http://kouttab-al-internet-almaghariba.page.tl/
  محمد عابد الجابري بقلمه
 

محمد عابد الجابري بقلمه

نقلا عن جريدة الإتحاد الإشتراكي
ليوم الثلاثاء 4 ماي 2010

عندما أنظر إلى الكيفية التي حصل بها التداخل بين السياسي والثقافي والتربوي في مسار حياتي، يصيبني نوع من الاستغراب! ذلك لأنه رغم التعقيد الذي طبع معارج هذا التداخل فإني لم أشعر في أي وقت بثقله على نفسي. كنت أتصرف وكأني في حقل واحد: أمارس الكتابة السياسية كما أمارس الكتابة النظرية والبحث العلمي، كما أقوم بالتدريس أو بالتفكير في قضايا تربوية، وكنت أشعر في كثير من الحالات بأن هذه الحقول تتكامل ويعين بعضها بعضا على تمكيني من الفهم والاستيعاب. ولكي أشرك القارئ معي في تأمل هذا التداخل أضع أمامه السجل التالي
:
1- أكتوبر 1953، بعد إغلاق السلك الثانوي بالمدرسة المحمدية بالدار البيضاء، على إثر نفي محمد الخامس، التحقت بنفس المدرسة معلما في القسم التحضيري ثم في أقسام الشهادة الابتدائية.
2 - 1956 حصلت على الشهادة الثانوية (البروفي). كما حصلت على شهادة الكفاءة في التعليم الابتدائي، مما خول لي الالتحاق بسلك التعليم بوازرة التربية الوطنية كمعلم رسمي ابتداء من فاتح أكتوبر 1957 وقد عينت في نفس المدرسة معلما رسميا معارا للتعليم الحر. 
3 - 1956 حصلت علىالشهادة الأولى للترجمة (مترشح حر).
4 - يونيه 1957 حصلت على شهادة البكالوريا كمترشح حر، وكان اتصالي الأول بالشهيد المهدي.
5 - قضيت صيف سنة 1957 في جريدة «العلم».
6 - أكتوبر 1957 يونيه 1958 أخذت تفرغا التعليم وقضيت السنة الجامعية الأولى في دمشق. وحصلت على شهادة «الثقافة العامة».
7 - التحقت بجريدة «العلم» من جديد صيف 1958 .
8 - أكتوبر 1958 التحقت بكلية الآداب بالرباط قسم الفلسفة، حيث تابعت دراستي الجامعية...
9 - أكتوبر 1958 التحقت بمعهد ليرميطاج بالدار البيضاء كقائم مقام مدير منذ إنشائه في نفس التاريخ إلى يونيه 1959 .
10 - ساهمت في انتفاضة 25 يناير 1959 والتحقت بجريدة «التحرير» منذ تأسيسها يوم 2 أبريل 1959 كسكرتير تحرير متطوع، في الوقت نفسه الذي واصلت مهمتي كمشرف على معهد ليرميطاج.
11- يونيه 1959 توقفت عن العمل في هذا المعهد بسبب ظروف انتفاضة 25 يناير، متخليا عن راتبي فيه، مواصلا العمل في «التحرير» براتب شهري متواضع.
12 - ربيع 1960 سافرت إلى باريس بغرض الالتحاق بالسوربون ثم عدلت عن الفكرة وعدت إلى «التحرير» بإلحاح الشهيد المهدي كما رويت ذلك بتفصيل في الكتاب السادس من سلسلة «مواقف» (ص33).
13 - يونيه1961 حصلت على الإجازة في الفلسفة. وحصلت على شهادة السنة الرابعة (الإضافية) في يونيه 1962 .
14 - في صيف 1962 قررت العودة إلى التعليم ومتابعة دراستي العليا فطلبت من الأخ محمد البصري مدير جريدة «التحرير» والأخ عبد الرحمان اليوسفي رئيس تحريرها إعفائي من الارتباط بالجريدة كموظف مداوم يتقاضى أجرا، دون أن ينال ذلك من التزامي بمواصلة نفس مهمتي فيها. وكان الأخ محمد الصديقي بنعلال قد التحق بنا قبل ذلك وتمرس على العمل فحل محلي كسكرتير تحرير مداوم، وفي الوقت نفسه واصلت مهمتي فيها متطوعا.
15 - انتخبت عضوا في المجلس الوطني للاتحاد الوطني للقوات الشعبية في المؤتمر الثاني مايو 1962 .
16 - في أكتوبر 1962 أنشأ المجلس البلدي في الدار البيضاء (وكان اتحاديا) معهدين ثانويين أحدهما للبنين أسندت إدارته للمرحوم عبد القادر الصحراوي، والآخر للبنات أسندت إدارته إلي.
17 - 1963 قررت قيادة الاتحاد ترشيحي في انتخابات البرلمان، وقد اعتذرت رغبة في مواصلة مساري الثقافي بدون مشاغل إضافية
18 - 16 يوليو 1963 اعتقلت مع باقي المسؤولين والأطر الاتحادية في مؤامرة تصفية الاتحاد ومكثت رهن الاعتقال في زنزانة بالدار البيضاء أزيد من شهرين، ثم أطلق سراحي لفراغ الملف (انظر التفاصيل في الكتاب الثاني ص16)
19 - في السنة نفسها ((1963 قررت وزارة التعليم «تأميم» المعهدين البلديين وإدماج العاملين فيهما في سلك موظفي وزارة التعليم، فعينت أستاذا للسلك الثاني ثانوي ابتداء من أكتوبر 1962 .
20 - في مارس 1964 ساهمت في إصدار مجلة «أقلام». وقد تحمل مسؤولية المدير فيها الأستاذ عبد الرحمان بنعمرو، وتولى رئاسة التحرير كل من الأخوين محمد إبراهيم بوعلو وأحمد السطاتي. وكان الأخ بوعلو يتولى أيضا مهمة المدير الإداري. وكان وجود «أقلام» واستمرارها بعناد كبير يدين له وحده تقريبا. وقد تحملت دار النشر المغربية عجزها المادي، بتدخل من المرحوم السي عبد الرحيم، منذ صدورها إلى أن توقفت سنة 1983 بسبب انفصال مديرها الأخ بنعمرو مع آخرين عن الاتحاد الاشتراكي، ولم يكن التوقيف من جانبه، بل ظروف الحادث المذكور اقتضت ذلك.
