http://kouttab-al-internet-almaghariba.page.tl/
  جريمة عبد الناصر في حق طه حسين
 

جريمة عبد الناصر في حق طه حسين
 
ناصر عراق
 
يتعجب المرء كثيرا حين يتساءل: كيف لقائد مثل جمال عبد الناصر، حاز قلوب الجماهير وحبهم اللا محدود، أن يقدم على اتخاذ قرار يقضي بإزاحة طه حسين من رئاسة تحرير جريدة 'الجمهورية' وإيقاف مقالاته سنة 1964؟ كما يعتري الواحد منا حزن كبير عندما يعلم أن الدولة المصرية التي كان يقف على قمتها بشموخ الزعيم الخالد لم تحاول أن تدفع مليماً واحداً من مصاريف العملية الجراحية الخطيرة التي أجراها عميد الأدب العربي عام 1960! علماً بأن الدكتور طه لم يكن من الأثرياء القادرين على دفع ثمن الشفاء من أمراضهم الخبيثة والمفاجئة. أحزان سوزان 'معك' هو عنوان الكتاب الذي وضعته زوجة طه حسين الفرنسية السيدة سوزان بعد رحيل زوجها بأعوام قليلة، والمعروف أن طه حسين المولود في 14/11/1889 قد غاب عن دنيانا في 28/10/1973 . في هذا الكتاب المدهش الذي ترجمه بدر الدين عرودكي وراجعه محمود أمين العالم تتجول رفيقة درب الأستاذ العميد في أروقة ذكرياتها مع الرجل الذي أضاء بأنواره الفكرية ليالي الثقافة العربية المعتمة، فكان مثالاً ناصعاً لما أطلق عليه جرامشي 'المثقف العضوي' الذي شارك بفكره وآرائه ومناصبه الرسمية في زحزحة جبال التخلف التي جثمت فوق قلوب وأرواح المصريين قروناً طويلة. في هذا الكتاب الباذخ الذي أصدره 'المركز القومي للترجمة'، والذي يحتشد للأسف بأخطاء إملائية ومطبعية كثيرة جداً لا تليق بالمركز ولا بالعميد، تقول سوزان التي لم تتعلم اللغة العربية قط، وهذه إحدى مفارقات القدر العجيبة، حيث أن قرينة أكثر الرجال فصاحة في اللغة العربية في القرن العشرين لم تتعلم اللغة التي امتطاها زوجها كفارس أصيل وأخضعها لضرورات العصر الحديث! المهم تكتب سوزان بالحرف الواحد: 'لم أكن لأشك وأنا أصعد على ظهر الباخرة أوسونيا في البندقية في شهر تشرين الاول (أكتوبر) 1960 أن حياتنا مقبلة على انعطاف مفاجئ سوف يغيرها تماماً. فجأة غدا قرصان منخمصان في العمود الفقري العنقي بمثابة تهديد للنخاع الشوكي بالنسبة إلى طه. على أن عملية جراحية صعبة أجريت له حالت دون الشلل، غير أن طه لم يعد يستطيع استخدام ساقيه استخداماً عادياً عندما أصبح يمشي بصعوبة، ثم عندما لم يعد يمشي إلا قليلاً جداً، ثم عندما لم يعد يستطيع القيام إلا بخطوات مؤلمة مترددة'. ثم تضيف زوجة صاحب 'الأيام' بعبارات تقطر حزناً وأسى: 'ما سأقوله ليس ساراً لي، لكني أريد أن أقوله مع ذلك. فقد كان المصريون يعتقدون ـ وما زالوا - أن الحكومة قد تحمّلت مصاريف هذه العملية. وكان ذلك يبدو لهم أمراً طبيعياً. ربما كان الأمر على هذا النحو، لكنه لم يحدث. فقد دفعنا مصاريف ونفقات الإقامة في المستشفى، كالعادة كاملة، بل بشكل مضاعف باعتبار أنني لم أترك طه لحظة واحدة'. هذا ما كتبته سوزان بكل أسف، فإذا علمت أن جمال عبد الناصر كان قد بلغ أوج مجده عام 1960، فكيف يمكن تبرير عدم إسراع الحكومة إلى دفع تكاليف نفقات علاج أنبل أبناء مصر في القرن العشرين؟ لقد بذل الأستاذ العميد جهوداً خارقة لانتشال المصريين من مستنقع الجهل والتخلف، إلى بساتين العلم والتحضر، فطه حسين كما تكتب سوزان في كتابها إياه: 'أسس كلية جديدة للطب، وكذلك جامعة جديدة هي جامعة إبراهيم (عين شمس حالياً)، وأنشأ المعهد الإسلامي في مدريد، وفي أثينا أنشأ كرسياً جامعياً للغة والثقافة العربيتين، وكان يأمل في تأسيس معهد في الجزائر'. كان ذلك في أربعينيات القرن الماضي عندما أطلق شعاره العظيم 'التعليم كالماء والهواء بالمجان' سنة 1942، وقد سعى لتحقيق هذا الشعار عملياً عندما تولى منصب وزير المعارف في حكومة الوفد عام 1950. اقرأ معي ما تقوله السيدة سوزان: 'استخدم طه كل الوسائل الممكنة كي يزيد من عدد المدارس الابتدائية التي لم يكن عددها كافياً، حتى وصل به الأمر إلى أن قام بجولة مخيفة في محافظة الدقهلية، وكان يريد أن يقوم بجولات أخرى أيضاً. كانوا يريدون الاستماع إليه، وكان يقبل الكلام شريطة دفع مبلغ معين لبناء مدرسة. وكان بعض الوجهاء المأخوذين به يدفعون بشكل عفوي. فكان يعود إليّ في حالة نفسية ممتازة.' أرأيت ماذا حقق طه حسين من إنجازات عظيمة ومدهشة، فكيف لا تهرع الحكومة إذن إلى نجدته عندما يعتل جسده ويعتريه العطب؟ وكيف تقبل أن يبدد الرجل مدخراته القليلة في الإنفاق على علاجه على الرغم من كل ما قدمه لبلاده؟ إزاحة العميد في عام 1959، كما تعلم، شن نظام عبد الناصر حملة اعتقالات عصبية طالت العديد من الشيوعيين المصريين الذين ظلوا نحو خمس سنوات في سجون الزعيم، منهم من قضى نحبه مثل شهدي عطية، ومنهم من اكتأب من جراء التعذيب القاسي غير المبرر. في سنة 1964 تم الإفراج عن الشيوعيين بعد مفاوضات مع النظام قدم خلالها 'الثوريون' القدامى تنازلات فكرية وتنظيمية خطيرة، الأمر الذي جعل النظام يكافئهم من خلال استيعاب العديد منهم في وظائف الدولة، وبعضهم تولى مناصب مرموقة (محمود أمين العالم مثلاً ترأس مجلس إدارة مؤسسة 'أخبار اليوم'). في هذا المناخ 'المنفتح' فكرياً وسياسياً، إذا جاز القول، تعرض صاحب 'على هامش السيرة' إلى موقف مفاجئ وغبي. اقرأ ما تقوله سوزان: 'لم يكن طه يخلص من النقد ولا من الضربات البشعة كضربة صحيفة (الجمهورية) التي ألغت في عام 1964 فجأة عقدها معه، كما ألغت في الوقت نفسه عقود آخرين كان أحدهم كاتباً معروفاً. وقد كتب هذا الأخير في الأيام الأخيرة أنه كان له الشرف أن (أقيل) مع طه حسين'. يجب أن أذكرك بأن ضباط يوليو كانوا قد أوكلوا إلى الأستاذ العميد رئاسة تحرير جريدة 'الجمهورية' منذ عام 1960، تلك الجريدة التي أنشأتها الثورة لتعبر عن توجهاتها وتعزز قراراتها. ومع ذلك لا يعرف أحد بالضبط لماذا غدر الضباط بالعميد فأقالوه؟ وكيف واتتهم الجرأة على إزاحة رجل بقامة طه حسين وقف ضد الظلم والفقر والجهل قبل أن يولد كل هؤلاء الضباط؟ أذكر أن الدكتور محمد صابر عرب كتب في العدد 41 (تشرين الاول / أكتوبر) 2008) من مجلة 'دبي الثقافية'، التي كنت أدير تحريرها آنذاك، عن هذه الواقعة قائلاً: 'عندما تولى حلمي سلام رئاسة تحريرها ـ الجمهورية ـ في تموز (يوليو) 1964 توقف طه حسين عن الكتابة فيها، وقد كتب بمرارة شديدة: 'لقد استغنوا عن خدماتي ضمن عدد من المحررين'. ثم يضيف صابر عرب: 'أعتقد أن طه حسين بدأ متحمساً للثورة داعماً لسياستها ومبادئها من عام 1952 حتى عام 1964، لكن عقب ذلك وحتى وفاته عام 1973 ابتعد كثيراً عن الكتابة في المجالات الداعمة لأهدافها'. المدهش أن طه حسين هو أول من أطلق كلمة 'ثورة' على ما جرى ليلة 23 تموز (يوليو) 1952، وهو الذي كتب هذه العبارة الجميلة والباذخة عندما ألغت الثورة النظام الملكي وأعلنت قيام الجمهورية: 'لقد شَقيت مصر بالنظام الملكي شقاءً متصلاً، وقد آن للمصريين أن يدركوا أن الحكم لن يكون إلا لهم، وأن الحكام لن يكونوا إلا خدماً للشعب، يُنصّبهم ويرزقهم أجورهم، ويسألهم عما يفعلون'. هكذا كتب طه حسين مندداً بالنظام الملكي، لكنه لم يكن يعلم أبداً أن مصر ستشقى أيضاً بالنظام الجمهوري! الزعيم والعميد تعيد قراءة العلاقة بين جمال عبد الناصر وطه حسين طرح السؤال التاريخي حول الصلة بين المثقف والسلطة، وما هي حدود الوشائج بينهما؟ خاصة إذا اتفقنا على أن المثقف الحقيقي هو من يدعو إلى العدل وإنصاف الفقراء، وينفر من القهر والاستبداد، ويبشر بالحرية والجمال، فضلاً عن كونه ـ أي المثقف ـ ينحاز دوماً إلى الفكر الحر والمستنير، في الوقت الذي يخاصم فيه الجمود والرجعية. لا ريب إذن في أن طه حسين يعد من أهم المثقفين المصريين وفقاً لهذا المفهوم، إن لم يكن أهمهم على الإطلاق. ولا شك أيضاً في أن جمال عبد الناصر واحد من أخلص أبناء مصر الشرفاء، الذي أدرك القيمة التاريخية لبلده، وكافح من أجل تحرير شعبها وتعزيز مكانتها. أي أن الرجلين ـ الزعيم والعميد ـ كانا يجتهدان من أجل تحقيق هدف واحد، وهو أن تصبح مصر دولة سامقة ذات شأن، ينعم أهلها بالحرية والعدل، ويبتهجون بالعلم والمعرفة. لكن يبدو أن لبريق السلطة رأياً آخر، فعبد الناصر، هذا الرجل الذي زهد في كل مباهج الحياة باستثناء القبض على نار السلطة، لم يكن من الذين يتسامحون مع معارضيه الأشداء، لذا انزعج كثيراً حين كتب طه حسين منتقداً موقفه من الأحزاب المصرية قبل 1952 عندما وصفها الزعيم بكلام قاس في الميثاق الذي أصدره سنة 1962، حيث قال الأستاذ العميد: 'إن نفسه لم تطمئن إلى قضيتين وردتا في الميثاق، الأولى تاريخية تتعلق بما آلت إليه الأحزاب المصرية بعد نضالها في سبيل الاستقلال منذ الحرب العالمية الأولى، وما أثارته من نهضة فكرية ونشاط عقلي لا سبيل إلى الجدال فيه، فقد أيقظوا الشعب وعلموه بما ألفوا من كتب، وما نشروا من أدب، وكنت أود لو أنصفهم الرئيس'. أما القضية الثانية فهي ما ذكره الرئيس من أن العلم للعلم في حد ذاته، مسؤولية لا تستطيع طاقتنا الوطنية تحمل أعبائها في هذه المرحلة، الأمر الذي أحزن الأستاذ العميد بكل تأكيد، فقد ظل طوال حياته مدافعاً صلباً عن حق الناس في تلقي العلم. في ظني أن احتجاج طه حسين على بعض ما ورد في الميثاق هو ما أوغر صدر الزعيم ضد أعظم مثقف مصري في القرن العشرين، وكان ما كان من إقالة وتجاهل بكل أسف. ومع ذلك عاد عبد الناصر ومنح طه حسين 'قلادة النيل' عام 1965 في احتفالية كبرى وهي أرفع وسام مصري تمنحه الدولة، بعد أن كان قد وهبه جائزة الدولة التقديرية في الآداب سنة 1958! أرأيت حجم تناقضات واضطراب الضابط الوطني المثقف، أقصد جمال عبد الناصر، الذي يقدر عبقرية طه حسين، لكنه لا يطيق أن ينتقده أحد حتى لو كان هذا الطه نفسه! المحزن أن عميد الأدب العربي الذي احتشد طوال حياته بطاقة جبارة من العمل والأمل غاب عن دنيانا مغموماً وحزيناً، فها هو يتحدث إلى غالي شكري (راجع مقال صابر عرب الذي سبقت الإشارة إليه) بلغة يائسة وموجعة للقلب، يقول: 'إن البلد ما زال متخلفاً وقعيداً ومريضاً وجاهلاً، وأن نسبة الأميين كما هي، والمثقفين يتناقصون بسرعة تدعو للانزعاج. يخيل إلي أن ما كافحنا من أجله هو نفسه لا يزال يحتاج إلى كفاحكم وكفاح الأجيال المقبلة بعدكم... أودعكم بكثير من الألم وقليل من الأمل'. ترى... لو كان طه حسين ما زال حياً بيننا بماذا كان سيصف أحوال مصر المحروسة الآن؟ على أية رحم الله الاثنين... الزعيم والعميد. كاتب من مصر
 
 
   
 
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=