http://kouttab-al-internet-almaghariba.page.tl/
  في حلقة 'جامع الفنا'
 
في حلقة 'جامع الفنا' المراكشية: تجليات السحر والفتنة

 

 

 

 



عبده حقي
ليس غريبا أن تصنف شركة خدمات الإنترنت العالمية ( ياهو) في نشرتها المعممة ليوم 13 آذار ( مارس) 2011 ساحة ( جامع الفنا) ( بتسكين الفاء) (PLACE JAMAA LAFNA ) في مدينة مراكش المغربية من بين أشهرعشر ساحات سياحية في العالم، مضاهية بذلك الساحة الحمراء في موسكو وميدان بيكاديلي في لندن وسان بيير في روما وتيان أنمين في بيكين وساحة تايمز سكوير في نيويورك وغيرها . ولكي ندشن هذه الرحلة المراكشية إلى غرب الوطن العربي لا بد من هذا السؤال / العتبة: كيف وبأية أسرارخبيئة تستمد هذه الساحة الأسطورية كل هذا السحرالمغناطي حتى تزاحم أعتد الساحات العالمية ولتصبح هي (الأكورا) العربية في أبهى تجلياتها الثقافية الشعبية المتفردة؟ فعلى الرغم من أن أعتق المدن التاريخية المغربية تتميز
بساحاتها الفسيحة كساحة ( بوجلود) في فاس وساحة ( الهديم) في مكناس فإن ساحة ( جامع الفنا) في مراكش قد استطاعت أن تنحث لها هذا الاسم العالمي الذي غالبا ما جعل اسم المغرب يقترن بمدينة مراكش خصوصا في التاريخ المشرقي منذ العصر الوسيط إلى حدود بداية القرن العشرين مع الاحتلال الفرنسي الذي حول العاصمة بعد مراكش من فاس إلى الرباط . كيف إذن استطاعت هذه الساحرة الفاتنة أن تجعل الزوار من كل أنحاء العالم من اليابان شرقا حتى أمريكا غربا يشعرون فيها بالعودة إلى الفردوس المفقود؟ تقع ( جامع الفنا) في قلب عاصمة الجنوب المغربي مدينة مراكش الحمراء وقد سميت الحمراء لأن ملامح عمرانها التقليدي الواطئ أو العصري الشاهق يتزيا بطلاء أحمر لا تقهره تقلبات الفصول الطبيعية بمكر طقسها المتحول. ( جامع الفنا) هي بمثابة تلك الدالتا التي تصب فيها كل الروافد التقليدية والعصرية، وإذا كان المثل الإيطالي يقول: ( كل الطرق تؤدي إلى روما) فمن حق جميع المغاربة اليوم أن يقولوا وبكل فخر: كل الطرق تؤدي إلى ( جامع الفنا). لقد اختلفت التأويلات التاريخية والشفوية حول تسميتها ( جامع الفنا)، كما تعددت البحوث الحفرية في الذاكرة المراكشية الجماعية لفض لغز هذا الاسم الأسطوري ... بيد أنه ولكي تحافظ على عذرية بهائها الأزلي أبت هذه الساحة إلا أن تبقى مثل الكنز المرصود لا يقوى على فك طلاسمه إنس ولا جان ولا حتى جبل ( طوبقال) حارسها الأطلسي الأزلي، ولا حتى شيخ الحكواتيين المزمن ولا سيدة العرافات المرابطات فيها، بل إن حيرة هذا الاسم الملغز قد شغلت حتى الزوار والأدباء والمفكرين العرب والغربيين سواء منهم العابرون أو الذين آثروا الإقامة النهائية بها على العودة من حيث أتوا ... وبذلك تصير ( جامع الفنا) مسرحا للأسرار بامتياز.. مسرحا مشرعا على الأفق الجميل المبهم .. لا تقفل بوابته لا بالليل ولا بالنهار.. إنها أكبر ركح مسرحي في العالم حيث تبلغ مساحتها 150 مترا طولا و 100 مترعرضا أي بمساحة تعادل ملعباً لكرة القدم . كثيرا ما ارتبط اسم ساحة ( جامع الفنا) باسم الكاتب الإسباني ( خوان غويتيسولو) الذي اختار مدينة مراكش منذ سبعينيات القرن الماضي إقامته الأبدية ومن دون شك سوف تكون مثوى أخيرا له، لقد فضل أن يستقر بها ليتشرب ما استطاع من تراثها الشفاهي والفرجوي، ولن ينسى أهل مراكش وكل المثقفين المغاربة الفضل