21 - في مارس 1964 صدرت أسبوعية «الأهداف»: المدير أحمد الخراص، رئيس التحرير مصطفى القرشاوي، سكرتير التحرير أحمد حمايمو. وكانت تهتم بالجانب الثقافي مع تغطية نشاط الفريق البرلماني الاتحادي وأخبار الاعتقالات والمحاكمات الخ. ومنذ ذلك الوقت انخرط الأخ مصطفى القرشاوي في سلك المحررين الأساسيين في جرائد الاتحاد وتحمل مسؤوليات فيها وفي الحزب، إلى أن عين عضوا بالمكتب السياسي في المؤتمر الرابع. وعلى العكس مما يعتقد فإن الذي حسم الموقف، في آخر لحظة، لصالح ترشيحه لعضوية المكتب السياسي هو الأخ عبد الرحمان اليوسفي. شهادة للتاريخ فقط!
22 - في يونيو 1964 صدرت جريدة «المحرر» كأسبوعية بصفة مؤقتة (وكانت «التحرير» قد توقفت بصفة نهائية في أكتوبر 1963) . وكان المرحوم الأستاذ إبراهيم الباعمراني، أحد مناضلي الاتحاد الوطني البارزين، قد أخذ مبادرة إصدار جريدة يومية باسمه هي «المحرر». وبعد الانفراج النسبي الذي حدث في أعقاب حوادث 23 مارس 1965 بالدار البيضاء وإطلاق سراح المحكوم عليهم في محاكمات اعتقالات 16 يوليوز 1963، أخذت «المحرر» تصدر مرتين في الأسبوع، لتصدر يومية ابتداء من 10 سبتمبر 1965 بمناسبة انعقاد مؤتمر القمة العربي الثالث في المغرب. هذا وقد كان حضوري في «المحرر»، كمتطوع، منتظما كما كنت في «التحرير»، مع احتفاظي بوظيفتي في التعليم. كنت أقوم فيها بوظيفة سكرتير التحرير، كما كان الأخ عبد الرحمان اليوسفي يقوم بمهام رئيس التحرير، واستمر الحال كذلك إلى أن تعرضت لحجز منهجي عندما بدأت في باريس محاكمة المسؤولين عن اختطاف الشهيد المهدي. ونظرا لتدهور صحة المرحوم الباعمراني أسندت إدارتها إلى الأخ الحبيب الفرقاني. وعندما رفع الحصار عن المطبعة استأنفت «المحرر» صدورها يوم 14 فبراير 1967 ثم توقفت بسبب حملة الاعتقالات التي عرفتها سنوات 1969 -1971 لتستأنف صدورها في أكتوبر 1972 في أعقاب انقلاب أوفقير. ثم توقفت بعد حوادث مارس 1973 .
23 - في ديسمبر 1974، وفي إطار الاستعداد للمؤتمر الاستثنائي، استأنفت المحرر الصدور وتولى الشهيد عمر بنجلون إدارتها ورئاسة تحريرها. وكما واظبت على كتابة ركن يومي في «التحرير» بعنوان «صباح النور» من يوم صدورها في 2 أبريل 1959 إلى 16 يوليوز 1963 حين اعتقلنا، واظبت كذلك على كتابة ركن يومي في «المحرر» بعنوان «بصراحة». وكان ابتداء هذا التعليق (بصراحة) يوم 17 يوليوز 1965 و«المحرر» يومئذ أسبوعية، ثم صار يوميا عندما تحولت إلى يومية، وداومت على كتابته منذ ذلك الوقت ((1965 إلى أن قدمت استقالتي من المسؤوليات الحزبية في أبريل 1981 . ولما اغتيل الشهيد عمر تولى إدارتها الأخ اليازغي إلى أن أوقفتها السلطات الحاكمة سنة 1981 . ثم حلت محلها سنة 1983 جريدة «الاتحاد الاشتراكي» التي أسندت إدارتها إلى الأخ محمد البريني.
24 - في أكتوبر 1964 عينت أستاذا للسلك الثاني ثانوي في ليسي مولاي عبد الله بالدار البيضاء.
25 - في يناير 1965 تم بناء وتجهيز ثانوية المقاطعة السادسة بالدار البيضاء (قريبا من ليسي مولاي عبد الله حيث كنت أدرس) فانتدبت إليها بصفتي قائم مقام مدير، ثم شاركت في الحركة الانتقالية فحصلت على منصب مدير لها بصفة رسمية.
26 - على إثر حوادث مارس 1965 اعتقلت ضمن مجموعة من رجال التعليم ثم أطلق سراحي لفراغ الملف.
27 - 1965 - 1966 ساهمت في الإعداد لتأسيس النقابة الوطنية للتعليم واستعادة التضامن الجامعي المغربي. (انظر التفاصيل في الكتاب الخامس ص95 وما بعدها).
28 - في نوفمبر سنة 1966 قمنا، أحمد السطاتي ومصطفى العمري وأنا، بتأليف كتاب «دروس الفلسفة» لطلاب البكالوريا في جزأين: الجزء الأول في الأخلاق والميتافيزيقا، والثاني في مناهج العلوم وعلم الاجتماع وعلم النفس. ثم أردفناه في يناير 1967 بكتاب« الفكر الإسلامي ودراسة المؤلفات» حسب برنامج البكالوريا. وقد أقر الكتابان من طرف وزارة التعليم. وكان للكتابين صدى وترحابا كبيرين لدى الأساتذة والطلاب، وما تزال ذكراه الحسنة تتردد إلى اليوم على لسان الزملاء الأساتذة الذين درسوا فيه يوم كانوا طلابا.
29 - في يونيه 1967 حصلت على دبلوم الدراسات العليا في الفلسفة، فالتحقت في أكتوبر بكلية الآداب بالرباط كأستاذ مساعد.
30 - في غشت 1967 كنت من بين الذين انخرطوا في تجربة «الوحدة» التي عمل لها المرحوم عبد الرحيم بعد اعتقال المحجوب بن الصديق (أنظر التفاصيل في الكتاب الخامس ص 95 وما بعدها).
