http://kouttab-al-internet-almaghariba.page.tl/
  عمران المليح والهويات القاتلة
 
«الخيط الناظم لحياتي هو ارتباطي القوي بوطني»
يونس وانعيمي
عن سن يناهز 39 سنة، توفي الكاتب المغربي والمثقف والروائي والصحافي إدمون عمران المليح، صباح يوم الإثنين 51 نونبر بالرباط،
بعد عطاء فكري وأدبي، وإن بدأ متأخرا.
ولم يتوان إدمون المليح، الحاصل على جائزة الاستحقاق الوطني س  نة 6991، في التشديد على تشبثه بوطنه في مختلف المناسبات، وهو الذي أكد، في حديث إلى وكالة المغرب العربي للأنباء قبل بضعة أشهر، أن «الخيط الأساس الذي ينتظم مسار حياتي هو ارتباطي القوي بوطني»، كما أنه لطالما بدا مفتخرا وهو يتحدث عن أصوله الأمازيغية وانحداره من قبيلة آيت عمران جنوب الأطلس.
 وعبر الراحل عن رفضه لفكرة الهجرة إلى إسرائيل جملة وتفصيلا، قائلا إن الديانة ليست هي التي تحدد الوطن، بل ذهب إلى حد إدانة تهجير يهود المغرب إلى إسرائيل وكل من تواطأ في ذلك، معتبرا ذلك بمثابة سرقة مواطنين مغاربة من قبل دولة أخرى.
كما حرص دوما على تأكيد إدانته الشديدة للصهيونية باعتبارها «حركة عنصرية وحشية تقتل الأطفال والنساء والشيوخ والشباب»، ولـ«الجرائم الإسرائيلية البشعة ضد أبناء الشعب الفلسطيني الذي يكافح بكل ما أوتي من قوة من أجل حريته واستقلاله وحقه في وطنه».
القيمة الفكرية داخل المسار الثابت
لقد لزم صاحب «المجرى الثابت» الكتابة في عمر متأخر، بعدما عاش طفولته في حي يختلط فيه اليهود بالمسلمين، مما جعله يرفض فكرة الهجرة إلى إسرائيل شأن بني جلدته. في إطار نشاطاته السياسية، انضمّ إلى الحزب الشيوعي المغربي، وكان يكتب في جريدته «الأمل» باسم مستعار هو عيسى العبدي، فأنجز ملفات وتحقيقات اجتماعية عدة مكـّنته من الاحتكاك بمجموعات أو شرائح اجتماعية مسحوقة من عمال وفلاحين وعمال ميناء الدار البيضاء.
خلال الأحداث الدامية في المغرب أو «أحداث 32 مارس» في عام 5691، والتي كشفت عن فشل الدولة التي علـّق عليها أبناؤها آمالا في فترة الاستعمار، وبسبب مواقفه المعارضة لحكم الحسن الثاني، غادر المليح إلى فرنسا حيث درّس الفلسفة ومارس الصحافة في ملحق الكتب في جريدة «لوموند» الفرنسية.
قال المليح: «كوّنت مادة كتبي في مرحلة من المراحل»، وأكـَّد أنه شعر بالارتياح خلال مزاولة التدريس في المغرب أكثر من فرنسا لأسباب أرجعها إلى أنه كان يفكر في مستقبل بلاده في الفترة التي أعقبت الاستقلال، بالدرجة الأولى، وفي تكوين الأطر الشابة، ثم إنه كان معتزا بالتدريس في ثانوية محمد الخامس...
في مهجره الاختياري، دشَّن مسارا مغايرا لأبناء جيله في الحياة والكتابة، لكنه وجد صعوبة في التكيف مع الأفق الثقافي لفضاء باريس المتعدّد واختراقه. ولمّا تحسّنت الأوضاع نسبيّا، عاد إلى المغرب الذي ارتبط به وجدانيّا، قاطعا غربة دامت ثلاثة عقود ونصف العقد (5691-0002)، وذكر أنه فعل ذلك انطلاقا من «رؤية واقعية حاسمة، لا تنازل عنها ولا شوفينية فيها أو تعصُّبَ»، وتابع: «من منا لم يشعر مرة في حياته بالرغبة في أن يكون مزدوجا، متغرّبا أو غريبا عن ذاته، وهي العلامة التي تدل على تعقد الشرط الإنساني».