الذي لا يقدر بثمن لهذا الكاتب الإسباني على هذه الساحة، فقد كان لصدى مقاله الذي نشر في جريدة ( لوموند ديبلوماتيك) عن ظاهرة ( الحلقة 1) ( بتسكين اللام) الأثرالكبيرعلى اعتماد ساحة ( جامع الفنا) تراثا عالميا من طرف منظمة اليونيسكو سنة 2001 ، مما حفزمن جانب آخرأهل مدينة مراكش وروادها وتجارها على تأسيس جمعية ثقافية لدعم جل فنون هذه الساحة وخصوصا فن الحلقة الحكواتية وفنون الفرجة الأخرى الراسخة فيها منذ عقود. وهكذا تقرر تقديم منح مالية شهرية لأغلب الحكواتيين لتشجيعهم على الاستمرارفي تقديم عروضهم اليومية وتطوير مهاراتهم وإبداعاتهم ولِم َ لا تلقينها لأحفادهم ولِمَ لا إنشاء معهد تكوين لهذا الغرض ... يقول خوان غويتيسولو في تقديمه لكتاب ( مراكش .. أسرار معلنة ) المشترك بين الشاعرين المقيمين في مراكش ياسين عدنان وسعد سرحان: ' كيف السبيل إلى وصف ما أحدثه الفضاء؟' بهذا السؤال واجهني، منذ ثلاثين عاماً، ذلك العالمَ الصغير المدهش الذي يُحيلنا كلُّ حجر وكل شخص، بين ظهرانيه، على ماض يجترحه الخيال... على هذا السؤال يُجيبنا النص البالغ الجمال ' مراكش: أسرار معلنة' لياسين عدنان وسعد سرحان. من خلال كلمات المؤلفَين تتحول حياة المدينة إلى نوع من الممارسة المشتركة للكتابة، وإلى فضاءٍ يمور بالجلبة والأصوات، وملكوتٍ للااحتمال حيث نجد من الحقيقة ما يعادلها من الاختلاق. وإذ يتساءل السائر المتجول: ' كيف نفتتح المدينة؟ وأي خريطة خرساء تستطيع أن تضم هذي الدروب وهذي الأزقة، هذي الساحات وهذي الأسواق التي تصرخ بكل ما أوتيت من أصوات الحياة؟'. يجيب صاحبا الكتاب بعبارات دقيقة تتواشج قصيداً ينقل جهراً حكايا المدينة وأساطيرَها، وكذا الهيجان السديمي لأزقةٍ مَتاهيةِ الامتداد، حيث ' تكاد بوصلة الوقت تُجنّ ويكاد موشورُها يَعشى'.. وإذا كانت ساحة ( جامع الفنا) قد ارتبط اسمها بالكاتب الإسباني خوان غويتيسولو فلأنه قد استطاع أن يحلق بها كما حلقت به من المحلية إلى العالمية، لكن هناك العديد من الكاتبات والكتاب المراكشيين الذين تسكنهم الساحة بقوة عزَّ على اللغة الإفضاءُ بسحرها المهيب فهذا شاعر مراكش الكبير أحمد بلحاج آيت وارهام يقول في شهادة خص بها هذه البانوراما : ' جامع الفنا بالنسبة إلي هو ثدي الأم الذي رضعت منه ما لم أرضع من الجغرافيات الأخرى التي تحاول أن تتماهى معها، فهي مربع الطفولة ومدرسة تفجير الخيال. لو لم أوزع فيها جسدي وعقلي وذاكرتي وطفولتي وأحاسيسي لكنت أعمى. إنها النجمة الهادية في صحراء الإكراهات التي كانت تأكلني بمكر الحب وحب المكر، خاصة من هذه الأطراف الثلاثة: المنزل المحافظ كما الصحراء المحافظة على رمالها ولا نهائيتها، والمدرسة الملجمة بجداولها الزمنية الشبيهة بجداول النار، والزاوية الخانقة لأحلام الطفولة بأحلام ما ورائية، لا ترى فيها إلا قدسية اللحى والعمائم والضرائح والشيوخ، وكروم الغيب المتوهمة. من هذا المثلث الأشبه بفانطازيا الجحيم حررتني جامع الفنا مبكرا بما يحكى فيها من حكايات وسيرغريبة وعجيبة ولذيذة كحلوى ( جبان كل أوبان) التي كنا نحبها في صغرنا، وبعد النضج والقراءات صارت جامع الفنا النبع الذي أستقي منه كثيرا في إبداعاتي كما يستقي صديقي خوان غويتيسولو الذي لا أجالس في ( مقهى فرنسا) سواه، لأن نبضينا يلتقيان في حب جامع الفنا، هذه الساحة النجاة التي لولاها