http://kouttab-al-internet-almaghariba.page.tl/
  المثقف... وحقول الألغام غير المرغوب فيها
 
المثقف... وحقول الألغام غير المرغوب فيها
كتبها : مجموعة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة في الأربعاء، 22 ديسمبر، 2010 | 0 التعليقات
في الحالة المغربية
المثقف... وحقول الألغام غير المرغوب فيها
 
يحيى بن الوليد
ثمة تلامذة نجباء رصوا، وفي إطار من التلقف السريع لما يروج في سوق الغرب (الرأسمالي) من أفكار،على إشاعة فكرة 'موت المثقف' في الفكر العربي المعاصر، وكل ذلك في منظور سعوا فيه إلى الارتقاء بالفكرة إلى مصاف الأطروحة التي توحي بمطابقتها لـ'السياق' الذي راح يستوعب المثقف على مدار الفترة الأخيرة، وخصوصا في المدار الذي يكرس أو بالأحرى يخندق أطروحة الموت ضمن سياق فكري أوسع هو سياق 'خطاب النهايات'.
'النهايات السعيدة' كما اصطلح عليها الكاتب الفلسطيني فيصل دراج، مما يزيد من درجات التلذذ بهذه النهايات عملا بعنوان أو شعار يوحي بأنه يستجيب للمرحلة الراهنة في خطوطها العريضة ودونما تقدير لتفاصيلها الدقيقة وعناوينها الفرعية وجبهاتها المتداخلة.
واللافت للنظر، هنا، هو محاولة تأطير أطروحة 'نهاية المثقف' ضمن 'نهاية الإيديولوجيا'، مما يجعل المثقف يسهم في تكريس ما تسعى إلى تكريسه ماكينات الإعلام الموجَّهة والمبرمَجة التي تجعل من المجتمعات مجالا لخطابها، ذلك الخطاب الذي يصر على 'سحق المثقف' الذي يسعى إلى إشاعة مناخ جدير باجتراح أفق ثقافي نقدي حريص بدوره على 'قلب الأسئلة الراكدة' في أفق تقديم 'الإجابات القلقة' التي هي علامة على حضور المثقف في قلب الحراك الثقافي والواقع الإيديولوجي، وكل ذلك في المدار الذي لا يفارق الوعي بمجمل المتغيرات والتبدلات الحاصلة في أنساق التصور والإدراك.
غير أنه، وقبل النبش في 'ثقافة السؤال'، لا بأس من التذكير بخطورة دعوى 'موت الإيديولوجيا' التي تغدو، وفي ظل الاستعمال المقصود، لا مجرد عنوان على 'عطالة المثقف' فقط، وإنما علامة على نوع من 'الانسحاب المدروس' لهذا الأخير من 'الفضاء العام' وبالتالي التنصل من أداء دوره المفترض في إطار من معادلة 'المثقف والمجتمع'. أجل ثمة مستوى في الإيديولوجيا قد لا يتم الاتفاق حوله، وخصوصا في المنظور الذي كان يقرنها بمضامين متصلبة وخشنة، مما كان يجعل من المثقف 'وقودا' في 'حريق ثقافي' قوامه 'الشراسة الإيديولوجية' أو 'العلف الإيديولوجي' الذي كان لا يفارق، ومن زوايا متعددة، نوعا من 'التخندق الإيديولوجي' الذي كان لا يقبل بـ'التراجع'. هذا وإن كانت المرحلة بدورها، وفي سياق حلم 'الإنتلجينسيا'، وفي فترات سابقة، تحفز على هذا النوع من الأداء اللاهب، والصادق... وكل ذلك في المدار الذي كان لا يفارق 'كمين الإيديولوجيا'.
وليس نشازا أن يتم الاعتراض على الفهم المتصلب للإيديولوجيا، لكن في المنظور الذي لا يفضي إلى التأكيد على موت هذه الأخيرة وتنحيتها من الأفق النقدي سالف الذكر. فالحضور الإيديولوجي مصاحب وملازم داخل النقاش الثقافي، وكامن في التقويم السوسيولوجي لإنتاج الأفكار وانتشارها في المجتمع. ولا نعتقد أن محاولة تدبير 'الانفجار الثقافي' تخلو من 'لوثة الإيديولوجيا' ومن 'التحيز المقصود'. فلا يمكن للمثقف أن يلتزم 'الحياد الثقافي'، أو حتى 'البرود العاطفي'، في أثناء التعامل مع قضايا أو بالأحرى 'ألغام' مثل 'الهوية' و'التدين' و'القبلية' و'المعتقد'... إلخ. بل إن المشكل ذاته كامن، وعلاوة على ما سلف، في الجذر ذاته: جذر المثقف الذي يتكشَّف الحديث عنه عن بعد إيديولوجي.