إضافة إلى القيمة الإبداعية التي أنتجها الرجل في إطار ما نسميه بأدب الرسالة (من خلال الرسائل العديدة والجمة التي أرسلها عمران إلى أصدقائه وخصومه ونقاده والتي لم تحظ، للأسف، بتحقيق نقدي كبير)، أصدر المليح «المجرى الثابت»-0891، «أيلان أو ليل الحكي»-3891، «ألف عام بيوم واحد»-6891، مرورا بـ«أبو النور»-5991، «المقهى الأزرق: زريرق»-8991، وانتهاء بكتابه الأتوبيوغرافي «رسائل إلى نفسي»-0102.
كان صديقه التشكيلي حسان بورقية أخلص من ترجم معظم إصدارات الكاتب الراحل إلى العربية. وعلى رغم أنها كلها باللغة الفرنسية، فإن الدارجة المغربية حاضرة فيها باعتبارها حاملة للدلالات التي سعى المليح إلى إيصالها إلى المتلقي والتي تركز، في مجملها، على المبادئ الإنسانية السامية وقيم العدالة والمساواة ورفض الظلم، أيا كان مصدره وأيا كانت دواعيه.
كذلك، تناول المليح تجارب فنانين تشكيليين مغاربة وأجانب كثر، وقدّم إليهم معارضهم في كاتالوغات أو كتب تتناول أعمالهم. في «حوارات» 5002 التي أجرتها معه الكاتبة الفرنسية ماري رودونيه، كشف المليح عن خلفية ثقافية واسعة عن عصره المضطرب الذي عاشه صاحب «ألف عام بيوم واحد» في موضوعات الكتابة والهجرة، الرسم، الصداقة، المدينة، الطبخ، النضال السياسي، وفلسطين. وأصرّ على قول أكبر قدر ممكن من الأفكار والمواقف التي شغلته على مدار عمر يغطي قرنا، شهد المغرب الثقافي والسياسي خلاله «هزات ثقافية وسياسية». وذلك كله في المنظور الذي لا يفارق دائرة الكتابة التي تتأطر داخلها هذه المواضيع، الكتابة التي تنأى عن الوثوقية و«الامتلاء» الذي لا مجال فيه لـ«الكلمة الأخيرة».
لم يعتبر المليح آخر كتبه «رسائل إلى نفسي» عملا أوتوبيوغرافيّا «لأن في كتابة السيرة الذاتية من النرجسية الشيء الكثير»، رغم أنه استهله، هو المزداد في مدينة آسفي، بالحديث عن أصوله الأمازيغية وانحداره من قبيلة آيت عمران جنوب الأطلس. كتب: «ارتأيت أن أوجّه رسائلي إلى نفسي بصيغة المفرد، ثم عدلت عن ذلك لأن الاحترام اللازم توافره إزاء النفس أضحى عملة نادرة في زماننا»، (ص 12). وتتوالى الرسائل العشر. يُذكر أن الكاتب خاطب قرينه بـ«الصديق»، وبـ«الصديق العزيز»، وبـ«الآخر العزيز»، وبـ«الرقيب العزيز»، وبـ«الصديق والعدو اللذيذ»، وبـ«العزيز والصديق الذي لا أمل في تغييره».
الرسائل العشر للمليح
يعثر القارئ، عبر توالي الرسائل العشر، على مزيج من تأملات فلسفية وشعرية وتأريخية، وعلى أسماء معروفة في عالم الأدب والفن والسياسة (زولا، بلزاك، برغسون، فوكو، بروست، ألان، ديكارت، طوماس مور، بورخيس، ديكنز، سارتر، تيوفيل غوتيي، إلياس كانيتي، والتر بنجامين، فيلاسكيز، كازان، ماو، ميتران، ديستان...)، وعلى أسماء أماكن ذات حمولة تاريخية وحضارية متنوّعة تستدعيها ذاكرته النصية وذاكرة جذوره الروحية التي تنغرس في المغرب وإسبانيا السفاردية، وفي نصوص الثقافة الأوربية أيضا.
