http://kouttab-al-internet-almaghariba.page.tl/
  لا نهائية الأحلام وحدود الواقع
 
لا نهائية الأحلام وحدود الواقع
كتبها : مجموعة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة في الأربعاء، 22 ديسمبر، 2010 | 0 التعليقات


لا نهائية الأحلام وحدود الواقع
أحمد محمد الموسوي

إن الآلهة تستخدم الأحلام لإيصال تعليماتها إلى الناس)
هوميروس)

تاريخياً كان الحلم هو صامولة التنفيس في قِدْر القمع والكبت الذي تمارسه المجتمعات بسلطاتها
المختلفة على الأفراد.. وهو الذي يرسم تلك الفتحة في شباك سجن الأوامر والنواهي التي تغري الإنسان دوماً للهروب من خلالها إلى فضاء الحرية والأمل
وعلى ذلك لعبت الأحلام دوراً بارزاً في تشكيل وعي المجتمعات البشرية عبر تاريخها الطويل، وكانت بمثابة الكوة أو الثقب في الجدار الذي ينظر من خلالها الإنسان – الفرد والمجتمع – إلى ما وراء المحسوس متلصصاً على مستقبله أو ما استغلق على عقله وإدراكه تفسيرَه وفهمَه.. وقد حملت لنا ميثولوجيا الشعوب الكثير من المآثر والروايات عن هذه الظاهرة والتي ارتبطت في عمومها بعوالم ما ورائية مقدسة، كان مجال اشتغالها على الدوام وبامتياز هو الغاطس الاجتماعي والنفسي للفرد والمجتمع.
يشير (فرويد) في كتابه (الموجز في التحليل النفسي) إلى أن ثمة طريقين لتكوّن الحلم، فهو (إما أن يكون لحافزٍ غريزي مقموع عادة (رغبة لا شعورية) من القوة ما يكفي للتأثير في الأنا أثناء النوم، أو أن يتسنى لميلٍ مستبعد من حياة اليقظة، أي لسلسلة من الأفكار القبلشعورية وتزداد في النوم قوة بانضمام عنصر لا شعوري إليها).
فالأحلام تشكل لدى عامة الناس تعويضاً عن عالمهم المؤلم، تارة كونها ترسم خيط أملٍ شفيف يسكن بين ثنايا رموز وتفاصيل عملية الحلم، أو تأخذ شكل إنذار مرموز له بوقوع محذور تارة أخرى.. وفي كلا الحالتين هي تحتاج بالضرورة إلى من يتصدى إلى تأويلها وتعبيرها.. والحلم بتعبير آخر هو المسكوت عنه في الواقع المعاش، وهو منطقة التابو الاجتماعي والنفسي، المبهم، العصي عن الفهم أو الإدراك.. وهو بهذا المعنى يكون الوسيلة التي يلجأ إليها الإنسان لاختراق هذه المنطقة وتفتيت مستغلقاتها.
لاشك أن الإنسان يشعر وهو مقذوف وسط هذا العالم المترامي والشاسع أنه لا يستطيع بأي حال أن يحيطه علماً بحواسه المجردة، وهو من جهة أخرى لا يمكنه أن يركن للسكون والدعة فيما يجد نفسه أبداً في مواجهة قوى كونية مجهولة وعاتية، ومسكوناً في الوقت نفسه برغبة شديدة في فك طلاسم هذا الوجود ومجهولاته، سواء ما كان منها متعلقاً بذاته وحياته اليومية، أو ما كان مخبوءاً في عمق السماوات وباطن الأرض..
ومع اكتمال هذه الصورة يقف أمامنا الحلم كأحد أهم الوسائل التي أتاحت للإنسان في عملية استخدامها القفزَ على عوالم المجهول للإمساك بـ(الحقيقة) أو بلحظة (الحقيقة)، أيَة حقيقة كانت، حتى لو أنها مجرد وهم!!.
وهو – أي الحلم – بقي يلعب دور الكاشف عن البخت والحظ، والمبشر أو المنذر، والدال على ما ستؤول إليه الأمور على صعيد الأفراد والجماعات.