31 - في 11 أكتوبر 1968 صدرت جريدة أسبوعية باسم «فلسطين» تولى إدارتها المناضل الوديع محمد الأسفي. وكان الشهيد عمر يشرف عليها ويحرر افتتاحياتها وكنت من بين المساعدين فيها.
32 - وفي سنة 1968 توليت، وأنا أستاذ بالجامعة، مهمة مفتش الفلسفة في التعليم الثانوي المعرب بالمغرب كله.
33 - في سنة 1969 رقيت إلى درجة أستاذ محاضر بنفس الكلية على أساس دبلوم الدراسات العليا الذي حصلت عليه في السنة السابقة. 
34 - في سنة 1970 حصلت على شهادة دكتوراه الدولة في الفلسفة، وكانت لجنة المناقشة مزدوجة، مغربية فرنسية. من فرنسا: البروفسور هنري لاووسوت والبروفسور روجي أرلنديز. ومن المغرب: الدكتور نجيب بلدي والمرحوم الدكتور أمجد الطرابلسي وعميد الكلية آنذاك الأستاذ إبراهيم بوطالب. وكانت أولى دكتوراه دولة بالمغرب في مادة الفلسفة.
35 - في أكتوبر 1971 عينت أستاذا للتعليم العالي، بناء على حصولي على دكتوراه الدولة.
36 - في سنة 1971 ظهر لي أول كتاب وهو أطروحتي لدكتوراه الدولة وقد طبعت بعنوان «العصبية والدولة : معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي».
37- في سنة 1972 كنت ممن ساهموا في الإعداد لانتفاضة 30 يوليوز 1972 مع الشهيد عمر وآخرين. (انظر التفاصيل في الكتاب الثامن ص7 وما بعدها)
38- في سنة 1973 ظهر لي كتاب بعنوان «أضواء على مشكل التعليم». وهو في الأصل جملة مقالات كتبتها في مجلة «أقلام» المغربية بين يونيه 1972 ومارس 1973 .
39- في خريف 1974 ساهمت في الإعداد للمؤتمر الاستثنائي للاتحاد وفي كتابة التقرير الإيديولوجي الذي توليت صياغته النهائية، وقد انتخبت في المؤتمر المذكور عضوا في المكتب السياسي (التفاصيل في الكتاب الثامن ص 43 وما بعدها).
40- في سنة 1976 ظهر لي كتاب: «مدخل إلى فلسفة العلوم: وهو جزآن. الأول بعنوان: »تطور الفكر الرياضي والعقلانية المعاصرة»، والثاني بعنوان «المنهاج التجريبي وتطور الفكر العلمي».
41- في 1977 ظهر لي كتاب بعنوان «من أجل رؤية تقدمية لبعض مشكلاتنا الفكرية والتربوية».
42- في السنة نفسها ((1977 اعتذرت عن الترشح لانتخابات مجلس النواب وأكدت في اجتماع للمكتب السياسي على قراري منذ أوائل الستينات بعدم الانخراط في سلك النواب أو الوزراء الخ.   
43 - في 8 أكتوبر 1978 قدمت استقالتي أول مرة من المكتب السياسي فلم تقبل (التفاصيل في الكتاب التاسع ص 110).
44 - 1978 توليت الإشراف على سير أعمال المؤتمر الوطني الثالث للاتحاد الاشتراكي الذي انعقد أيام 8/9/10/ ديسمبر في ظروف حزبية داخلية صعبة.
45- في سنة 1980 صدر لي كتاب «نحن والتراث». ثم توالت كتبي بعد ذلك (انظر المؤلفات).
46- في 6 أكتوبر سنة 1980 قدمت استقالتي للمرة الثانية من المكتب السياسي فلم تقبل (التفاصيل في الكتاب التاسع ص 115).
47- في 5 أبريل 1981 قدمت استقالتي من المكتب السياسي للمرة الأخيرة وصمدت أمام ضغوط الإخوان أعضاء المكتب السياسي وغيرهم، حتى صارت أمرا واقعا (الكتاب التاسع ص 124)
48- منذ ذلك الوقت (أبريل 1981) انصرفت، انصرافا شبه كلي، إلى العمل الثقافي محتفظا في نفس الوقت بعلاقتي كما كانت من قبل مع الكاتب الأول للاتحاد (المرحوم عبد الرحيم بوعبيد ثم الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي أمد الله في عمره) مع المساهمة بالكتابة في جريدة الحزب. ولا بد من التذكير بكون علاقتي بصحافة الحزب بقيت هي هي منذ صدور «التحرير» في 2 أبريل 1959 إلى يوم استقالتي من المكتب السياسي في أبريل 1981، ومنذ ذلك التاريخ اقتصر حضوري فيها ككاتب مقالات من حين لآخر. 
49- وفي سبتمبر 1997 أصدرت مع الأخوين محمد إبراهيم بوعلو وعبد السلام بن عبد العالي مجلة «فكر ونقد» التي توليت فيها مهمة رئيس التحرير.
50- أحِلْت على التقاعد ابتداء من أكتوبر 2002، بعد أن أمضيت في سلك التعليم خمسة وأربعين سنة خدمة، بصفتي رجل تعليم رسمي (أي من فاتح أكتوبر 1957 إلى 30 سبتمبر 2002).
نقلا عن جريدة الإتحاد الإشتراكي
 




في الندوة العلمية حول أعمال صاحب' نقد العقل العربي' و'تفسير القرآن'
مفكرون مغاربة وعرب يرصدون حضور الجابري المتنوع في الفكر العربي المعاصر
احتضنت المكتبة الوطنية بالرباط يوم الأربعاء المنصرم، أشغال الندوة العلمية، التي نظمتها اللجنة الوطنية لتأبين المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري بمناسبة الذكرى الأربعينية لرحيله، تحت شعار "العظماء لا يموتون.. إلى اللقاء محمد عابد الجابري" بمشاركة باحثين ومفكرين عرب ومغاربة وهم: المفكر السوري برهان غليون، والمفكر المصري حسن حنفي، والمفكرون المغاربة: كمال عبد اللطيف، وعبد السلام بنعبد العالي، وعبد الإله بلقزيز، وإدارة من الباحث والمفكر المغربي محمد سبيلا.