في كتاب «المقهى الأزرق»، نقرأ بضع مداخلات ألقيت في ندوات عقدت في إسبانيا بين 7891 و2991، وفي ندوة جرت أشغالها في إيطاليا عام 5991، بالإضافة إلى المقدّمة التي وضعتها ماري سيسيل ديفور. ويمكن تصنيف المقالات والمداخلات إلى نوعين:
- مقالات ذاتية: تحدث الكاتب فيها عن مقهى «الزريرق» في مدينة أصيلة، وعن فقر صديقه الفنان خليل الغريب، وعن مقبرة اليهود في المدينة نفسها، قبل أن يتحدث عن تجربة كتابة روايته الأولى «المجرى الثابت» طارحا قضايا نقدية مثل قضية الهوية الثقافية، واللغة الأم ولغة الكتابة، والسيرة الذاتية والتخييل.
- مقالات حول كـُتـّاب ونصوصهم: حيث تحدث المليح عن كتاب «الليلة الناجية» الذي ألفته زوجته ماري سيسيل ديفور عن فكر والتر بينجامن، كذلك تطرَّق إلى كاتبين مغربيين، هما الشاعر مصطفى النيسابوري والروائي والشاعر محمد خير الدين، وإلى أربعة كتاب إسبان هم يوحنا الصليب واندريس سانتيش روباينا وخوسي أنخيل فالنتي وخوان غويتيسولو، وإلى الفيلسوف وعالم اللاهوت الإيطالي جيوردانو برونو، وأخيرا إلى الكاتب الفرنسي جان جينيه الذي خصه بثلاث مقالات حول كتابه «الأسير العاشق».
وكان البعد الحضاري أهم ما ركز عليه المليح عبر إبراز أهمية تعايش الديانات الثلاث، المسيحية والإسلام واليهودية، ونبذ كل نزعة تفتيش من شأنها تدمير هذا التعايش بواسطة النفي والإحراق. كذلك، أصدر كتابات عن القضايا الكبرى، ولاسيما القضية الفلسطينية العربية، ومعارضة الفرنكوفونية بخلاف كثير من الذين هاجروا إلى فرنسا.
بادر المليح أيضا إلى كشف الخداع الصهيوني للعالم في روايته «ألف عام بيوم واحد» وغيرها من الكتابات، ولم يتوانَ عن فضح الصهيونية باعتبارها «حركة عنصرية وحشية تقتل الأطفال والنساء والشيوخ والشباب»، وتحدث عن «الجرائم الإسرائيلية البشعة ضد أبناء الشعب الفلسطيني الذي يكافح بكل ما أوتي من قوة لأجل حريته واستقلاله وحقه في وطنه». فقال في أثناء إحدى الهجمات على غزة: «حينما أشاهد ما يحدث بغزة: جثامين الأطفال والنساء والدمار، أحسّ بالاختناق من الظلم ومن الهمجية والبربرية ومن القدرة، بل الإرادة الرهيبة لإسرائيل على قتل الناس الأبرياء وتدمير شعب بأكمله». كذلك رأى أنـّه من «الواجب الخطير محاربة الذات السياسية الوحشية العنصرية لإسرائيل تجاه الفلسطينيين»، داعيا إلى وقف بناء المستوطنات التي تحمل أفكارا عنصرية تتنافى مع الديانة اليهودية نفسها.
في ندوة عقدها المعهد الفرنسي في 1 فبراير 0102 في المكتبة الوطنية بالرباط، هاجم المليح طريقة تناول محرقة «الهولوكوست»، وتوظيفها لأهداف سياسية وإيديولوجية، مما أثار حفيظة المنظـّمين وجدلا داخل القاعة التي احتضنت الندوة. قال المليح: «إن كلمة (لا شوا ف وُفو) هي كلمة اخترعتها الصهيونية، لتوظيفها لأهداف سياسية وإيديولوجية، وهو الأمر نفسه الذي يقع الآن»، في إشارة إلى المشروع الترويجي للمحرقة وسط ضبابية كبيرة.