وعلى سبيل المثال، يتذكر الكثير منا كيف كان يلعب الحلم دور السونار الكاشف على ما في الأرحام ليقرر في لحظة إشراق إن كان ما فيها ذكراً أم أنثى.. وكيف كانت نساؤنا يفتشن عن ذلك في مناماتهن ومنامات أطفالهن كلما اقترب موعد ولادة إحداهن.. وكيف أن هذه الظاهرة انعدمت اجتماعياً بعد أن أصبح بمقدور المرأة أن تذهب للكشف لدى الطبيب من خلال أشعة السونار لتعرف كل ما يتعلق بجنينها وهي تنظر إليه.
وهكذا يزداد الخط البياني للرضوخ لسطوة الأحلام وتعبيرها صعوداً كلما ارتفعت حالة اليأس والقنوط في المجتمعات البشرية - أفراداً وجماعات -، فكلما هبط مؤشر معدلات الأمل وتوقفت العقول في يقظتها عن أن تأتي بحل معقول، لجأ الناس إلى الحلم باحثين فيه عن مخرج للنفوذ من مأزق النهايات المسدودة، منشغلين بتفسيره لصالح خلاصهم وراحتهم.
والمتتبع للواقع العراقي أيام حرب الثمان سنوات وحصار العقد التسعيني من القرن الماضي يلاحظ ذلك بوضوح، حيث كان الناس - رجالاً ونساءً - دائبين أبداً للبحث عن تفسير لحلمٍ نطقَ به أحدهم كي يقفوا على مصير ولدهم المفقود في الحرب أو المغيب في المعتقلات أو حتى ليكشفوا عن موعد انتهاء أزمة من الأزمات التي كان – ولازال – يزخر بها هذا البلد المنكوب.. وكان الأمر يبدو شبيهاً بعملية هروب سريالية من جنون الواقع صوب لا معقولية الحلم، كمحاولة يائسة لتدجين الألم والسيطرة عليه.
هذه المقدمة بتشعباتها قد تفيدنا في فهم التالي
إن جزءً كبيراً من ثقافتنا يبدو وكأنه انعكاس لمجمل الصور السابقة الذكر.. فلازال المثقف العربي التقليدي يقف من خلال آليات تفكيره ودائرة اشتغاله في منطقة الحلم بعيداً عن جغرافية الواقع اليومي.. وهو – أي المثقف العربي – يرتكب ذلك باتجاهين
الأول حينما يستغرق في حلمه الماضوي هارباً من واقعه (الآثم) دائماً في تصوره، وهذا ما نجده واضحاً وجلياً لدى مجمل الحركات الأصولية أو التي تعتمد على (الماضي) كمحور اشتغال في خطابها الثقافي
والثاني حينما يحلم (المثقف) وهو على غير فراشه وخارج حاضنته وبيئته الاجتماعية ليستغرق في العصر بعيداً تماماً عمن يوجه لهم خطابه الحداثوي..
والغريب أن المثالين يصلان إلى نفس النتيجة وهي النقمة على مجتمعاتهم، والعزلة، التي هي حقيقة واضحة حتى لو تسنى لبعضهم بعض الوقت تحريك بعض الجمهور هنا أو هناك.
يقول “فرويد” في موضع آخر: (قد تناقض مضمونات الحلم أحياناً كل ما نعرفه عن الواقع... فنحن نسلك فيه سلوك المجانين لأننا ونحن نحلم نضفي صفة الواقع الموضوعي على مضمونات الحلم)..
إن الخط الفاصل بين الحدود القاسية للواقع الموضوعي وبين لا نهائية الحلم وأفقه المترامي بقيَ على مر سنين بعيداً عن إدراك ووعي المشروع الثقافي العربي، وكان كل من يخوض في تفاصيل الواقع وحدوده المحسوسة من المثقفين - على قلتهم - ومن يتعايش مع مفرداته بكل تفاصيلها دون الذهاب إلى ما ورائها سواء كان إلى الوراء أو إلى الأمام، هو في نظر معظم المشتغلين بالثقافة غريباً، غامضاً وغير واضح.. والحق أن المثقف الحقيقي (العضوي) حسب (غرامشي)، لابد له من أن ينغمس في مجتمعه وأن يستخرج ويستنبط أدوات تغييره من داخله، موجهاً بوصلة تفكيره دوماً باتجاهه، أي باتجاه الواقع وليس غيره

 
   
 
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=