http://kouttab-al-internet-almaghariba.page.tl/
  الفلسفة تنزل من برجها العاجي
 

الفلسفة تنزل من برجها العاجي إلى قارعة الطريق
أنا أتفلسف إذن أنا سعيد
باريس: أنيسة مخالدي

«الفلسفة للجميع» من العمال إلى كبار الموظفين.. وهي إضافة إلى أنها تريح المعذبين وتشفي النفوس المريضة بمقدورها أن تكون وسيلة لمساعدة المديرين في اتخاذ القرارات ومنقذ الأطفال للحفاظ على براءة دهشتهم.. الفلسفة في كل مكان في فرنسا إلا في المدارس والجامعات حيث يخفت نجمها بقوة.. كيف أصبحت الفلسفة في متناول كل الفرنسيين؟ وما هو مستقبل هذه الظاهرة؟ طالما اقترن ذكر الفلسفة بالمناقشات النظرية الغريبة والمعقدة، وطالما اتهمت بالعقم ببعدها عن الواقع اليومي البسيط، وتساءل البعض: ما فائدة الاستمرار في تدريسها ما دامت لا تفيد الإنسان في حياته، بل إن الكثيرين تنبأوا بموتها واختفائها نهائيا من مدرجات الجامعات ورفوف المكتبات. لكن الانتعاش الذي يشهده هذا العلم في فرنسا والأصداء الإيجابية التي يلقاها عند شرائح اجتماعية مختلفة، جاءت لتفند كل هذه المزاعم. الفلسفة التي حملها أفلاطون وابن رشد لأجيال بشرية متوالية، باتت تستقطب في فرنسا جمهورا واسعا من الهواة، يقبلون عليها حبا وطواعية، دون أن يكونوا من المتخصصين فيها أو حتى من حملة الشهادات العليا. * مقاهٍ فلسفية * المقاهي باتت المنابر الجديدة التي تجمع هواة الفلسفة حول فنجان قهوة في فرنسا، حيث تضم الجلسات عمالا، موظفين ومتقاعدين، لنجد أن التفلسف في متناول أي شخص. التقليد الذي أطلقه الفرنسيون في بداية تسعينات القرن الماضي على يد الفيلسوف مارك سوتي، أسهم في إخراج الفلسفة من أبراجها العاجية إلى بساطة الشارع. وهو ما أصبح يعرف تحت مسمى «فلسفة الحانة» التي تفسح مجال النقاش والمجادلة الفكرية لجمهور واسع لا يقتصر على النخبة. الظاهرة عرفت رواجا كبيرا حتى فاق عدد هذه المقاهي اليوم المائتين، معظمها متمركز في باريس والمدن الكبرى. وإن كانت هذه المقاهي تفتح أبوابها لجمهور عريض دون النظر لمؤهلاتهم، فإنها تفرض عليهم آدابا معينة للمشاركة تنشرها في ميثاق خاص بها. من أهم بنود الميثاق: عدم احتكار الكلام، أو التفوه بعبارات جارحة أو عنصرية، أو مضايقة الآخرين بالتدخين، وهي تعلن عن مواعيدها الأسبوعية أو نصف الشهرية على مواقعها على الإنترنت، كما يشارك الجميع في اختيار موضوع النقاش. من «المقاهي الفلسفية» ما يتمتع بشهرة عالمية كمقهى «لا فرور» الواقع بحي سان جرمان دو بريه، الذي كان يرتاده الفيلسوف جان بول سارتر وسيمون دو بوفوار. وهو المقهى الوحيد الذي ينظم أمسيات فلسفية بلغة شكسبير. وهناك مقهى «لوفار» في حي لاباستي التاريخي الذي كان الفيلسوف الراحل مارك سوتي، أول من نظم فيه أمسيات فلسفية في ربيع عام 1992. جاك داميانت، الباحث في المدرسة العليا للعلوم الإنسانية، زار عددا من هذه المقاهي، واحتك بجمهورها لمدة سنة كاملة ليخرج منها بدراسة وافية، كشفت عن نتائج مذهلة، كأن نعلم مثلا أن