لانعطفت حياتي إلى شيخ معمم يبيع وهم الغيب للآخرين، ولم ننس أيضا الصوت النسائي المراكشي وعلاقته الجمالية بالساحة، فهذه الشاعرة نجاة زباير تسميها ( ساحة الربح) تقول في شهادتها: عن علاقتي بالساحة الكونية الموسومة بساحة جامع الفنا أو جامع الربح، كما يطلق عليها المشتغلون فيها، هي علاقة طائر يرقب المشهد بعين ثالثة ويسجل تفاصيله السرية المحتجبة تحت مظهر كلاني، سواء في حلقات الحكي أو حلقات الفرجة الممتدة كمائدة تشكيلية مسرحية، يؤثثها عبيدات الرمى، أولاد حماد أموسى، كناوة، عيساوة. ففي عمق هذه التشكيلة تكون عين الطائر مشتغلة على إخراج شريط إبداعي، لن تعرف سماته إلا بعد زمن تكون فيه الذات قد صفَّتْه وفق رؤيتها التأمثلية، فيأتي منسربا في شرايين قصيدة أو متسلقا مفرق مقالة، أو واقفا كوردة جورية على هضاب خاطرة.هكذا تتسرب إليّ جامع الفنا بعشقها الملتبس، وهكذا أتسرب إليها فهي حقا ( جامع الربح) الإبداعي. في ساحة ( جامع الفنا) تتنوع أغراض الحلقات بين حلقات مهنية وأخرى فنية إبداعية كالحلقة الحكواتية والحلقة التمثيلية التي تقدم عروضا كوميدية تلقائية ومرتجلة تدورفي الغالب حول علاقات غرامية تمتح رمزيتها من التراجيديا الإنسانية عن الفردوس المفقود وأدوارالشيطان في نكبة الطرد والهبوط وتماهيه مع حيل المرأة وأحابيلها، وبين حكايات الشطار والعيارين ومقالب جحا والمناوشات بين البدوالسذج واللصوص الحضر الحاذقين والحلقة الطبية الشعبية والحلقة البهلوانية وحلقة ترويض القردة والثعابين والزواحف وحلقة الألعاب السحرية ..إلخ. ويحف ساحة ( جامع الفنا) أشهر الأسواق التقليدية التي تعتبر بحق بورصة يومية نشيطة بامتياز لا تختلف في حركيتها عن أسواق دمشق وبغداد والقاهرة. إن سوقها ( السمارين) يشكل المعبرالرئيسي للسياح ليتبضعوا التذكارات النادرة ومختلف تحف الصناعة التقليدية المغربية الزاخرة بتشكيلاتها الفنية التي لا حصر لإبداعاتها الحرفية والتي تعتمد في مادتها الخام على خشب العرعار الذي يجلبه الحرفيون من الغابات المحيطة بمدينتي ( الصويرة) و( آسفي) الشاطئيتين ومن جلود الحيوانات وصفائح النحاس وألواح الرخام وصخور الغرانيت ومنسوجات الصوف والحرير...وهو عموما سوق يشكل معرضا حافلا بالبازارات التي تشبه بكنوزها مغارة ( علي بابا) مفتوحة دائما لعرض منتوجات الصناعات التقليدية القادمة من كل تخوم المملكة. ولكل سوق من الأسواق الأخرى تجارته الخاصة به، كسوق ( الغزل) المتخصص في تسويق المنسوجات الصوفية وسوق ( البطانة) المتخصص في تسويق جلود الخرفان والماعز والبقر التي تصلح لصناعة الحقائب وحافظات النقود والمعاطف والأحزمة والنعال الصيفية الخفيفة والقبعات. وسوق الزرابي المتخصص في تجارة الزرابي على اختلاف أنواعها المكناسية والفاسية والرباطية والأطلسية الأمازيغية والتي من دون شك تشتهر بتنافسها عالميا مع الزرابي الإيرانية والتركية ... كما أن لمدينة مراكش رجالها الصلحاء أيضا الذين يحرسونها بمهابة أضرحتهم ويغدقون عليها من كراماتهم وبركاتهم التي لم تنضب نفحاتها منذ قرون .. ورجالها سبعة ولذلك غالبا ما تسمى مراكش بمدينة ( السبعة رجال) وللرقم سبعة طبعا دلالته وبعده الرمزي والروحي في الدين الإسلامي السني الذي يعتنقه كل المغاربة على اختلاف تركيبتهم الاجتماعية والإثنية والجغرافية، ومما لا شك فيه أن لهذا المكون الرقمي في النسق الاعتقادي الإسلامي مثل ( سبع سماوات وسبعة أيام والسبعة الذين يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله وسبعة بحور وسبعة أبواب وسبع سنبلات وسبع بقرات وسبع ليال و..