والإيديولوجيا لا تخلو من 'دافعية' هي قرينة تحفيز المثقف على التأكيد على حضوره النقدي الذي يسهم في تحريك الأسئلة المصمتة في أفق تنشيط الواقع الثقافي والحراك الفكري، مما يؤكد على دور هذا الأخير ونجاعة أدائه من ناحية 'الأفكار' ذاتها التي هي أساس الإيديولوجيا وخصوصا تلك الأفكار التي تتحول ــ في الطرح الماركسي ــ إلى 'قوة مادية' تتأكد من خلال جملة من المسلكيات والتمفصلات والمواقف والردود. فالإيديولوجيا 'نسق من التمثيلات'، إضافة إلى أنها 'مستقلة نسبيا' تبعا لدارسها المؤرخ المغربي الأبرز عبد الله العروي؛ وكل ذلك في دلالة على الأفكار التي تتحدد من تلقاء ذاتها وهي تنسج علائقها معقدة الأطراف مع الواقع/ واقعها.
والفرد، في النظر الأخير، مجلى لأفكار متعينة تعمل على 'تنميطه' و'قولبته'، مجلى لـ'خطاب' وبالمعنى الحفري للخطاب الذي يجعل من المجتمع مجالا له، أو بلغة النقد الثقافي هو مفعول نسق ثقافي سائد (ومفترس ابتداءً). وليس ضروريا أن يكون الفرد على قدر عال من التكوين المعرفي، بل قد يكون عديم الصلة بهذا التكوين. وهذا الصنف الأخير هو الأسهل لـ'ماكينات التجييش' و'الشحن الإيديولوجي'. ذلك أن الأفكار المتطرفة، والأصولية، تعمل عملها من خلال شبكة تواصلية تحتية ومضمرة، لكنها تخاطب، وبشكل صريح ودون دوار، القاع المجتمعي الغفل. القاع الذي يصعب، راهنا، مخاطبته، واختراقه بالتالي، اعتمادا على لغة 'الناخب المناضل' بمفردها. لقد ولّى عهد 'الجماهير العمياء' و'عهد الاستبلاد والحماريات'. والخطورة كامنة في مستوى الخطاب ذاته، وخصوصا في المدار الذي يقرن المجتمع بتأثير الخطاب. وفي هذا السياق أمكننا التذكير بعبارة ميشال فوكو حول 'هيمنة المجتمع الخطابي'.
وهناك أيضا المجال العولمي المتمثل بالتكنولوجيا الإلكترونية والانفجار الإعلامي وتعدد شبكات التواصل ووسائط الإعلام. ويهمنا، هنا، وأكثر، أن نشير إلى 'التلفزيون' الذي لا ينبغي الاستهانة بأدواره التحويلية الملموسة. فجميع الأشياء صارت 'تمر عبر الشاشة' كما يقال، و'إنما الأمم التلفزيون' إذا جاز لنا أن نحوّر عبارة الناقد الأبرز رايموند ولياميز 'إنما الأمم السرد'. غير أن دور التلفزيون يتعدى آفاق 'البث' و'النقل' نحو أنفاق 'التوجيه' و'البرمجة' بل و'القولبة'، وبعمليات يصعب رصد مراحلها ومحطاتها وفواصلها... لأنها تعمل بطريقة مركبة أو دفعة واحدة. هذا بالإضافة إلى ما يوفره التلفزيون من 'معرفة' تنعت بـ'المعرفة التلفزية'، وخصوصا في صفوف النساء. لقد انتزع التلفزيون الأدوار وصار يصرف 'إيديولوجيته' عبر الصورة التي صار إخراجها، في عرف نقادها، أهم من مضمونها.