أغلبية المشاركين هم من النساء من مختلف المستويات الاجتماعية والثقافية، فمنهن طالبات وموظفات وربات بيوت. وإن كان جمهور هذه المقاهي عموما من المتعلمين، فإن منهم المتقاعد والعامل. الدراسة تكشف أيضا عن أن أساتذة الفلسفة لا يمثلون إلا قلة قليلة من جمهور هذه المقاهي، وهم غالبا المنشطون أو المشرفون على هذه اللقاءات. كما يتبين من خلال الدراسة أن الحافز الأول وراء هذا الإقبال هو: اكتشاف أساليب تفكير مختلفة وتبادل وجهات نظر مع شخصيات جديدة، إضافة لإمكانية الظفر بأجوبة لنقاط استفهام كثيرة تفرضها الحياة اليومية. وهو ما يفسر أن تكون مواضيع مثل: ما هي السعادة الحقيقية؟ هل الإنسان شرير بطبعه؟ أو ما هو الموت؟ على رأس قائمة المواضيع الأكثر مناقشة في هذه المقاهي. يختتم الباحث الفرنسي دراسته بالتأكيد على أن هذه الفضاءات الفكرية لم تكن لتظهر لولا وجود حاجة اجتماعية أكيدة. فالنزعة الفردية التي أصبحت تميز مجتمعاتنا ومشاعر القلق والخوف من المجهول تدفع بنا للبحث عن أجوبة تبعث في نفوسنا شيئا من الهدوء والطمأنينة. وهو ما تمنحه الفلسفة لهؤلاء الأشخاص، مما يبرر شعار «أنا أتفلسف إذن أنا سعيد». وإن كانت الفلسفة قد نزلت إلى الشارع لتوسع الآفاق الفكرية للمواطن البسيط وتجيب عن تساؤلاته المزمنة، فهي أيضا أسهمت في خلق اختصاص جديد قادر على تخفيف أمراضه النفسية وحل مشكلاته المهنية. هذا على الأقل، ما يزعمه فلاسفة من طراز جديد، استبدلوا الثانوية والجامعة، بعيادات خاصة للتداوي بالفلسفة أو ما يسمى بـ«الفيلوتيرابي». وهي طريقة تعتمد على تبادل حوار فلسفي بناء بين خبير في الفلسفة ومريضه لتمكينه من تحديد ماهية المشكلة التي تؤرقه. هذا الاستخدام الجديد للفلسفة، حسب المدافعين عنه، ليس إلا «عودة للأصول». فالفلسفة سميت قديما بـ«شفاء النفس» وقدماء الفلاسفة اليونانيين كانوا يعتبرون أيضا «معالجين روحانيين». ولمن قد يختلط عليه الأمر بين حابل الفلسفة ونابل علم النفس، يجيب الفيلسوف الفرنسي أوسكار برنيفي بأن «التحليل الفلسفي يختلف عن التحليل النفسي في أهدافه ووسائله، فبينما يعتمد الأول على الحوار الثنائي ويذكر الفرد بأنه ليس وحده من يعاني وأن أزمته مربوطة بوضعه كإنسان، يشجعه الثاني على سرد مشكلاته على شكل مونولوج وكأنه يقول له إن ما يعاني منه هو شيء خاص به وحده، وألا أحد غيره يعاني مثله». برونو غولياني، خبير استشاري وأستاذ للفلسفة ينشر على موقعه الخاص مثلا شهادات من عيادته: ماري التي كانت تعاني كآبة مزمنة بعد طلاقها، تقول إنها الآن أكثر حماسا، بعد أن أصبحت تهتم بالفلسفة وتشارك في مناقشات بالمقاهي ومحاضرات. تتابع ماري أنها أصبحت تنظر إلى الحياة بمنظار جديد بعد أن اكتشفت الفلسفة عبر كتابات شيقة مثل كتاب «عالم صوفي» الشهير وكتابات أندريه كونت سبونفيل عن السعادة التي أقنعتها بأن الأهم من «البحث عن السعادة» هو أن نعيش اللحظة الآنية بكل إيجابياتها، دون أن ننتظر شيئا من المستقبل. أما سيلفي فهي تزعم أنها