شكلت الندوة العلمية استمرارا للحفل التأبيني الكبير، الذي خصته اللجنة الوطنية لتأبين الجابري بمسرح محمد الخامس في الرباط، التي ترأسها القيادي الاتحادي عبد الرحمان اليوسفي، بحضور عائلة المفكر الراحل محمد عابد الجابري، وأصدقائه، وزملائه، ومحبيه من الطلبة والمثقفين والفنانين، وكل من قرأ له وتابع مشاريعه الفكرية المتنورة، التي تجاوزت الحدود الجغرافية للمغرب، ما جعل فكرة إحداث مؤسسة وطنية باسمه من طرف نجله عصام الجابري، تستأثر باهتمام الحضور المغربي والعربي، الذي بادر بطلب أن تكون المؤسسة عربية، لأنه لم يكن مفكر المغاربة لوحدهم، بل مفكرا عربيا بامتياز، وهو الشيء الذي دفع مركز الوحدة العربية إلى الإعلان عن العديد من المبادرات، التي تدخل في إطار تكريم المفكر الراحل، وعلى رأسها جائزة فكرية عربية تحمل اسمه، وكرسي فكري وقفي، وتخصيص ندوة علمية نهاية السنة الجارية ببيروت لتدارس أعماله الفكرية، وتسليط الضوء على الإضافات، والإضاءات التي قدمها صاحب "نقد العقل العربي"، و"تفسير القرآن الحكيم" للفكر العربي المعاصر.

لم يكن من السهل على المشاركين في الندوة العلمية، التطرق لكل ما قدمه المفكر الراحل محمد عابد الجابري، لأن المتن الفكري الذي تركه من الثراء، والغنى، والتنوع، بحيث يتطلب ندوات متخصصة تلو الأخرى، ورغم تحديد اللجنة المنظمة لخمسة محاور في الندوة العلمية، ) دور الفلسفة في ترسيخ قيم العقلانية والتحديث في الفكر المغربي والعربي، ودراسة التراث من منظور عقلاني نهضوي: التراث في نطاق رهانات الحداثة، جدلية التراث والحداثة في فكر الفقيد، ومشروع نقد العقل العربي، ومشروع تفسير القرآن الحكيم، والجابري كمثقف ملتزم: الوطنية، الديمقراطية، العروبة، النهضة...(، فإن مداخلات المفكرين كانت تعرف تداخلا كبيرا في المحاور، وتراوحا بين مختلف أعمال المفكر الراحل محمد عابد الجابري، الذي أغنى المكتبة الفكرية العربية بمصنفات عديدة، اهتم فيها بالتراث العربي الإسلامي، وساهم فيها في بناء مشروع فكري نهضوي عربي، وهو ما جعل المشاركين في الندوة يجمعون على أن فيلسوف العقلانية الجديدة في الفكر العربي، نجح في أن يرسي مشروعا فكريا نهضويا تنويريا ضخما، وأكدوا أن المفكر المغربي الاستثنائي ذا الأفق العربي والإنساني، تمكن من تشييد معمار نظري متكامل، استطاع رغم مرور السنين أن يحافظ على صموده وشموخه، وأن يؤسس لمدرسة فكرية تدعو للعقل من خلال إعادة قراءة التراث بأدوات نقدية وتحليلية.
كما أوضحوا أن الجابري، الذي انتصر على الدوام لقيم النقد والحداثة والتحرر والعقلانية، ظل طيلة حياته منخرطا في دراسة معطيات الواقع المغربي والشؤون العربية بكثير من الإخلاص والحماس والمسؤولية، مسجلا حضورا متنوعا بين الالتزام السياسي والأكاديمي والفكري.
وفي هذا السياق، أوضح المفكر المغربي كمال عبد اللطيف، في عرض بعنوان "جبهات ومعارك في المسار الفكري للجابري"، أن الجبهات التي خاضها الجابري تتمثل في ثلاث معارك: معركة تدريس الفلسفة بالمغرب، وتأسيس الدرس الفلسفي بالجامعة المغربية، مضيفا أن الراحل خاض تجربة صياغة برامج منفتحة على أحدث المناهج التربوي، بالإضافة إلى تأطير الطلبة وإشرافه على بحوثهم، ومعركة تراثية، حارب فيها من أجل خلق رؤية نقدية للتراث، الذي كان يعتبره ذاكرة جماعية و"حمال أوجه" يتعين إعادة قراءته على ضوء أسئلة العصر، واستعادته حتى لا يظل حكرا على فئة تعيد قراءته بطريقتها الخاصة، مبرزا أن الفقيد وظف الموروث لكي يمنحه حياة جديدة ضمن أفق الحداثة والعصرية.
أما المعركة الثالثة، التي تحدث عنها عبد اللطيف، فهي جبهة العمل السياسي، التي اعتبرها أكثر الجبهات صلابة في حياته، موضحا أن الهم السياسي كان مهيمنا على الجابري، الذي كان منخرطا في اليسار المغربي والعربي وفي المشروع القومي العربي، ليخلص إلى أن شخصية الجابري الذي كان مهووسا بتحديث العقل والوعي العربيين اجتمعت فيها الوحدة العضوية بين المناضل السياسي داخل حزب سياسي وبين المفكر والأستاذ الجامعي.
من جانبه، اعتبر عبد الإله بلقزيز في عرض حول "مشروع نقد العقل العربي في مشروع الجابري الفكري"، أن مؤلف "نقد العقل العربي" له مكانة متميزة في الفكر العربي لأنه نجح في أن يقدم رؤية إجمالية لنقد العقل العربي عبر التحرر من التراث والغرب والدعوة إلى عصر تدوين جديد.
وأوضح أن الفقيد كانت له قدرة متفردة على السيطرة على المفاهيم، التي كانت تتيح له السيطرة على الموضوع عبر السعي إلى القيام بنقد للعقل العربي يطمح إلى أن يشكل معبرا ولحظة معرفية لإعادة بناء العقل على أسس معرفية جديدة.