و..إلخ ) لهذا الرقم امتداده المحدد في حصر عدد السادة الأولياء في سبعة وهم: القاضي عياض والإمام الجزولي والإمام السوهيلي وسيدي يوسف بن علي وسيدي عبدالعزيز التباع وسيدي عبدالله الغزواني وأبوالعباس السبتي، ولكل ولي من هؤلاء الأولياء السبعة زاويته أي فضاؤه الدعوي وخلوته النسكية والتعبدية التي يتردد إليها مريدوه ليستلهموا من كراماته ويتبركوا من أدعيته التي ـ ليس بينها وبين الله حجاب ـ وجل هؤلاء الأولياء كان لهم الدور الكبيرفي الأحداث التاريخية التي عرفها المغرب في دعم سلاطين المملكة الشريفة والدعاية الدينية والتزكية الروحية لهم، بل من هذه الزوايا من شكلت النواة الأولى لتأسيس دولة من الدول التي حكمت المغرب مما يعني أنه كان لها وزنها ودورها الاستراتيجي في تاريخ المغرب العربي الكبير وشمال إفريقيا عموما . ولن تكتمل نشوة سياحتك في مراكش وتنقش صورها في ذاكرتك إذا لم تكن جولتك على دراجة أو عربة تجرها الخيول، فمما لا شك فيه أن ما يميز مدينة مراكش عن المدن المغربية العتيقة الأخرى هو هذه الآلاف من الدراجات الهوائية وهذه المئات من العربات التي تجرها الخيول (horse drawn carriages ) فهذه الوسائل قد أصبحت مكونا أساسيا في البنية الإجتماعية والحضارية المراكشية، ففي كل شبر شبر أو شارع شارع تجد إما دراجة هوائية أو نارية أو عربة تجرها خيول، أكثر من هذا يمكن أن نقول أن هاتين الوسيلتين ( الدراجة والعربة) قد صارتا جزءا من ملامح الهوية المراكشية لا فرق في إمتطائها بين رجل وامرأة، وهذا ما جعل من مراكش المدينة الوحيدة في العالم العربي التي يدب في شوارعها أكبر عدد من الدراجات الهوائية والبخارية وأول مدينة عربية أيضا تعبر شوارعها المئات من النساء على الدراجات سواء كن في زيهن العصري (تنورات أو سراويل جينز) أو بجلابيبهن التقليدية. وإذا كانت مصر هبة النيل فيمكن القول من دون تردد أن مراكش هبة ( جامع الفنا) ولقد كان لشهرة الساحة العالمية دور أساسي في استقطاب اهتمام مشاهير عالميين في جميع مجالات الفن والثقافة والسياسة والأعمال والرياضة والعديد منهم قد حجزوا لهم لمدد طويلة في السنة شرفاتهم الفندقية الجميلة المطلة على ساحة ( جامع الفنا) وعلى جنائن النخيل الفسيحة والعرصات الغناء والبساتين والحدائق الفيحاء وأشهرها حديقة ' الماجوريل ' JARDIN MAJORELLE التي شيدها الفنان التشكيلي الفرنسي جاك ماجوريل ( 1886 ــ 1961) سنة 1931 ثم تحولت سنة 1980 في ملك أشهرمصممي الأزياء في العالم ( إيف سان لوران YVES SAINT-LAURENT ) والذي ووري جثمانه فيها سنة 2002 . ومن بين أبرز أسماء هؤلاء المشاهير العالميين الذي افتـُتنوا بمراكش وساحة ( جامع الفنا) على الخصوص يكفي أن نسرد على سبيل الذكر لا الحصر الوزير الأول البريطاني الأسبق وينستون تشيرشل بين ( 1940 ــ 1945 ) والمخرج العالمي الشهير ألفريد هيتشكوك الذي صور بها جزءا من فيلمه ( الرجل الذي يعرف أكثر) والممثلة نيكول كيدمان وكيت وينسليت وأوريتا وورك والممثل العالمي الشهير براد بيت وزوجته أنجلينا جولي والرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك والرئيس الحالي نيكولا ساركوزي وسيغولين روايال ودومينيك شتراوس ومجموعة الروك الغنائية العالمية الرولينغ ستون ونانسي عجرم وأخيرا أمير قطرالشيخ محمد بن خليفة آل ثاني الذي قضى بها احتفالات أعياد السنة الميلادية الأخيرة 2011. تلتئم إذن في هذه ( الأكورا) المراكشية الباذخة كل مكونات الهوية المغربية، بقزحيتها المتميزة وبتآصر فسيفسائها الذي يختزل في قامته التعدد في المغرب كملتقى للحضارات العربية الإسلامية والإفريقية والأوروبية ... فأنت حيثما تطوف وتجول بين مؤثثات الساحة الاستعراضية فأنت لا شك ستنبهر لهذا الكشكول الحضاري التقليدي والعصري بين صورة سيدة قد يغازلك قدها الخلاسي العربي الأمازيغي وهي تتلفع في لثامها الليلي الساهر وجلبابها الأحمر الباهرالذي جاب جميع زواياها مقص الحداثة، لكي تنسدل الخصلة الحيرى متهفهفة على الجبين أو قد يبهرك قد فتاة فارعة واثقة الخطو بثبات بقامة ( المانيكان). حول ( جامع الفنا) تتعدد الإقامات السياحية بين دور وقصور و( رياضات) وفنادق بالاس (PALACE ) راقية بتصنيفاتها النجومية العالمية والتي على الرغم من تسعيراتها الباهظة فإن الكثير منها تظل محجوزة مسبقا على مر الفصول الأربعة حيث أن مدينة مراكش هي المدينة المغربية والمتوسطية الوحيدة المتميزة بائتلافها مع كل الفصول. ولذلك قد يتعذر على الزائر العثورعلى غرفة أو سرير في فترات الذروة السياحية خصوصا في فصل الربيع. كل يوم قد يخلق فصله الخاص به حتى أن الزائر لا يدري هل الفصول هي التي تصنع المدينة أم المدينة هي التي تصنع فصولها ... وهناك فنادق متوسطة خارج التصنيف يتواجد أغلبها في المدينة العتيقة، وقد كانت في الأصل قصورا ( رياضات) لوجهاء وأعيان وكبار تجار المدينة على مر الامبراطوريات التي تعاقبت على حكم المغرب منذ المرابطين والموحدين والمرينيين والسعديين و..و..وانتهاء بالشرفاء العلويين) وجل هذه الامبراطوريات التي بلغت سيادة سلطتها شرقا إلى طبرق في ليبيا وبلاد الغال (PAYS DE GALLES ) في شمال أوروبا والسودان جنوبا ما يعرف اليوم بـ ( موريتانيا والسينغال ومالي وتشاد والنيجر). جل هذه الامبراطوريات المغربية قد اتخذت من مدينة مراكش عاصمة لها نظرا لموقعها الجيواستراتيجي المركزي كنقطة وصل بين شمال مغربي لا يبعد سوى عشر كيلومترات ونيف عن بوابة الأندلس الجنوبية وبين جنوب مغربي يشرئب على إمتداده الإفريقي الأسود حيث لا تبعد عاصمة ( تمبكتو) في دولة ( مالي) سوى خمسين يوما على ظهر الجمل . إن هذا الموقع المحوري الذي أثر كثيرا في التفاعل السياسي والتاريخي للمغرب هو ما جعل من مدينة مراكش اليوم كما بالأمس مدينة جذب وإقامة أبدية وحاضرة طافحة بحراك سياسي واقتصادي وثقافي وإثني متماوج على الدوام، لكن في ظل ثوابت الهوية التاريخية المغربية، وبالتالي فقد أهدت هذه الكيمياء الحضارية سحرا جذابا تتسابق إلى دوخته الرائقة كل الرغبات والفتن والشهوات المباحة لتلتئم في لوحة متفردة اسمها ساحة ( جامع الفنا) ... هناك كل الدروب والأزقة الضيقة والشوارع العصرية العريضة تيمم وجهها شطر الساحة، لتتشبع من ثراء مهرجانها الفرجوي اليومي الذي لا تستريح لوحاته الاستعراضية لا بالنهار ولا بالليل .. في هذا الفضاء الذي يزدحم بأكثر مما يحتمل من دهشة في كل لحظة .. في هذا الركح الاحتفائي الذي كثيرا ما استلهم المسرحيون المغاربة