غير أن التحولات سالفة الذكر لا تعفي المثقف من مواصلة أدائه القديم/ الجديد، لأنه لا يزال مطلوبا منه الحفاظ على مرتكزه السياسي الذي يضمن له التحرر من 'الشواطئ' و'المنابر' و'الصالونات' و'الهوامش'... إلخ. وكل ذلك بالاعتماد على 'آلة التحليل' و'شحنة التعليق'، وبالاتكاء على 'المقال' و'السجال' و'الحوار' و'المناظرة'... وغير ذلك من الأشكال المتاحة لتسريب 'الأفكار'. ومثقف من هذا النوع لا يمكنه أن يكون 'عابرا' أو 'سائحا' أو 'خبيرا' أو 'حاسوبا'. ومثقف من هذا النوع كذلك لا يمكنه أن يكون إلا صادما ومزعجا ومخلخلا لكل ما هو متكلس وراكد أو على الأقل معبِّرا عن شرف إلقاء الحجر في البركة الراكدة والآسنة.
وقد يعترض معترض، هنا، بأن المثقف الذي نحوم حوله هو نموذج 'المثقف الملتزم' عند جان بول سارتر ونموذج 'المثقف العضوي' عند غرامشي... والنموذجان معا يرتبطان بمرحلة كان لها ما يبررها سابقا بل ويرتبطان بسياق عالمي (سابق) كان يموج بدعاوى كثيرة في مقدمها دعوى فك الاستعمار، ودون التغافل عن أحلام الوحدة والاشتراكية والتقدم وزوال إسرائيل الأكيد (كذا)... وغير ذلك من الدعاوى التي كانت تلقي بظلالها في العالم العربي على مدار الستينيات النازلة والسبعينيات الصاعدة. غير أن دعوى هذا المثقف لا تزال واردة، لكن في سياق آخر مغاير هو سياق 'المثقف النوعي' الذي لا يفرط في 'فضيلة الالتزام'. فدور هذا المثقف لا يزال حاضرا، وهو كفيل بأن يجعل هذا المثقف ينأى عن العطب والشللية والخنوع.
ولا نعتقد أن اليسار ولـَّى إلى غير رجعة كما يزعم البعض، ولا نقول 'لا يسار ولا يمين' تبعا للعبارة الماكرة التي لا تخلو ــ في النظر الأخير ــ من تحيز أعمى لـ'اليمين' وبـ'الفهم المغربي' أو 'الثالثي' لليمين. فاليسار لا يزال قابلا لـ'الترهين'، لكن من خارج دوائر 'الدوغمائية' و'الغوغائية'؛ تلك الدوائر التي لا تحيد عن المطالبة بلغة واحدة وهوية واحدة وفكر واحد، مما يعيد إلى الأذهان تسمية 'اليعاقبة' (Jacobins) التي سترتبط فيما بعد بالجناح السياسي اليساري المتطرف وبمطلب 'الدولة اليعقوبية'. اليسار الذي نتصوره، هنا، يسار من نوع آخر ويستجيب لـ'للانفجار الثقافي' و'التصدع الهوياتي'... ويستجيب لبروز قضايا جديدة مثل 'البيئة' و'الجاندر' و'حقوق الإنسان'... إلخ. إنه 'اليسار الأكاديمي' أو 'اليسار المتعدد' أو 'ما بعد اليسار'... وغير ذلك من التسميات القريبة التي تؤكد على استمرارية دور المثقف.
ولعل واحدة من آفات المثقف المعاصر هي اعتقاده في 'أفول السياسة' و'نهاية اليوتوبيا' بدليل أننا نعيش ما يعرف بـ'المجتمعات ما بعد السياسية'، كما يسميها جاك رانسيير، تلك المجتمعات التي لم تعد السياسة فيها هي المقوّم للهوية الجماعية المشتركة ولا المحدد لهوية الأفراد... أو بدليل أننا نعيش 'عصر ما بعد التيارات'، مما يسارع بهذا المثقف إلى أن يساوي ما بين التيارات ويلغي بالتالي ــ وبسهولة وثقة ــ الفروق بينها، وكل ذلك قبل أن يقفز عليها. وتكون الخلاصة، هنا، مثقف زئبقي ومتشظ وعدمي. مثقف ينتقل من موقف إلى آخر بل ونقيض وبما يفوق سرعة الضوء ودون أدنى 'حرج' أو 'حذر'، وكأنه ينتقل من بيت إلى بيت آخر داخل الشقة نفسها. وهذا إذا كان لديه شعور بهذا القفز أم أن 'لا شعور التشتت والتصدع' يجعله لا يعي بهذا التوزع.
