يا روْح روحي
يا هزار:
الليل يسكنني..
ويُفنيني انتظار."(كما لو رآني، ص.26)
وهو نفس المعنى الذي يسترجعه نص "هل يزور؟" من ديوان "وذاتي رأيت" بإضافات أخرى، وظلال شعرية تؤكد رغبة الفناء والقربى:
"بلغت إلى حيث أشرب من
جنوني
وفلكُ مناي
بعشق
يدورْ..
بلغت إلى حيث أفنى..!
إلى كم أرجي لقاء
الحبيب،
وما أبتغيه غدا
هل يزور..!؟" (وذاتي رأيت، ص.41)
هكذا يصبح العشق بابا للقربى والاتصال بمعناهما الروحي، وبهذه الشاكلة تتحدد رؤية الذات لذاتها منظورا إليها من زاوية وجدانية جوانية. ولعل هذه الرؤية للذات الفردية النابعة من رؤيا صوفية تجعل من هذه الذات ذاتا كلية متصلة الجذور بالكوني وبالوجود ذاته، وتجعل من أسباب حياتها عروة وثقى للعشق والفناء. وهذا البعد الذي يكتنزه النص السابق نجد له امتدادا في نصوص أخرى في هذا الديوان، مثل نص "لا أسمي..":
خضت في اليم
سابحا لج وهمي..
عجبا:
كيف صارت الأرض يمي؟!
رسم الشوق فيه قلبي
بميسم
فرمزت
بحرفها..
لا أسمي."(نفسه، ص.!17)     
إن الأرض، في هذه القصيدة، تصبح يما يبحر فيه الشاعر شوقا نحو الحبيب الذي لا يسمى، إذ يتعالى عن الإسم ويجل عن أن ينعت بحرف. ويؤكد الشاعر أن هذا الخوض في غمار اليم لا يخلو من هم ومكابدة. ومتى كان العشق في معناه الصوفي مجردا من الألم وحرائق الصبوات؟! ومتى كان العشق مجردا من حنين إلى لقاء المحبوب. يقول الشاعر في نص "رواح" من الديوان الثالث:"إليك انتهيت":
أنشر الريح بالريح
تنشرني،
ثم تتركني نهب ريح أشد!
أطفأ العمر نزف الحنين..
ليس في الوقت متسع للرثاء..
وما لا تطيق الحروف
ليس في الوقت متسع للبيان
وقد لاح من شرفة الروح حيْن
تسلل من خلل العمر..
يسألني..
ثم يسألني عن رواح؟
أبوء بكل الخطايا..
بكل الذنوب..
وألمح ذاتي هلامية
في فضاء!"(إليك انتهيت، ص. 22)
بهذه النغمة الشجية يتغنى الشاعر بآلامه الذاتية، وهي آلام نابعة من معاناة روحية، من أسى شفيف مثقل بوقر الذنوب وثقل الخطايا، إلى حد تصير الذات هلامية تسيح في الفضاء شوقا وهياما إلى رواح، إلى فناء في الحبيب يمحي الشجن ويعفي على نزف الحنين.
إن الشاعر يوقع ألحانه عن الوجود والذات استنادا إلى هذه الرؤيا الصوفية التي تطبع نصوصه ببلاغة تصويرية شفيفة رائقة، وعبر نصوص مكثفة خفيفة الإيقاع، لكن ميزان دلالاتها وإشاراتها ثقيل، كما لمسنا في النصوص السابقة، وكما يتأكد من خلال قول الشاعر، في النص الأخير الذي ختم به ديوانه الثالث، وهو بعنوان "طريق":
وضعت قدمي
طريق ندمي،
كنست كل شيء..
فَراشي لا إلاه
وحده
لا شريك."(ص.40)
هكذا يشمل هذا النص المكثف معاني وأبعاد كثيرة مما أشرنا إليها أعلاه، وهو نص يؤكد المعاناة في القربى، ويبين أن الذات كنست كل ما عدا المحبوب الذي إليه المنتهى، وأن غور هذه الذات ينبض الإله وحده لا شريك له. وبهذه الدورة في الدواوين الثلاثة تبدو الذات ناظرة إلى ذاتها وهي في اتصال ووصال مع سر الوجود، مبتداه ومنتهاه. وهكذا تقول القصيدة ما تقول في لغة تشير وتومئ، قبل أن تبوح وتفصح، بهذه الشاكلة يشكل الشاعر عبد اللطيف شهبون متخيله ناظرا إلى ذاته وإلى الوجود والحياة.  

 


·         قدمت هذه القراءة في اليوم الذي عقدته مندوبية وزارة الثقافة بطنجة ومؤسسة سليكي إخوان احتفاء بالشاعر عبد اللطيف شهبون في سياق اللقاءات التي تعقدها المندوبية تحت شعار "لقاء الشهر".

 

 


 
   
 
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=