http://kouttab-al-internet-almaghariba.page.tl/
  «أكتب لكم جميعا»
 
مصطفى الحسناوي
صادفت المليح أول مرة عند نهاية الثمانينيات من القرن الماضي في حي القصبة بمدينة الصويرة، إبان إقامتي سنوات هناك. كنت حينها قد قرأت رواياته الأولى ومن ضمنها «ألف عام بيوم واحد» التي تتحدث عن التهجير القسري لليهود المغاربة إلى فلسطين.
هرعت إليه حين رأيته محتفيا به. حدثته عن الأهمية القصوى التي تكتسيها نصوصه الروائية بالنسبة لي وللكثيرين من أمثالي فأشرق وجه الرجل وقال حينها متحمسا إنه يكتب من أجلنا جميعا، قالها بلغته الجميلة التي تنتمي للهجة العربية ليهود المغرب. تقدمنا بضع خطوات إلى أن صرنا قريبين من «مقهى فرنسا» ثم افترقنا بعدما اتفقنا على لقاء آخر في «مقهى الشاطئ» أمام ساحل البحر مباشرة. أتى المليح في موعد اللقاء بالذات، رأيته من بعيد يمشي بتؤدة ممسكا بذارع امرأة هي زوجته التي عرفني عليها بمجرد ما وصل، ماري ـ سيسيل دوفور التي بدت لي حينها صورة طبق الأصل من سيمون دوبوفوار، نفس طريقة اللباس، نفس القوام النحيف وملامح الوجه. انخرطنا في الحديث عن الكتابة الأدبية وعن رواياته بالذات. كان جالسا أمام البحر كأنه مقيم في دهشته الأولى، يتكلم بنبرات منتظمة ووجازة دالة في جمل قد لا تتعدى مفرداتها أصابع اليد الواحدة أحيانا، لكنها كانت من الدلالة بحيث تكفي لتبيان المقصود. سألته حينها عما إذا كان ممكنا اعتبار نصوصه الروائية منذ «المجرى الثابت» أجزاء من أوتوبيوغرافيا مقنعة. كانت المسألة الأوتوبيوغرافية حينها تشغل بالي، خصوصا أن الكثير مما كتبه المغاربة في أدبهم الحديث، سواء بالعربية أو بالفرنسية، مسكون بموجة العمق تلك. لم يجب حينها، إذ اعتبر بأن الأمر موكول لوجهة نظر القارئ، وهو أمر لا سلطة له عليه. ثم التقينا مرات أخرى خلال زياراته التي قد تطول أو تقصر إلى الصويرة في أماكن أخرى كمقهى فرنسا أو مرسم الفنان التشكيلي الحسين ميلودي في «بيت اللطيف».. الخ.
كان الراحل الفذ إدمون عمران المليح عاشقا صويريا بامتياز، عاشقا لوردة المكان تلك الممنوحة جسدا وروحا لهبات البحر، التي لا تمنح أسرارها وكوامنها إلا للذين يعلنون فيها المحبة. عبر تلك الجلسات بالذات والحوارات المتكلمة أحيانا، الصامتة أحيانا أخرى، اكتشفت زخم المودة الرؤوم الذي يسكن الرجل وعمق العلاقة الحميمية التي تربطة بأمكنة المغرب العميق، التي أثثت متخيله الروائي، وسكنت لغته وأنطقته بعد أن بلغ من العمر عتيا. ذلك ربما من ضمن الأسباب التي دفعته بشكل صارم وحاسم إلى رفض الذهاب والانتماء إلى «المكان المغتصَب» فلسطين، حيث ذهب مهاجرا ومستوطنا جزء هام من سلالته، لأن الانتماء إلى «المكان الحميمي» كان يملأ وجوده كله، وكان الشكل الأوحد لسياسته، فكيف يجمع بين مكانين متناقضين وما اللغة التي تستطيع قول ذلك؟ طيلة سنوات وعبر لقاءات متباعدة أخرى كنت أهرع إليه كلما رأيته لتحيته وتبادل بضع عبارات معه، هو الأصيل العميق المتواضع والنزيه بالرغم من قامته الأدبية الباذخة. أهرع إليه هربا من كل الزيف والنفاق الذي يملأ الساحة الثقافية كأعشاب ضارة. نادرون هم الكتاب الذين تستطيع عبر مجاورتهم والحوار معهم تعلم درس الكتابة والوجود، وعمران المليح أحد هؤلاء.