وأشار بلقزيز إلى أن الجابري كان يؤمن بأن تحقيق هذا المسعى لن يتأتى إلا من خلال تدوين عربي جديد يتحرر فيه العقل العربي من القياس، ومن سلطة النص وسلطة نموذج السلف وسلطة التجويز.
وخلص بلقزيز إلى أن الجابري ظل وفيا في رباعيته "تكوين العقل العربي"، و"بنية العقل العربي"، و"العقل السياسي العربي"، و"العقل الأخلاقي العربي"، التي تشكل مادة مرجعية كثيفة، وموسوعة ثقافية ضخمة، ومنعطفا حاسما للتراث عبر مطالبته بقراءته بعقل نقدي.
أما عبد السلام بنعبد العالي فذكر في عرض له حول "سياسة التراث" أن الفقيد كان يمارس السياسة في الثقافة، لأن المسألة الثقافية بنظره هي مسألة سياسية عقلية وتدبير قبل أن تكون مسألة أكاديمية صرفة.
وأوضح أن هذا التوجه يلقي الضوء على كيفية التعامل مع التراث، لأنه كان يسعى إلى تحقيق "شيوعية تراثية" تعمل على ألا يظل التراث محجوبا وبعيدا عن الناس، خاصة أنه ظل على مر السنين موضوع تنافس واحتكار وتملك من طرف فئة معينة، ليكون التراث بهذا المعنى أكثر قربا من السياسة.
وعزا بنعبد العالي مؤاخذة الجابري على عدم مراعاته دائما القواعد الأكاديمية من خلال إثقاله لمؤلفاته بالاستشهادات، إلى حرصه على وضع التراث أمام الجميع وتقريبه من الحاضر. وأوضح أن الراحل خلص التراث من أسر النص التقليدي وجعله في مستوى "النحن"، وأعطى الحق في تملكه للجميع ليظل الجابري بذلك وفيا لقناعته في أن "السياسة تعني أساسا إعطاء الحق للجميع".
من جهتهما أعاد المفكران العربيان برهان غليون وحسن حنفي، قراءة فكر الجابري من خلال مشروعي "نقد العقل العربي"، و"تفسير القرآن الحكيم".
ففي مداخلة بعنوان "الجابري وتأصيل الحداثة"، أوضح برهان غليون أن الهموم النظرية التي حركت الفقيد في مشروعه النهضوي تقوم أساسا على ضرورة التحرر من النموذج السلفي من خلال إبراز الحاجة إلى التفكير المستقل عن المحاكاة وعلى قياس التفكير على المنوال السابق.
وأضاف برهان غليون أن توحيد السلط المرجعية ظل هاجسا يحكم مشروع الجابري، الذي كان يؤمن أن إيجاد سلطة معرفية واحدة شرط قيام وحدة فكرية تتجاوز القطيعة وتحرص على الخروج من الإيديولوجيا.
كما أكد المفكر السوري أن الفقيد دعا إلى ضرورة التحرر من سلطة التراث من خلال امتلاكه، وتحقيقه، وتجاوزه، وإعادة تركيب العلاقة بين أجزائه، وإعادة بنائه والتحرر من الغرب، والتأصيل للحداثة من خلال التعامل معها بشكل نقدي.
أما حسن حنفي فأبرز في تناوله لموضوع "مشروع تفسير القرآن الحكيم" أن الجابري كان جريئا في مؤلفاته الثلاثة المكونة لمشروعه حول القرآن الكريم، لأنه أقدم على إسقاط القداسة عن العلوم النقلية وإعادة النظر فيها.
وتساءل حنفي حول هذا المشروع، وعن مدى التزام الجابري بالعقلانية في هذا المشروع، وعما إذا كان مشروعه القرآني هو استئناف لمشروعه في نقد العقل العربي، أم هو خروج عنه وانتقال إلى مرحلة جديدة لها إشكالاتها وصعوباتها، خاصة أنها ترتبط بالقرآن وبمناطق الظل والعتمة التي لم يحسم فيها، ولم تكن للكثيرين الجرأة والمقدرة على تناولها.
وأرجع حنفي ما أسماه بـ"ضعف الجانب النظري" في هذا المشروع إلى جدة تناول الموضوع، وإلى كون المفكر المغربي فسر القرآن بالقرآن، مشيرا إلى أن "الفقيه الجابري"، كما كان يصفه المفكر المغربي عبد الله العروي، أكثر في هذا المؤلف من استعمال النقل، وأسهب في التفسير والتعليق، معتبرا أن "المشروع القرآني للجابري غاب عنه الالتزام الاجتماعي، حيث تغلب الأكاديمي على المثقف الوطني".
لكن هذه الأسئلة والملاحظات لم تمر مرور الكرام، بل وقف عندها الباحثون المغاربة، وعلى رأسهم عبد السلام بنعبد العالي، الذي أربك المفكر المصري، حسن حنفي، المعروف بمجادلاته وحواراته مع الجابري، حينما سأله من أي موقف يطرح ذلك السؤال، وكذا عبد الإله بلقزيز، الذي قدم تفسيرات لحنفي حول العقل العربي الذي قصده الجابري في أعماله، وحول اشتغاله على القرآن، النص المؤسس في الفكر العربي الإسلامي، الذي كان متوقعا أن يتناوله الجابري، لكنه ذكر أنه كان يتمنى لو كرس الجابري مشروعه لدراسة علم التفسير، وعلوم القرآن، لأن تفسيره للقرآن حد من حريته في الاشتغال.
سعيدة شريف جريدة المغربية


الجابري وإشكالية الحداثة في المغرب. أونقدثقافة الفشل
 ندوة فاس الفكرية تكريما للفيلسوف المغربي الراحل محمد عابد الجابري
كانت مدينة فاس جد متأثرة وفرحة في نفس الآنباحتضانها للندوة الفكرية التأبينية للمفكر والفيلسوف الراحل محمد عابد الجابري،الذي يعود إليه الفضل في تشييد عمق ذاكرة فاس العالمة من أجل تحريك النهضة الثقافيةفي المغرب.