من مرجعيته التراثية الفنية حيث تلتقي كل أصناف وألوان الإبداع عند الإنسان المغربي ... تتعانق الحكاية بالخرافة بالرواية بالقصة بالكوميديا بالمأساة والملهاة بالكوريغرافيا التقليدية .. إن ساحة ( جامع الفنا) أكبر من سيرك ( موناكو) العالمي وأدهش من ( الأكورا) اليونانية، ففي كل شبر منها حلقة ووسط كل حلقة ( ممثل مفرد) (one-men-show حاذق وشاطر نذر نفسه لفتنة حكاية ' ألف ليلة وليلة' أو' أزلية سيف بن ذي يزن ' أو ' العنتريات' او قصص ' الشطاروالعيارين') ... حكايات وقصص مغربية أخرى لا تنتهي عند الغروب إلا لتأخذ بتلابيب حكايات أخرى عند المساء على ضوء القناديل والفوانيس السهرانة وذبالات المصابيح المتراقصة ويقظة المتحلقين وغفوتهم بين الحين والآخر.. ولكل حلقة عرافتها التي قد تأتي العاشق المتيم بأجمل الحسناوات وهي مذعانة على صهوة الفارس المتأهب على ورقة اللعب ( الكارطة 2 ) .. ولكل حلقة عشابها ( الطبيب التقليدي) وهو في الغالب من السكان الصحراويين السمر الوافدين على المدينة متلفعين في ضراعاتهم الزرقاء الفضفاضة والمعتمرين بعماماتهم السوداء. يفترش العشاب الأرض ويعرض فوق حصيره العجب العجاب من بهارات ( راس الحانوت) ونباتات وحبات خرز وخردل وسوائل وأوراق أشجار وبيض طيور نادرة مستعصية على الصيد وجلود الحيوانات الصحراوية السامة من ضبب وسحالي وزواحف وثعالب وثعابين بعضها تصلح جلودها للتبخيرعلى لهيب جمر النار المقدسة لطرد مس المارد الرابض في أغوار النفس الأمارة بالسوء وبعضها تعلق جلودها على نواصي رتاجات البيوت لطرد السوء ووقاية البيت من مداهمة الشياطين ... ولكل حلقة مروض أفاعيها الرقطاء من كوبرا وصلّ وثعابين وحيّات تشرق جلدتها تحت شمس الساحة الحارقة التي قد تبلغ في الصيف ما بين 40 و50 درجة حرارية. ولكل حلقة عقربها السوداء التي تلهو على وجه مروضها ولا تغمد شوكتها إلا في الصندوق والمتفرجون المتحلقون يترقبون لحظة اللذعة القاتلة أي لحظة النهاية والنهاية هي الفناء في ساحة ( جامع الفناء) غير أنه لا لذعة تحدث سوى لذعة الفرجة وسم الدهشة الذي يسري في أحاسيس الكبار والصغار، فالمبارزة تروق والمراودة تحلووتحتدم رقصة الأفعى على نقرات الطبل وعزف النايات ومغازلة ( الحلايقي) لمعشوقته الرقطاء ... ومن أشهر رواد الحلقة ( الحلايقي) أسماء كثيرة من أصول مراكشية متجذرة ومنها أسماء وافدة على الساحة من مدن أخرى عتيقة اندثر من ساحاتها العامة فن الحلقة كما سبق وأن أشرنا إلى ذلك سابقا مثل ساحة ( بوجلود) في مدينة فاس وساحة ( لهديم) في مدينة مكناس اللتين عادت إليهما حياة وحيوية الحلقة في السنين الأخيرة، ثم هناك ( حلايقية) وفدوا على الساحة من القرى المجاورة أو تلك النائية هناك في جبال الأطلسي العميق أو من آفاق الصحراء البعيدة ... ومن بين هذه الأسماء الشهيرة نذكر اسم ( محمد الجابري) و( الصاروخ) و( دكتورالحشرات) و( فليفلة) و( فقيه العيالات) و( باقشيش) و( الشيخ بلعيد) غير أنه تجدر الإشارة إلى أن جميع هؤلاء لم ولن يبلغوا مرتبة الشهرة المتميزة التي حققها ( الحلايقي) العالمي ( محمد باريز) أشهرالحكواتيين في ( جامع الفنا) ويعود لقبه ( باريز) إلى اسم مدينة ( باريس) العاصمة الفرنسية كما ينطقها جل المغاربة باللهجة الدارجة ( باريز). ويحكي ( محمد باريز) أن هذا اللقب قد أطلقه على عائلته أحد المعمرين