استطاعت في ظرف ساعتين احتواء مشكلة عقدة الذنب التي تعاني منها، وهو ما لم يفلح فيه محللها النفسي بعد عشر سنوات من العلاج. نفس الاستشاريين ينشطون في مجال العمل، فنراهم يقترحون خدماتهم على مديري الشركات ومسؤوليها ممن يصادفون مشكلات في عملهم. «كريشندو» مثلا مكتب للاستشارات الفلسفية يقترح على موقعه «مساعدة الموظفين الكبار في الوصول إلى القرارات المثلى بتكوينهم على طريقة التفكير المنطقي». أما جان إيف دوغور الذي يقدم نفسه على أنه استشاري فلسفي ومدرب فهو يتوجه للموظف بقوله: «هل تشعر بأنك نسيت نفسك من فرط اهتمامك بالآخرين؟ هل تريد أن تنظر إلى حياتك بطريقة جديدة؟ هل تريد أن تعيش دون قلق، وأن تحسن علاقتك بزملائك في العمل؟ اتصل بي، فخبرتي كفيلسوف واستشاري ستفيدك في الوصول إلى الشفاء والاستقرار المهني. اهتم بنفسك ولا تظلمها». علما بأن الاختصاص ليس بجديد على المجتمعات الغربية. فمثل هذه العيادات الاستشارية تلاقي منذ سنوات رواجا كبيرا في الولايات المتحدة وأوروبا على يد شخصيات معروفة. لكن الحديث في فرنسا هو نمو هذا الاختصاص في غياب الأطر القانونية: فالاستشاريون الفلسفيون لا يخضعون لرقابة ولا يملكون، حتى الآن، نقابة خاصة بهم. * في وسائل الإعلام أيضا * الفلسفة حاضرة بقوة أيضا في المكتبات ووسائل الإعلام بفضل جيل جديد من الفلاسفة يعتمدون في شرحهم للنظريات الفلسفية على أسلوب سلس بسيط يصل إلى عامة الناس. الفيلسوف أندريه كونت سنبوفيل يشرح في كتيبه «السعادة بلا جدوى» دار نشر «ليبريو»، كيف نصل للسعادة الحقيقية، عارضا نظريات شوبنهاور وأفلاطون وسبينوزا بأسلوب بسيط، جعله يحطم أرقاما قياسية في عدد المبيعات. الصدى الإيجابي نفسه حققته كتاباته الأخرى مثل «الكتيب الصغير للقيم السامية» و«طعم العيش». وهو ينتمي لجيل الفلاسفة الجدد الذين يحاولون إخراج الفلسفة من عزلتها الأكاديمية، وجعلها أكثر «إنسانية». هذا الجيل الجديد من الفلاسفة خلافا لسابقه أكثر حضورا في وسائل الإعلام، دائم الحرص على ربط كتاباته بانشغالات الناس: كأن نرى مجموعة منهم مثل كاوود لانسولان، آلان فنكغولت أو فرانسوا بيغودو وآخرين، وهم يعلقون بإسهاب في التلفزيون والإذاعة والصحافة على موضوع قد يبدو جديدا على الفلاسفة وهو «هزيمة فريق كرة القدم الفرنسي في مباريات كأس العالم الأخيرة». النزعة نفسها حاضرة عند زملائهم الأوروبيين أيضا. فالنرويجي جوستان غاردنار مؤلف كتاب «عالم صوفي» عرض بأسلوب قصصي مثير تاريخ الفلسفة عبر حكاية مراهقة حتى أصبح كتابه محطة مهمة لفهم هذا العلم. وكذلك الإيطالي لوشيانو دو غريسانزو الذي نجح في شرح أهم نظريات الفلاسفة اليونانيين في 500 صفحة (كبار الفلاسفة اليونانيين) بأسلوب مرح خفيف، فنراه يقارن مثلا مفهوم الجمال بهدف لاعب كرة معروف، أو يروي نوادر عن الفلاسفة، كما نراه يعلق في بداية كتابه على نظريات قدماء الفلاسفة مازحا: «ما زلت أجد صعوبة في استيعاب لغو هؤلاء الأساتذة، وأنا أشك صراحة في أنهم كانوا يكتبون