http://kouttab-al-internet-almaghariba.page.tl/
  بورخيس ينظر
 

بورخيس ينظر إلى العالم كمكتبة لا متناهية
خلود الفلاح

كتاب " صنعة الشعر" يتضمن ست محاضرات قدمها الكاتب" خورخي لويس بورخيس" في جامعة هارفرد عام 1967 .ترجمة: صالح علماني-دار المدى- الطبعة الأولى 2007. هذا الكتاب بالرغم من أنه سهل المنال بصورة مذهلة كما يقول علماني إلا أنه ليس من النوع التعليمي سهل الهضم، إنه يزخر بتأملات شخصية عميقة ، ولا يقع في السذاجة، إذ كان يُغني محاضراته بما لا حصر له من الأمثلة والنماذج النصية التي تترسخ جماليتها دوماُ في العمق الجوهري للأدب. ويضيف في صنعة الشعر يتحاور بورخيس مع مؤلفين ونصوص لم يفقد قط متعة العودة للاستشهاد بهم والتعليق عليهم بدءاً من هوميروس، فيرجيل، بيوولف، شكسبير، وويتمان وغيرهم. يبدأ بورخيس محاضرته الأولى "لغز الشعر" بالقول إنه أخطأ حين عنون محاضرته بهذا الاسم لأن ذلك قد يدفع المتلقي إلى التفكير في أن هذا اللغز هو الأهم أو الاعتقاد وهذا هو الاسوء انه أي بورخيس قد اكتشف المغزى الحقيقي للغز والحقيقة انه لا وجود لأي كشف يقدمه يؤكد بورخيس سوى انه أمضى حياته يقرأ ويحلل ويكتب " يحاول أن يكتب " ويستمتع ليكتشف أن هذا هو الأهم. في هذه المحاضرة يقدم بورخيس عدة تعريفات للشعر لعدد من المفكرين والتي منها ان الشعر هو التعبير عن الجمال بكلمات محبوكة بصورة فنية فان هذا التعريف كما يقول بورخيس يمكن أن يصلح في معجم أو في كتاب تعليمي، أما نحن فيبدو لنا قليل الإقناع، هذا يعني أننا نعرف ما هو الشعر، نعرف ذلك جيدا إلى حد لا نستطيع معه تعريفه بكلمات أخرى مثلما نحن عاجزون عن تعريف مذاق القهوة واللون الأحمر أو الأصفر أو معنى الغضب، الحب، الكراهية، الفجر، الغروب أو حب بلادنا. في المحاضرة الثانية وعنوانها "الاستعارة" يستعرض فيها الكاتب" خورخي لويس بورخيس" نصوص لعدد من الشعراء كالارجنتيني" لوغونيس" والاسباني" خورخي مانريكي" و"روبرت فروست " وغيرهم كيف تعاملوا مع الاستعارات النمطية عبر القرون. "فن حكاية القصص" في هذه المحاضرة تحدث بورخيس عن الشعر الملحمي وما يتعرض له من نسيان في عصرنا الحديث، ويتنبأ بموت الرواية ولكنه في الجانب المقابل يدافع عن القصة القصيرة فهو يرى أن الناس لا يتعبون أبداً من سماع وحكاية القصص وإذا ما رافق متعة سماع القصص احتفاظنا بمتعة إضافية من كرامة الشعر وجدارته عندئذ لابد أن يحدث شيئا عظيماً كما يقول بورخيس. وينهي محاضرته الثالثة بالقول إنه متفائل وبما أن المستقبل يتضمن أشياء كثيرة فربما تعود الملحمة وبالتالي يصبح الشاعر خالقاً من جديد بمعنى سيروي قصة وسيغنيها أيضاً. في محاضرته الرابعة " موسيقى الكلمات والترجمة" يتعرض بورخيس لمسألة نجاح أو فشل الترجمة الشعرية. " الفكر والشعر" يبدأ بورخيس محاضرته بقول الناقد هانسليك الذي يقول"إن الموسيقى هي لغة يمكننا استخدامها وفهمها، ولكننا لا نستطيع ترجمتها" ولكن في حالة الأدب وخاصة الشعر الأمر مختلف تماما، فنحن نستطيع أن نروي ملخصاً لرواية ما لشخص لم يقرأها من حيث بناءها وشخوصها ولكن مع الشعر لا. لماذا؟ هنا يقدم وجهة نظرة "روبرت لويس ستيفنون" إن الشعر بطريقة ما يقترب أكثر من الإنسان العادي، ذلك أن مادة الشعر هي الكلمات وهذه الكلمات هي لغة الحياة الحقيقية،إننا نستخدم الكلمات للأغراض اليومية والكلمات هي مادة الشعر والشاعر هو الذي يحولها إلى شيء سحري. "معتقد الشاعر" المحاضرة السادسة والأخيرة في كتاب " صنعة الشعر" وفيها يقدم خورخي لويس بورخيس شهادة حول تجربته الإبداعية ليس ككاتب فقط وإنما كقارئ أيضاً. بورخيس الذي يعتبر نفسه قارئا في الأساس الأول ولكنه تجرأ على الكتابة، يعترف بان ما قرائه أهم بكثير مما كتبه، فالمرء من وجهة نظره يقرأ ما يرغب فيه لكنه لا يكتب ما يرغب فيه وإنما ما يستطيعه. تعريف القارئ عند بورخيس شخصية متخيلة ، فعندما أكتب أحاول أن أكون مخلصاً للأحلام وليس للظروف، ولا شك أن هناك في قصصي ظروفاً وأحداثاً حقيقية ولكن لسبب ما اعتقدت أن هذه الظروف يجب أن تُروى دائما بجرعة معينة من الكذب بمعنى علينا أن نبدل بعض الأشياء حتى لو بدت لنا تافهة وإذا لم نفعل ذلك فلا يمكن لنا اعتبار أنفسنا فنانين. " صنعة الشعر" كتاب يستحق أن يقرأ فما أجمل الإحساس الذي يرافقني كلما قرأت كتابا أخذني بمفرداته بعيدا ولا يمكنني وصف المتعة التي رافقت هذه المحاضرات الست وكأن الكتابة كائن حي تمنح من يقترب منها الجمال.

 
 
   
 
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=