والظاهر أن المثقف يتحرك في مجال صعب ومعقد، مجال لا يمكن الاطمئنان إلى رصده أو فك مداخله أو مغاليقه. مجال معاكس ومضاد للمثقف الذي يخلط النقد بالحلم بل ويستبدل بالأول هذا الأخير، مما يجعله يشعر بأنه ضد التيار أو أنه يحاول إدخال جمل في ثقب إبرة. غير أن هذا الوضع الخانق لا يعني أي نوع من الانتهاء إلى الموقف التبريري الذي بموجبه يعلن المثقف استقلاله عن الخوض في الألغام، وخصوصا في المدار الذي يفضي به إلى الانتماء لجوقة المثقفين المسايرين والخانعين والعارفين بقواعد اللعبة وأسرارها الخفية. وكل ذلك لا يتم إلا عبر الولاء والولاء المفرط، ذلك الولاء الذي بموجبه يفقد المثقف نسغه المعرفي والأنطولوجي في الوقت ذاته، ومما يجعله ــ وعقلا وجسدا ــ بدون 'عمود ثقافي'، أو حتى 'عمود فقري' تبعا لتوصيف خيري منصور، ومما يجعله أشبه بالسنبلة التي تتلاعب بها رياح التيارات والنظريات والقراءات والمواقف، وكل ذلك في المنظور الذي يفضي به إلى أن يبدو كائنا في حيز الترقيع والتوليف إن لم نقل يبدو نموذجا لـ'المثقف الفزاعة'.
إننا لا نطلب من المثقف أن يغطس في 'حرب تلد أخرى'، وأن يلخص حضوره في السجال والخصام وعلى النحو الذي لا يجعله، وأبدا، يفارق 'الخط الأمامي من المواجهة' وكأن تواجده في هذا الخط قدر أو مصير لا فكاك له منه... في سياق تتعدد مصائره وتتدافع سياقاته. على أن ما سلف لا يحول دون تخندقه في المواجهة ذاتها، لكن بفهم مرن يدمج التحليل بالتعليق وبالقدر نفسه يسرِّب الخلاصات والمواقف. فالمثقف مطلوب منه تعضيد سنده النقدي وبعيدا عن 'لوثة الجبن' التي بموجبها يتوارى عن التأكيد على أن العصر الذي نعيش فيه هو 'عصر الثقافة' و'عصر المثقفين'. الثقافة التي بدونها لا تتضح مشكلات الذاكرة والهوية والمجتمع والناس... والعصر.
وفي الحق فمشكلات 'الهويات القاتلة' و'الأصوليات المتصادمة'، ومشكلات 'الانشطار' التي تلوي بالأمة، ومشكلات 'التغريض' التي تطال 'استعمال' أو 'استعمالات الذاكرة'، لا تنحصر في العلاقات التي تصل ما بين الأمم فقط، وإنما تنشط حتى في الداخل وبأشكال تغيب فيها 'فضيلة الحوار' و'سماحة النقد' لفائدة 'خطاب' لا يخلو من شراسة ووقاحة. وهذا النقاش يظل، وبالنظر للانفجار الثقافي، مرشحا للتصاعد. والمثقف مطالب بالحضور على هذا المستوى وبلغته التي تسعى إلى أن تسهم في 'تدشين أفق نقدي' يحد من هذه الأشكال، ذلك أن 'الجانب الثقافي' يشتغل بدوره وقد يكون هو الأخطر مقارنة مع 'الجانب السياسي' الذي لا يبرز إلا في نقاشات محددة ومرتبطة بمناسبات محددة.
المثقف مطالب بأن يخوض في الألغام، أو 'حقول الألغام' تبعا لعبارة علي حرب التي لا أكف عن تكرارها، حتى وإن كان ذلك قد يعرضه لبعض الأذى. وكان الروائي المصري الأبرز نجيب محفوظ (1911 ــ 2006) قد أشار، وفي واحدة من أفكاره الدالة، والثاقبة، إلى أن أول ما يصطدم به الكاتب هو أبناء الحارة التي يقيم فيها، وخصوصا أولئك الذين تبدو بعض أوصافه وعباراته منطبقة عليهم. المثقف مطالب، في أحيان، بأن يعبر عن رأيه في القضايا الملحة وبجرأة الصوت النقدي الذي يسمع رنّانا. ومن ثم كان، وما يزال، 'الخصام'. ولمَاذا كل هذا القدر من الخوف من 'تسمية الخصوم'؟ وما الذي يمنعنا من أن نقول بأن زيدا 'إطفائي' وأن عمرا 'بايع ابن عرفة'... وكل ذلك في مدار جدير بترهين موضوع المثقف وبالتالي قياس مدى اقترابه من الألغام التي تلوي بالمجتمع الذي يحضر فيه.