إبان الاستعمار الفرنسي حينما قصد والده دائرة مكتب الحالة المدنية في محافظة مراكش، ولما كان بعض المغاربة وقتئذ لا يتوفرون سوى على أسمائهم الشخصية وليست لديهم ألقاب موثقة في سجلات إدارة المحافظة فقد كان الاستعمار الفرنسي قد أطلق على الكثير منهم ألقابا انطلاقا من رؤية إستعمارية دونية وهكذا كان حظ ( محمد باريز) مع لقبه الذي يحمل بصمة مرحلة مهمة في تاريخ المغرب . يقول صاحبنا الحكواتي إنه قد اكتسب فن الحكي من والدته التي كانت تحكي له قصصا خيالية شعبية كما أنه لن ينسى تطور مهاراته الحكائية الشفهية على يد رائد وقيدوم الحكواتيين في ( جامع الفنا) الشيخ ( محمد الجابري) الذي تبلغ تجربته الحكواتية في الساحة ما يربو عن أربعين سنة . وفي حوار لـ ( محمد باريز) مع الصحافي والشاعر ياسين عدنان ضمن برنامج ' مشارف الثقافي' الذي تبثه القناة المغربية الأولى كل مساء أربعاء يقول أنه وفي إطار انفتاح تجربته الحكواتية على فنون الأدب الأخرى، من قصة ورواية وغيرهما، فقد دشن تجربة رائدة مع الأديب الإسباني ( خوان غويتيسولو) من خلال تحويل روايتيه ( الرجال اللقالق) و( سوق العبيد) إلى مادة حكواتية بامتياز عرضهما ( محمد باريز) في (جامع الفنا) وعلى خشبة مسرح مراكش وفي مدن مغربية أخرى وأيضا خارج المغرب في إسبانيا وفرنسا على الخصوص. وامتدادا لهذه المغامرة الإبداعية وهذا الانفتاح الحكواتي على الفنون الأخرى المجاورة وفي سابقة فنية متفردة ولافتة هي الأولى من نوعها في العالم، امتزجت فيها التقنية الحكواتية الشعبية مع سرد المونتاج السينمائي، فقد استطاع ( محمد باريز) أن يصنع من بعض الأفلام السينمائية المعروضة ضمن مهرجان السينما الدولي لمراكش مادته الحكائية ويعرضها في ( حلقة) خاصة به خارج ساحة ( جامع الفنا) وبالضبط في ( عرصة مولاي عبدالسلام)، وكان هدفه من هذا الاختيار هو البحث عن فضاء هادئ بعيدا عن ضجيج ساحة ( جامع الفنا) لكي يستمتع معه السمار الذين فاتتهم مشاهدة الأفلام المبرمجة في المهرجان أو النقاد المتخصصون الذين يودون مقاربة تقنية نقل الفيلم من الشاشة إلى الحلقة ... ( هنا التاريخ تُعاد كتابته من جديد. كل التواريخ تبدأ من جامع الفنا. وكل الجغرافيات أيضاً. أعِدْ ترتيب معلوماتك أيها الزائر، ودع الساحة تدَّعي، ربما تمادت في صدقها: ستكتشف أن أبانا الأول آدم مراكشي قحّ وأن حواء من ' آيت أورير' إحدى أحواز المدينة المتاخمة لها. وستعرف أن المدينة المنورة قد بُنيت في سالف العصر من طرف يثرب وزير سيف بن ذي يزن بإيعاز من الملك سيف نفسه، وأنه بعد بناء المدينة كتب الوزير وصية استأمن عليها يهودَ المنطقة راجياً منهم تسليمها لقُرَشي ذي أوصاف رملية سيظهر ذات يوم. وبعد أن اطمأنَّ على المدينة / الوصية غادرها ليرحل في ركاب سيف بن ذي يزن إلى مراكش حيث قضيا بها بضعة....). من كتاب ( مراكش أسرار معلنة ). هل انتهت رحلتنا وقمنا بجميع ما يلزم من فروض التطواف في الساحة؟ أبدا فهناك في ركن المقهى الشعبي كأس شاي منعنع يكلل هذه الرحلة الأسطورية في متاهات العمق المغربي الفاتن ... وللسياحة الثقافية من دون شك علاقة وطيدة بفن الطبخ وهذه الساحة بكرمها الموروث لم تنس كيف تجعل زوارها يتلمظون أشهى الأطعمة التقليدية والعصرية مثلما تتلمظ آلات التصويرعلى أكتاف السياح أجمل الصورالتذكارية . فإذا كان هنا في باحة هذه الساحة أكبر ركح فرجوي تراثي في العالم العربي فهنا أيضا تجد أكبر مطعم ميداني في العالم يتأثث بالعشرات من الموائد المصطفة في هندسة بديعة على طول 80 متراً تقريبا .. منها مطاعم في دكاكين صغيرة ومطاعم راقية ومطاعم في الهواء الطلق ... لا يخبو جمر أفرانها ولا يكل طهاتها الشعبيون من توزيع الابتسامات والصحون والكؤوس على الرواد في كل وقت وحين من شروق الشمس حتى مطلع الفجر، وبها أيضا مطاعم جاهزة على عربات بيضاء متناسقة خاصة ببيع عصائر البرتقال والليمون المسكر وكوكتيل الباناشي وأقداح اللبن المخلوط بالكسكس ( سيكوك) ومختلف السوائل الساخنة مثل القهوة المعدة بألذ البهارات كأعواد القرفة ونبتة الزعتر وأباريق الشاي المنعنع ومشروب ( التساخن) الذي يزعم البعض أنه يشفي من كوابح البرود الجنسي ومشروبات طبيخ الحلزون ولعل أشهر أكلة مراكشية على الإطلاق هي ( الطنجية) التي غدت وجبة عالمية وهي وعاء مشغول من الطين الأحمر يشبه الكوز أو القلة المتماهية مع قد المرأة فللطنجية خصرها وبطنها الخفيض وصدرها السوي ويستحب طهيها على جمر نار هادئة طيلة ليلة كاملة عند ( الفرناتشي) وهوالاسم الذي يطلق في المغرب على الشخص المكلف بتطعيم نار الحمام العمومي بالحطب ولا يمكن أن نذكر هذه ( الطنجية) من دون ذكر توأمها ( الطجين) وهو ليس أكلة بل وعاء من طين أيضا وهو دائري الشكل ذو غطاء هرمي يقدم في الولائم الخاصة ووجوده على المائدة يعتبر في آداب الضيافة المغربية أرقى مظاهر الاحتفاء بالضيف. وأخيرا ونحن نلملم حقائبنا ونلفف تذكاراتنا في المناديل المطرزة نقول شكرا لـ ( جامع الفنا) هذه الساحة التي خلقت منا نحن أيضا حكواتيين. ها هي قد استدرجتنا لكي نمارس بعضا من لعبها الحكواتي الجميل ونعب من قدح بلسم أعشابها ونراقص أفعى غوايتها ... وإذا كانت أخواتها في موسكو وباريس وبيكين ولندن ..إلخ مساحات للرحابة والانفلات من ضغط الحيطان الضيقة والظفر بلحظة للقيا غرامية أوالإنصات للذات والتأمل العميق في كنه الوجود فإن ساحة ( جامع الفنا) تتفرد عن هذه الساحات العالمية جميعها بعطائها التراثي الشفهي التليد وبكونها ساحة لا تحيى سوى بنجيع الحكاية وأنها مثل غريزة الطبيعة تخشى الفراغ .ولذلك لم يأت تصنيفها من ضمن أشهر عشر ساحات عالمية مجانيا أو اعتباطيا. هوامش : ــ ( مراكش .. أسرار معلنة) عمل إبداعي مشترك بين الشاعرين المغربيين ياسين عدنان وسعد سرحان يتمحورحول جماليات المكان في ( جامع الفنا). ــ الحلقة هي أقدم فن للفرجة يقام غالبا في الساحات العمومية على شكل دوائر للمتفرجين الذين يتحلقون حول ( الحلايقي) الذي يقدم عرضه الفرجوي مقابل إكرامات زهيدة لا تتعدى بعض الدراهم وتتنوع مظاهر الحلقة وتختلف أغراضها ومؤثثاتها بين حلقة للحكواتي وحلقة لمروضي الثعابين والقردة وحلقة للطب الشعبي وحلقة للعرافة والفراسة وحلقة للرياضة البهلوانية وتوجد بالمغرب ثلاث مدن عريقة معروفة بهذا الفن وهي مراكش وفاس ومكناس كما ورد هذا الفن إلى ساحات مدن حديثة مثل البيضاء والرباط ووجدة وتارودانت ..إلخ. ــ الكارطة نوع من أوراق اللعب تبلغ أربعين تستعملها العرافات في قراءة الطالع. ــ كناوة رقصة فولكلورية تعود إلى أصول إفريقية وتستعمل فيها آلة الصنوج والطبل الكبيروقيثارة الهجهوج. كاتب مغربي
 
   
 
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=