لزملائهم وليس لتلاميذهم». قسم آخر من الفلاسفة تألق في الإذاعة والتلفزيون ببرامج تعليمية تشرح نظريات ديكارت وأفلاطون، وما هي المسؤولية أو الحرية بأسلوب يفهمه العامة. أشهرها برنامج «فلسفة» الذي تبثه القناة الخامسة كل أحد. والذي تميز ليس فقط بطريقة طرحه ولكن أيضا بشخصية منشطه الفيلسوف غرافئيل أنتوفن. حيث إن الزوج الأسبق لكارلا بروني ساركوزي والد ابنها الوحيد، لا يذكرنا في شيء بصورة الفيلسوف التقليدي فهو شاب ووسيم ويشبه نجوم السينما وغالبا ما تحتل أخباره العاطفية صفحات المجلات. * النقطة السوداء: تتراجع في المؤسسات التعليمية * بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة، 18 نوفمبر (تشرين الثاني) نشرت «اليونيسكو» تقريرا تؤكد فيه هذه الشعبية التي تلاقيها الفلسفة في الأوساط العامة، لكنها في الوقت نفسه، تسجل بأسف تراجعها في المؤسسات التعليمية. فالفلسفة لا تزال مشكلة بالنسبة لطلبة البكالوريا الذين يرونها عقبة في طريق وصولهم للجامعة. أما المعاهد والجامعات فهي تغلق أقسام الفلسفة الواحد تلو الآخر وكثير من الأساتذة يلقون دروسهم أمام مدرجات شبه فارغة من الطلاب. وزارة التربية الفرنسية أكدت أيضا هذه الحقيقة في دراسة لها عام 2008، واصفة هذه الوضعية بالمؤسفة، خاصة أن المستوى التعليمي قد شهد تحسنا، وكذلك عدد أساتذة الفلسفة الذي بلغ 5000 أستاذ. والحل ربما وجده الفيلسوف والمخرج اللذان أطلقا تجربة فريدة من نوعها تتمثل في فتح ورش للدردشة الفلسفية لأطفال في مرحلة الروضة لمدة سنتين. التجربة خرجت للنور في شكل شريط سينمائي ظهر في الصالات بعنوان «هي بداية فقط». يظهر فيه الفيلم أطفال الروضة وهم يجيبون عن أسئلة المدرسة التي تسألهم عن «الحرية»، «الحب» أو «الموت». علما بأن هذا المشروع التربوي الطموح، يستلهم فكرته من الاعتقاد السائد عند الفلاسفة من أن الطفل هو متسائل كبير، ولا أحد قادرا على الاندهاش مثله. هذا الاندهاش بالتحديد هو «أول خطوة نحو العلوم الفلسفية» حسب أرسطو. أما منتجة الشريط فهي تقول إن الفكرة أعجبتها بعد أن سمعت الفيلسوف الفرنسي ميشال أونفري يقول إن «كل الأطفال فلاسفة، لكن القليل منهم فقط من يبقى كذلك». وإن كانت التجربة في بدايتها، فإن النتائج حسب جميع الملاحظين إيجابية، يكفي فقط أن نتعرف على ملاحظات الأطفال المدهشة ونلحظ قدرتهم على التركيز واحترام كلمة الآخر. وهو ما ليس بالهين بالنسبة لأطفال في مثل هذه السن. قد تكون مشكلة الفلسفة هي السجن الذي وضعها فيه الأكاديميون، لكن وجود المقاهي الفلسفية، المحاضرات، الورش والبرامج التلفزيونية الخاصة بهذا العلم وكل مظاهر الشغف الأخرى دليل ساطع على أن الفلسفة قادرة على الانبعاث من رمادها. والخلاصة، ربما، وجدتها إحدى المشاركات في مقهى فلسفي حين قالت: «بكل تواضع، نستطيع أن نقول إن الفلسفة ستحيا ما دام هناك أناس بسطاء مثلنا تمتلئ أذهانهم بأسئلة كثيرة».
 

 
 
   
 
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=