عرفت من خلال تلك اللقاءات بأن ماري ـ سيسيل زوجته فيلسوفة تشتغل بحذاقة حرفية ومعرفية على المتن النقدي الأدبي لدى والتر بنيامين، وأنها كتبت عنه. كان الثنائي إدمون وماري ـ سيسيل بمثابة حياة مشتركة مفكرة ومفكر فيها. بعد ذلك عثرت على كتابها الباذخ عن والتر بنيامين بالصدفة، في إحدى مكتبات مراكش واقتنيته. كان الأمر متعلقا بكتاب «الملاك الجديد» Angelus Novus، أحد أعمق الكتب التي ألفت عن بنيامين على مستوى التحليل والمزج الخلاق بين المآلية الوجودية للكاتب ونصوصه الأدبية. كانا معا على ما يبدو، أي إدمون وماري ـ سيسيل، يقرآن النصوص ذاتها، يشتغلان ويكتبان النقد والتأويل بنفس الأسلوب الباروكي، التي تمتزج فيه جدة التحليل بشعرية اللغة وحميمية الإنصات للنص، تماما كما فعل هيدغر في إنصاته المفكر لقصيدة هولدرلين وموريس بلانشو في تأويله لتجربة ريلكه الشعرية وغيرهما.
كانت اللقاءات مع إدمون تتم أحيانا كثيرة بالصدفة كلقائي معه في بني ملال مرتين أو ثلاثا، حين كان يأتي لزيارة صديقيه الحميمين حسان بورقية وعبد الكريم الجويطي، يتحامل على رجليه الواهنتين، ويمشي الهويني بجسده المثقل بأعباء السنين ليحيي تلك الفضيلة النادرة في الحياة الاجتماعية والثقافية، فضيلة الصداقة بمعناها الإغريقي.
عاش إدمون حيوات عديدة في حياة واحدة، انخرط في التجربة النضالية كشيوعي ضد المستعمر الفرنسي، عاش تجربة المنفى الاختياري سنوات عديدة في باريس، ومارس تدريس الفلسفة في المغرب والكتابة ناضجة من شجرته الوجودية والفكرية السامقة. لم يكتب إدمون نصوصا جنينية أولى بعد الستين، بل ولدت رواياته كاملة مبنى ومعنى، تحفل بالكثير من التأثيرات: تأثير جيمس جويس من حيث الاشتغال الألخيميائي على اللغة والحكي الذي يندغم في تفاصيل المحكي ويستنطق الجوانب الكامنة فيه، وتأثيرات بروخ وسيرفانتيس وليثاما ليما وبنيامين وتقليد التأويل اليهودي كما نجده عند الفيلسوف «ميمون» صاحب «كتاب الحائرين» وفي نصوص القبال La Kabbale وغيرها. هنا بالذات تكمن إضافاته الأدبية والفكرية، التي أضفت على الأدب الحديث في المغرب سمات التنوع والفرادة وفتحته على أفقه الإنساني الرحب. لم يكن إدمون عمران المليح مجرد كاتب، بل كان ضليعا في الثقافة الكونية، ذا معرفة مذهلة بنصوص الآداب العالمية، شبيها شيئا ما ببورخيس الذي استبطن من داخل عماه أسرار الكتاب اللانهائي، أو التجربة الوجودية اللانهائية التي يقود إليها كل انتماء حقيقي وحميمي للأدب وحده. لذا كانت نصوصه الروائية الماكرة وكتاباته النقدية موجهة أساسا لسلالة اليقظين الذين تمرنوا على مجاورة النصوص الباروكية، واختبروا التوغل عميقا في أنفاقها ودروبها المتاهية. كان الأدب هو المسألة الأنطلوجية الوحيدة التي تعنيه، والتي استدعى من داخلها كل حميمية تواريخه السرية والمعلنة وعشقه العارم لإنسانية الإنسان أولا وأخيرا، وحبه للأرض التي استضافت على مدى السنين خطوه ـ الطفل.
كان لقائي الأخير معه سنة 0102 في شهر مارس بالرباط، رأيته جالسا يتأمل في مقهى شعبي يلوذ به في «باب الحد»، فهرعت إليه كعادتي كل مرة. كانت المودة تنثال من ملامحه والإحساس الباذخ بالامتنان للحياة يغمره. تكلم بنبرة صوته الواهن عن الكتابة وعن الوضع الاعتباري للأدب في المغرب ويداه تمسكان مقبض عكازه، وعيناه تشعان بألق المودة والذكاء، الألق ذاته الذي ظل يسكنهما باستمرار. ذكرت مرة أخرى اسم الراحلة ماري ـ سيسيل دوفور المليح زوجته، والأثر الذي خلفته في كتاباتها عن والتر بنيامين، فأخبرني بأنه يتأهب صحبة الأصدقاء لعقد ندوة فكرية حول أعمالها ودعاني للمشاركة فيها. كتبت له عنواني الإلكتروني في ورقة وقمت مودعا، تماما كما يليق بأن نودع كاتبا بقامة إدمون عمران المليح. كان ذلك آخر عهدي به إلى أن أتاني خبر وفاته، ليعود مرة أخرى إلى صمته الأمومي هناك، في المقبرة اليهودية بالصويرة بجوار الملاح وباب دكالة مطلا، شأن جان جوني في مقبرة العرائش، من أعال منحدرة على شساعة المحيط، يدغدغ رقاده الصخب البحري، وتحرسه أطياف شخوصه الروائية وصداقاته الغاربة
 
   
 
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=