انتقد المليح أيضا حصر الحديث في الجرائم التي وقعت ضد الإنسانية في «المحرقة اليهودية»، في الوقت الذي عرف فيه التاريخ جرائم عدة، متسائلا لماذا لا تثار مسألة المغاربة ضحايا الاستعمار؟ مضيفا أن طريقة تناول «المحرقة» تنحرف عن طريقها، وأن هذه النوعية من الخطاب مغلوطة.
في السياق نفسه، أوضح المليح أنه «من غير المعقول أن نخلط بين «المحرقة» وبين بريمو ليفي، صاحب كتاب «هل هذا هو الإنسان؟»، باعتبار أن الأخير عاش تجربة خاصة لا يمكن أن تكون زاوية لمقاربة «المحرقة».
أثارت تصريحات المليح حفيظة مجموعة من الحاضرين في القاعة، وفي مقدّمتهم أندريه أزولاي الذي لم يخفِ ردة فعله تجاه مداخلة المليح، وفجّر جدلا مع جويل كوتل، أستاذ علم التاريخ في الجامعة الحرة ببروكسيل، الذي رفض تصريحات المليح. على أن المليح لم يكن يُخفي حساسيّته الشديدة من مشكلة هجرة أو تهجير اليهود من المغرب إلى إسرائيل. وفي هذا الإطار، انتقد الأفلام السينمائية المغربية التي تناولت حديثا هذه المشكلة (من بينها شريطا «فين ماشي يا موشي» و«وداعا أمهات») باعتبار أنها تجانب الصواب في أمور كثيرة، ولا تعدو كونها «أشرطة فولكلورية» لا غير. ورفض المليح أن تـُترجم أعماله إلى اللغة العبرية التي ليست، في نظره، «لغة مهمة» ولم تـُحْيَ إلا داخل إسرائيل.
قال المليح إنه جاء إلى الكتابة صدفة، لكنه، ابتداء من ثمانينيات القرن العشرين، لمّا أصدر روايته «المجرى الثابت» التي عبّر فيها عن تجربته الذاتية في النضال والسياسة والحياة، وعن تاريخ المجتمع المغربي وذاكرته، استطاع أن يجد لنفسه موطئ قلم في خارطة الأدب المغربي وهو الموقع الذي استقر به الرجل لسنوات محققا ما يسمونه بالتكثيف الأدبي بالنظر إلى غزارة ما تمت كتابته اتباعا.
وفي عام 9691، كُرِّم المليح إلى جانب الكاتب قاسم الزهيري والشاعر محمد الحلوي بـ«جائزة الاستحقاق الكبرى»، ثمّ بـ«وسام الكفاءة» عام 4002، ذلك تقديرا لإنتاجه الأدبي والتخييلي، ولمواقفه الوطنية ومساهمته في إشعاع الثقافة المغربية الحديثة ولقيمة فكره وخصوبة إبداعه ودورها في التعبير بالغنى الحضاري للمغرب داخلا وخارجا.
 حظيت أعمال المليح بدراسات ومتابعات نقدية وصدرت عنه مجموعة دراسات وكتب، نذكر منها كتاب «إدمون عمران المليح: مسارات كتابة» للناقد بوعزة بنعشير، الصادر بالفرنسية عن «دار لارمتان» سنة 7991، و»الكتابة والهويات القاتلة» للناقد يحيى بن الوليد، الصادر بالعربية عن منشورات «مؤسسة إدمون عمران المليح» عام 7002.
في رأي بن الوليد يحيى، يمثل المليح علامة فارقة في الثقافة المغربية، ومرد ذلك إلى هويته المركبة التي تمنحه نبرة متفردة، فمغربيته كاشفة لجغرافيات ثقافية متعددة، وتكشف بيبلوغرافيته الغنية عن جزء من مسارات تشكل الكتابة والتي تحتفي باللاثبات. فرواياته وكتاباته في الرسم، الفلسفة، المرأة... مجرد تجليات لفعل الكتابة لديه. وتستند تمظهرات هذا الفعل إلى أسس أولها اللغة التي تقوم عليها الكتابة، اللغة كسلطة للفكر والذاكرة والتخييل.
 
   
 
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=