http://kouttab-al-internet-almaghariba.page.tl/
  بؤس المثقف
 
بؤس المثقف
كتبها : مجموعة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة في الثلاثاء، 21 ديسمبر، 2010 |
بؤس المثقف
جيروم شاهين
نودّ أن نتساءل عن دور المثقّف العربي في الزمن الراهن. فهل لا زال للمثقّف العربي دور يقوم به اليوم في ظل جملة من المتغيّرات العالمية التي انعكست بشكل مباشر على منطقتنا العربية ؟
بداية، لا بدّ من أن نحدّد ما نعني بالمثقّف.
فالمثقّف ليس بالضرورة الإنسان المتعلّم والذي يحمل شهادات جامعية، أو مَن اكتسب معلومات انسيكلوبيدية في هذا أو ذاك الحقل.
المثقّف هو الذي يملك وعياً شمولياً يتجاوز المعطيات الثقافية العادية. ويملك، عن طريق هذا الوعي، أن يقدّم رؤيا تتجاوز مصالحه الذاتية إلى المدى الأوسع في المجال الاجتماعي العام أو السياسي العام أو الثقافي العام. المثقّفون هم الذين يعيدون النظر باستمرار في ما يرثونه من أفكار ومواقف لأن الثقافة هي فعل مراجعة ونقاش وجدل. وهكذا فإن المثقّّّّّّّف الحقيقي هو الذي ينظر إلى الموروث والمعطيات الثقافية الراهنة نظرة ذاتية، أي نظرة تمرّ به، بتجاربه ومفاهيمه الخاصة. بهذا المعنى لا يمكن للمثقّف، حتى يبقى مثقّفاً بالفعل، أن يكون " مثقّف بلاط " أو "بوقاً للسلطة ".
قبل ثمانينات القرن الماضي كان على المثقّف أن يكون ملتزماً، ليبرالياً أو ماركسياً أو قومياً أو إسلامياً، يناضل في سبيل تحديث المجتمع العربي. وكان النضال يرتكز على ايديولوجية واضحة المعالم وعلى هوية وانتماء.
مع سقوط جدار برلين وانفراط عقد الأممية الشيوعيّة، سقطت الايديولوجيات القومية والشيوعية والعلمانية ـ كما يتردّد كل يوم على مسامعنا ـ وبرزت " القرية الكونية " تحت مسمّى "العولمة" في جميع أشكالها وأبعادها.
وراح نموذج المثقّف ينحسر ليحل مكانه نموذج " الناشط " في أكثر من مستوى وميدان؛ في ميدان حقوق الإنسان، وحماية البيئة، وإرساء دولة القانون، والمواطنة، والدفاع عن حقوق المرأة، ومحاربة عمالة الأطفال، وغير ذلك.
واعتلى " الناشط " المنابر في الندوات، وورش العمل، وأدار مخيمات تدريب الشبيبة، وتقدّم صفوف المتظاهرين في مناسبات محلية وإقليمية ودوليّة. وبالأخصّ: استبدال الكتابات الطويلة والمقالات والمرافعات والتحليلات، باستخدام أحدث وسيلة إعلامية: الانترنيت. وأصبحت الانترنيت الوسيلة الأساسية في حشد التأييد وتوقيع العرائض وطرق أبواب السلطة. وهكذا دخلنا، مع ناشطي المجتمع المدني، عالماً افتراضياً يرتكز على "التشبيك"، مختلفاً كلّياً عن العالم الملموس الذي شكّلته المربعات الثقافية التي اشتهرت بها بعض أحياء المدن، كالحي اللاتيني في باريس وغرينويش فيلاج في نيويورك وشارع الحمرا في بيروت...
ولربما أن أبرز مثال على التغيّر الذي حصل منذ تسعينات القرن الماضي في طريقة النضال والالتزام والعمل السياسي الشعبي وتحقيق مطالب الفئات الواسعة، هو ما سمي بهيئات المجتمع المدني أو المنظمات الأهلية. لم يعد للأحزاب بريقها الأول وشموليتها أفقياً وعمودياً. لا بل تحوّل معظم الأحزاب إلى تكتّلات فئوية ببقعة جغرافية صغيرة، وانتماءات ضيقة، ومطالب صغيرة ولو بقيت الكلمات والشعارات ثوباً فضفاضاً ترتديه.
إننا لا نقلل من شأن عمل هيئات المجتمع المدني. لكننا هنا نلفت النظر إلى أن هذه الظاهرة، من جهة، تحمل في طيّاتها انحساراً للآفاق الوطنية والقومية، ومن جهة ثانية، تحمل الدولة على الاستقالة من الرعاية والمسؤولية والحماية والإدارة وتوحيد المجتمع. فهيئات المجتمع المدني المتكاثرة يوماً بعد يوم لا تستطيع وحدها أن تبني أمة متماسكة وموحّدة. وغالباً ما تخترق هذه الجمعيات الأهلية تدخلات خارجية تحت ستار العون والمساعدة المادية في سبيل تعميم ثقافة السلام ، وحماية البيئة، وتطبيق حقوق الإنسان وغير ذلك... فماذا يعني، في نهاية المطاف، وعلى سبيل المثال، انتشار ورش العمل التي تعنى بتدريب المنظمات غير الحكومية على تطبيق مفهوم "حل النزاعات".
ألا يمكن أن يكون هذا الأمر تدجيناً للشعوب وتسليماً بالحلول الجيوبوليتيكية المفروضة من قبل الدول العظمى المستأثرة بالقرار العالمي؟
ماذا بقي للمثقّف العربي في ظل هذه العولمة المهيمنة والمتأمركة ؟ أن يطالب بسلطة عراقية ينتخبها الشعب العراقي بحرية كاملة في ظل "الأرمادا" الأميركية ؟ أن يقول للشعب الفلسطيني ماذا يجب أن يفعل لكي تبقى القضية الفلسطينية ملكاً للعرب ؟ أن ينصح حكّامه بأن يقولوا لا للإصطفاف وراء الدول العظمى، لا للخضوع لشروط البنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية ؟
لا أريد أن أكون متشائماً وداعية إحباط للمثقّف العربي. لكن بؤس المثقّف العربي هو في أن يكون إما منظّراً لعشيرته وطائفته، وإما أن يلتحق بدون كيشوت في حربه ضد طواحين الهواء، وإما أن يصمت.
لكن بؤس المثقّف العربي ليس قدراً محتوماً. لربما أنه زمن صمت وتأمل ومراجعة للذات الفردية والجماعية، وزمن مخاض. لكنه ليس أبداً زمن الاستسلام لهزيمة والتسليم المطلق بمنطق الطغاة. ولا شك أن المثقّف العربي سيعرف الطريق المستقيم المؤدّي إلى الحرية والسيادة والكرامة إذا ما بقي خارج لعبة الجزرة والعصا وبقي مستمداً نبضه وكلمته وروحه وإبداعه من التصاقه العضوي الدائم بروح أمّته ووطنه وجسدهما.

 

 
   
 
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=