كما أن فيلسوفنا قد ساهم بعمق في بلورة مشروع الحركة الوطنية، وقدلعب دورا كبيرا في صياغة مفهوم استقلال المغرب، بل ومارس النضال في الواقع مع رموزالحركة الوطنية كالمهدي بنبركة وعلال الفاسي وحسن الوزان وعبد الرحيم بوعبيدوغيرهم.
ان الاعتراف بفضل علماء المغرب في تحريك مسارالتاريخ، هو ما جعل أصحاب القلوب اللطيفة والفضلاء الذين يساهمون في بناء المغربالحديث، تشييد عمق جديد للفكر المغربي، بواسطة ذلك الجسر الذي يربط الماضي بالحاضر،في أفق بناء المستقبل ومنحه الآمال، لأنه لا قيمة للماضي إذا لم يكن يساهم فيالحاضر، كما أنه لا قيمة لحاضر لا يتشوق إلى مستقبل أفضل، ويسعى إلى منحه القدرةعلى التفكير وصياغة كل مشاكله في أسئلة متماسكة في مشروع نهضوي وحداثي، يسعى إلىإسعاد الإنسان. ولعل هذه الغاية النبيلة هي التي حركت السيد والي فاس على ترجمةنبله وعمق محبته للعلم والمعرفة انطلاقا من دعمه وحرصه على إنجاح هذه الندوةالفكرية وغيرها، لأن فاس أصبحت تفسر رؤاها وكشوفاتها انطلاقا من العمق الروحي لهذاالرجل المتنور والشغوف بالفكر والفلسفة ،مما جعله يمنح رؤية جديدة لتجليات الروح فيهذه المدينة. كما حركت السيد عمدة المدينة هذا الرجل العصامي الذي يقوم بانتزاعالأحلام من القوة إلى الفعل، ولا يتردد في دعمنا،
و أيضا السيد رئيس جامعة سيديمحمد بن عبد الله هذا الأكبري الذي يتسع قلبه للفلسفة والشعر والمسرح.
افتتحتهذه الندوة الفكرية المخصصة لفقيد الفكر المغربي والعربي بكلمات مصابة بمس حبالمعرفة والوطن، لأن الوطن بدون معرفة يظل أعمى، ولذلك فإنه يرى بأعين مفكريه، هكذارحب مجلس مدينة فاس بالعلماء الذين حضروا إلى المدينة العلمية الهاربة من ذلك القدرالحزين ،الذي يتجلى في طغيان العدمية باعتبارها توفيقا بين الجهل والنسيان.
وقدتمت قراءة الرسالة الشفوية لعائلة الراحل التي تفضل ابنه الدكتور (عصام الجابري) وبعث بها إلى الندوة ،معربا عن مدى تأثره بهذه الالتفاتة ذات النزعة الإنسانية،خاصة أنها جاءت في مناسبة أليمة تمر منها عائلته لتمنحهم الثقة في الصبر، ما دام أنالمفكر المغربي محمد عابد الجابري لا يزال حيا في أرواح الأصفياء من الناس، كما أنهتوجه بالشكر العميق لأصدقاء الفلسفة وكل الذين ساهموا في هذه المبادرةالنبيلة.
نعم إن قيمة فكرة عقد ندوة عن هذا الرجل العظيم تفوق في حجمها وعمقهاالإنساني كل المهرجانات الباذخة التي تصرف عليها الأموال الباهظة من قبل أولئكالذين رفعوا شعار الهذر المالي ،لوقف حركة التاريخ والاغتيال الناعم للفكروالفلسفة، والشاهد على عظمة هذه الندوة أن الحضور تمتع بمستواها الفكري من خلالمحاضرات استطاعت الجمع بين الجابري وقدر المغرب، هكذا اعتبر الدكتور محمد المصباحيفي محاضرته القيمة، أن الجابري قام بانقلابات كبرى في الفكر والسياسة والمنهج، ولعلقوة هذه الانقلابات هي التي منحت الجابري القدرة على بناء أسس جديدة وعميقة للعقلالعربي الذي كان مهددا بالموت عندما تحول إلى مجرد حطام يتقاذفه الفشل، أو ما سماهالمصباحي بثقافة الفشل التي كان ابن خلدون شاهدا على ازدهارها بعد ما انقضت علىالعمران وحولته إلى خراب، ان ابن خلدون كان يؤرخ لثقافة الفشل التي تجلت في الفكرالتوكلي، والجابري نفسه كان في قراءته للتراث أمام تجليات ثقافة الفشل سواء فيالمغرب في مرحلة الاستعمار أو مغرب ما بعد الاستقلال، حيث كان العقل يحتضر والمعرفةتحولت إلى عرفان أجهض مشروع البرهان الذي يدافع عنه الفكر العقلاني الرشدي.
هكذا واجه الجابري عصره بأسلحة البرهان والفلسفة العقلانية التي استمدها منالروح الرشدية التي ظلت حية، رغم موت ابن رشد، ولكن الظل الكبير
لابن خلدونالذي عاش القلق في مرحلة قلقة كانت تهدده بالموت، كان حاضرا عند الجابري الذي وضعيده على ماهية ثقافة الفشل بواسطة المنهج الخلدوني، ووجد العلاج لهذه الثقافة فيالبرهان الرشدي والفلسفة العقلانية بالأندلس، لأن المغرب كما يقول المصباحي كاندائما يصدر العرفان والتصوف إلى المشرق ويستورد تلك الجوانب العقلانية من خلالالفارابي وابن سينا.
والواقع أن الجابري قام بهذه الثورة الفكرية،عندما لمس بيدهالساحرة مصدر علة الفكر العربي باعتباره فكراًً بدون عمق مما يجعله مهدداًبالانهيار، و غدا أحوج الى الترياق الذي تركه طبيب الحضارة الفيلسوف ابن رشد، لأنهبدون هذا الترياق سيموت العقل وينقرض الإنسان عندما يتحول إلى مجرد أجساد تقتلبعضها من أجل السلطة والثروة.