وغير بعيد عن 'تسمية الخصوم' هناك 'مرض السؤال' الذي يسهم بدوره في تكريس 'الحالة المرضية' للمثقفين المغاربة. فالمثقف مطالب بأن لا يكتفي بالسؤال الذي يلتبس بـ'منظور ثقافة السؤال' لا 'منظور التساؤل الجذري'. المطلوب الخروج من هذا النفق والاعتقاد في جدوى 'الجواب' الذي تفرضه بعض القضايا. وفي هذا الصدد لقد سعدت، وكثيرا، بقراءة (العدد 104، 2009) (وفي حين صدوره) من مجلة 'Mani're de Voir' المكرَّس، وبأكثر من صيغة، لموضوع المثقف ذاته وإن من خلال عنوان حدي هو 'حرب الأفكار'. وقد قدَّم الملف، واعتمادا على مناظير مركّزة ومتنوعة ومركَّبة، جوانب عديدة من 'الصورة' التي انتهى إليها 'المثقف' وسواء في فرنسا أو خارجها. وكل ذلك بالتركيز على 'الأفكار' التي ترقى إلى مدار 'الخطاب' الذي يجعل من المجتمع، وعبر إواليات المضافرة متعددة الأبعاد، مجالا لتسرّب هذه الأفكار. وبالنظر إلى ما راح يعصف بالعالم، 'الجامح' كما نعته أنطوني جيدنز، وما راح يسود هذا الأخير من تنابذ وتدافع، لا يبدو غريبا أن يتم التشديد، وعلى مستوى العنوان الجامع، على 'حرب الأفكار'.
وحتى نلخص، أكثر، وليس هناك ما هو أسوأ من التلخيص، فإن ما أثارنا، وضمن الملف ذاته، هو مقال 'إحصاء المثقفين' وخصوصا من ناحية عدد مثقفي فرنسا الذين تم حصرهم، وتبعا لـ'معجم المثقفين الفرنسيين'، في 140 مثقفا (المجلة، ص25). ويحصل ذلك في فرنسا التي تستوعب خمسين ألف أستاذ جامعي باحث وآلاف الفنانين والكتَّاب والصحفيين... إلخ. وألا يحق لنا أن نسأل، لكن في أفق البحث عن إجابة، كم عدد مثقفينا، هنا، في المغرب؟ وقبل ذلك هل كان هناك من فكّر في هذا السؤال (غير البليد، طبعا) وسواء بشكل فردي نقدي أو بشكل مؤسساتي تشخيصي ودون أي نوع من التحسر على 'مناخنا المؤسساتي'؟ ومن ثمَّ كم كان سيكون عدد المنخرطين في 'حرب الأفكار'؟ وبالتالي: كم كان سيكون العدد الإجمالي (التقديري، طبعا) لمثقفينا؟ وهذا لكي لا نشير إلى التصور الذي يمكن أن نستند إليه في تخمين هذا العدد.
وفي ضوء مجمل المتغيرات الكونية التي سلفت الإشارة إلى بعض معالمها العامة سيكون من الصعب أن نرغم المجتمع على أن يرى بـ'عين المثقف' فقط، لكننا لن نمانع من أن يرى المثقف إلى ما يعتمل بالمجتمع. هذا وإن كنا لا نتصور أن المثقف بإمكانه أن يحل جميع المشاكل، ولا حتى أن يلعب دور 'سيزيف' من جديد. غير أن ذلك لا يحول دون أن نطالبه بأن يخرج من شرنقة جماعة 'نعم ولكن' تبعا لعبارة سارتر التي لا تزال لا تخلو من راهنية، بل وأن نطالبه بقول 'لا العريضة'... و'الجريحة'، للمناسبة، في الحال المغربية. و'أجل إن صوت المثقف وحيد، لكنه يسمع رناّنا' كما قال إدوارد سعيد في 'صور المثقف'.
ناقد وأكاديمي من المغرب


 
   
 
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=