والحق أن الجابري استطاع أن يفتح حواراً بينالمغرب والمشرق لأن مشروعه لم يكن طائفيا كما ادعى ذلك خصومه، بل كان قوميا، وكانمؤمنا بحكم سلفيته بالوحدة القومية للعالم العربي الذي يتوفر على وحدة اللغة والدينولا ينقصه إلا الوحدة الفكرية، فكيف يمكن صياغة هذه الوحدة، بل كيف يمكن الجمع بينمشروع بناء دولة مغربية حديثة ومشروع تشييد العقل العربي انطلاقا من نقده وتفكيكأسسه؟ وبعبارة أخرى كيف تحول مشروع الوحدة العربية إلى مجرد نقد العقلالعربي؟
لاشك أن الأستاذ محمد السوسي بعمقه الوطني وقدرته على أن يكون شاهدا علىذاكرة المغرب التاريخية والسياسية، استطاع أن يقدم لنا صورة مبهرة عن المفكروالفيلسوف الجابري الذي كان مساره قد امتزج بمسار الحركة الوطنية، حيث بدأ كمحرر فيجريدة (العلم) ثم جريدة (التحرير). ولعله كان يدرك عصره في مفاهيم فلسفية ويسعى إلىصياغتها في إشكالية الدولة والعصبية عند ابن خلدون التي منحته دكتوراه الدولةسنة1971، ولعل الجابري الذي ودعنا في هذه الأيام الصعبة كان شاهدا على بناء الدولةالمغربية، على الرغم من أنه لم يؤخذ برأيه وتم ابعاده واختار بدلا من النضالالسياسي النضال الفكري، ربما كان يناضل فكريا في السياسة الأمر الذي جعل منه نجماكبيراً في مجال الفكر، إلى درجة غدا فيها المفكر الوحيد في العالم العربي الذيبإمكانه أن يستقطب إلى محاضراته أكبر عدد من الجمهور ويجعلهم يمتثلون لرأيهولحكمته، وبخاصة أن كتبه قد حققت أكبر مبيعات في العالم العربي.
إن المفكر محمدعابد الجابري يعتبر وثيقة نادرة في تاريخ الحركة التحررية الوطنية والعربية، إنهيجسد مشروع دولة بكل تجلياتها ،فهو كما يقول عن نفسه يشبه ذلك الطائر المهاجر الذيلا يحب أن يغرد وحده، ولذلك فإن مؤلفاته استطاعت بشعبيتها وقدرتها على الاختراق أنتشتهر في العالم العربي، لا تضاهيها إلا شهرة ابن رشد الذي كان الجابري يحبهويعتبره الأب الروحي الذي يستمد منه رؤيته لمستقبل العقل العربي.
وفي مداخلاتهعن إشكالية المنهج والقراءة في مشروع محمد عابد الجابري تناول الباحث عزيز الحداديهذه الإشكالية من خلال الإنصات إلى مؤلفات الفيلسوف، عندما يمتد في التراث الفلسفيالإسلامي، ويفتح معه حوارا يقرب الماضي بالحاضر من أجل فتح آفاق المستقبل ،هكذاتساءل عن مدى أهمية هذه القراءة، وكيف كانت تتحرك في مشروع متماسك يجمع بين العقلوالتراث أو بالأحرى بين التنوير والحداثة والعقلانية، وبعبارة أخرى كيف قرأ الجابريتراثه؟
عندما بدأ الجابري مشروعه (نقد العقل العربي) انطلاقا من قراءته للتراث،قام بتدشين لحظة تدوين جديدة في حاضر العقل العربي الذي دام سباته أكثر من ستة قرون،مما جعله يصبح عرضة للموت الأكلينيكي، ذلك لأنه لم يستطع إدراك حاضره وصياغته فيمفاهيم وأسئلة. لكن ما هو المحرك الذي دفع الجابري إلى ربط قراءته الجديدة للتراثمن خلال نقده للعقل العربي؟ ما مبرر هذا التطابق، أو بالأحرى هذا القدر الحزين الذيجعل العقل ينام في نعيم التراث ويتجلى من خلاله؟ وهل تحولت الفلسفة عند الجابري إلىمجرد قراءة للتراث؟
ان مشروع الجابري خضع في تكوينه وبنيته وآفاقه ..إلى اصطدامبالتراث الفلسفي الأندلسي الذي ساعد على إيقاظ نيران البهجة وحرك الوعي الشقيالعربي من حال إلى حال، أي من أطغاث الأحلام إلى لحظة الانتشاء بقراءة جرح الذاتالعربية بواسطة قدر التراث ، حيث اعتقلها سنوات عديدة وجعلها تتلذذ بنومها في متعةالشقاء. هكذا تساءل الجابري باندهاش كبير قائلا: كيف قرأ العقل العربي تراثه، وماهي هفوات هذه القراءة، وما الذي جعلها تتجلى انطلاقا من سلفية التراث سواء عندمايكرر ذاته، أو عندما ينبهر أمام عظمة المناهج الغربية والسعي إلى تطبيقها؟
انطلقالجابري إذن من نقده للقراءات السلفية للتراث ،والتي استحوذت على انطولوجيا العقلالعربي، وحولته إلى مجرد حطام تتقاذفه أمواج المناهج؛ فمن القراءة السلفية إلىالقراءة الاستشراقية والقراءة الماركسية ثم القراءة الابيستيمولوجية ،فما الذي جعلهذه القراءات تصاب بخيبة الأمل؟ وما الذي منعها من حميمية اللقاء بذلك الطريق الذييؤدي إلى عصر النهضة ويدشن عصر التنوير باعتباره بوابة على التقدم؟
لقد اعتبرالجابري أن غايته من وراء هذه القراءة الجديدة تكمن في تجاوز ثلاثة أصناف منالقراءات التي كانت سائدة في الفكر العربي المعاصر، أولها القراءة السلفية التيكانت ترفع شعار الأصالة، والتمسك بالماضي من أجل الحفاظ على الهوية العربيةالإسلامية، ولذلك فإن هذه القراءة التي قدمها التيار السلفي كانت: «قراءة لاتاريخية، وبالتالي فهي لا يمكن أن تنتج سوى عن نوع واحد من فهم التراث هو: الفهمالتراثي للتراث. التراث يحتويها وهي لا تستطيع أن تحتويه لأنها: التراث يكررنفسه»(1). أما القراءة الثانية، فهي في نظره عبارة عن «سلفية استشراقية»، إنهابعبارة الجابري «سلفية جديدة»، تستمد جذورها من الفكر الاستشراقي حيث نجدها: «تدعيأن ما يهمها هو فقط الفهم والمعرفة، وأنها تأخذ من المستشرقين منهجهم «العلمي» وتترك إيديولوجيتهم، ولكنها تنسى أو تتناسى أنها تأخذ الرؤية مع المنهج، وهل يمكنالفصل بينهما». أما القراءة الثالثة فهي ما يسميه الجابري بالقراءة الماركسيةللتراث إذ أن الفكر اليساري العربي المعاصر يتبنى المنهج المادي الجدلي الذي بلورهماركس، ويحاول تطبيقه في قراءته للتراث الإسلامي، ولكنه «لا يتبنى -في تقديرنا- المنهج الجدلي «التطبيق»، بل يتبناه كـ«منهج مطبق» وهكذا فالتراث العربي الإسلامييجب «أن يكون انعكاسا للصراع الطبقي من جهة؛ وميدانا للصراع «المادية والمثالية» منجهة أخرى ومن ثم تصبح مهمة القراءة الماركسية للتراث هي تعيين أطراف وتحديد المواقعفي هذا الصراع المضاعف». ولذلك يرى الجابري ان هذه القراءة التي يقدمها الفكراليساري العربي للتراث تنتهي في الأخير إلى (سلفية ماركسية)، لأن هدفها كانهو»البرهنة على صحة المنهج المطبق»، «لا تطبيق المنهج».
هكذا يرفض الجابري هذهالقراءات السلفية الثلاث للتراث، تمهيدا للبديل الذي يقترحه، أو القراءة الجديدةالتي يدافع عنها بصدد التراث الفلسفي الإسلامي بصفة عامة، وفلسفة ابن رشد بصفةخاصة. ولا يتردد في الإفصاح عن هوية القراءة التي يسميها بـ»القراءة الإيديولوجية» للتراث الفلسفي الإسلامي، وبخاصة في كتابه نحن والتراث؛ ويبني اختياره هذا على قولهان التحليل التاريخي سيظل ناقصا في نظره ما لم يسعفه الطرح الإيديولوجي، أي لابد منالكشف عن الوظيفة الإيديولوجية التي أداها فكر ما.) وتأسيسا على هذا الاعتبار لابدمن التمييز بين «المحتوى المعرفي» و»المضمون الإيديولوجي» في الفلسفة الإسلامية،وذلك من أجل ربط هذه الفلسفة بالمجتمع والتاريخ. لأنه إذا تم الاقتصار على النظرإلى هذه الفلسفة من زاوية محتواها المعرفي ? العلمي والميتافيزيقي «فسنجدها عبارةعن آراء وأقاويل مكرورة لا تختلف إلا في طريقة العرض ودرجة الإيجاز أو التركيز. والنتيجة هي الحكم عليها بالعقم، صرحنا بذلك أم لم نصرح، أما إذا نظرنا إليها منزاوية المضامين الإيديولوجية التي حملتها، فإننا سنجد أنفسنا إزاء فكر متحرك، أوبالأحرى أمام وعي مشغول بإشكاليته، زاخر بتناقضاته».
يتعلق الأمر إذن بقراءةجديدة يحرص صاحبها على النظر إلى الفلسفة الإسلامية انطلاقا من مضمونهاالإيديولوجي، ذلك أن القراءات السلفية الثلاث حصرت مهمتها في النظر إلى الفلسفة منخلال مضمونها المعرفي فحسب، وهذا ما جعلها تتسم بتلك النقائض التي سبق للجابري أنأعلن عنها، بل ان حصر مهمتها في المادة المعرفية هو الذي جعلها تنظر إلى الفلسفةالإسلامية بمثابة تكرار للفلسفة اليونانية، على الرغم من أن القراءة الماركسيةللتراث كانت هي الأخرى قراءة إيديولوجية، بيد أن الجابري، وإن كان يتفق مع عليأومليل في نقده للمناهج التقليدية في الأدبيات الرشدية الكلاسيكية، فإنه يختلف معهفي البديل الذي يقترحه، لأنه إذا كان ع. أومليل يخلص إلى القول ان الخطاب الرشدي هوخطاب إصلاحي في ماهيته، فإن الجابري يحاول أن يفحص المضمون الإيديولوجي للفكرالرشدي في مقارنته بالفلسفة المشرقية، والتي يمثلها ابن سينا على وجه الخصوص، ولذلكنجد صاحب كتاب (نحنوالتراث) يراهن في البداية على الاختلاف الحاصل بين الخطابالفلسفي الرشدي والخطاب الفلسفي السينوي، وبلغة الجابري الروح الرشدية والروحالسنوية، وبكيفية أعم الفكر النظري في المشرق الإسلامي والفكر النظري في المغربوالأندلس في عهد الموحدين، بل إنه يذهب إلى حدود القول بوجود قطيعة إيبيستيمولوجيةبينهما، وهذه القطيعة تمس في آن واحد: المنهج والمفاهيم والإشكالية.
وفي ختامهذه الندوة تمت قراءة التوصيات من أجل تفعيل الاعتراف المتبادل بين المدينةوالمفكر، لأن دين الفيلسوف على مدينة فاس لا يمكن رده إلا لتحقيق مجموعة منالتوصيات ، أولها أن يحمل جناح خاص في بيت الحكمة اسم (محمد عابد الجابري)، كماينبغي أن تخصص جامعة فاس مدرجا يخلد اسمه. ولا ينبغي نسيان إحداث جائزة الجابريللأبحاث الفلسفية المعاصرة والمهتمة بالتراث كما توصي اللجنة المنظمة لهذه الندوةبعقد مؤتمر دولي حول المفكر المغربي وعلاقته بالعالم العربي.
إن ثقتنا فيالمستقبل لا يمكن إلا أن تجعلنا نتحمس دائما للاحتفاء بالجابري كأحد رواد الفكرالفلسفي في المغرب والذي ينبغي ايلاء المنزلة العليا لتراثه الفكريالعظيم.

1
محمد عابد الجابري نحن والتراث دار الطليعةبيروت
فاس :عزيز الحدادي
 
 
   
 
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=