http://kouttab-al-internet-almaghariba.page.tl/
  بغية النيل من الرئيس باراك اوباما
 

سيناريوهات لكتّاب ومفكرين
بغية النيل من الرئيس باراك اوباما
جهاد الترك
 
محرقة سياسية مشبوهة بذريعة إنقاذ الامبراطورية وعزل الامبراطور هل ينبغي إحلال اللعنة على الرئيس باراك أوباما من أجل أن تبقى الامبراطورية؟ الأرجح نعم، وفقاً لمنظومة من الدراسات والمؤلفات مثيرة للدهشة في زمن الرتابة. ولعل العام 2010 كان نموذجياً، فوق المقاييس المألوفة، في عدد الإصدارات التي استهدفت بالتحديد القضاء المبرم على ما يُعتقد انه بقية باقية من الرصيد السياسي والحضور الطاغي للرئيس اوباما. لماذا هذه السنة بشكل خاص؟ لأنها تطوي، على الأرجح، الاشهر الأربعة والعشرين الأولى من ولايته، وهي الفترة الذهبية التي قد تحيله رهينة مستضعفة يحلو لأعدائه السياسيين المتاجرة بها حتى الرمق الأخير. أو ينفد بجلده من الأنياب المسنونة التي تضطلع، كل سنوات أربع، بمهمة استعجال إطاحة الرؤساء الأميركيين. والأرجح أنه لم يستطع تجنّب أقداره القاسية التي داهمته منذ ان وطأت قدماه البيت الأبيض، ليس لعلّة فيه، وهو الأكثر جرأة على الاعتراف بأماكن الضعف في جسد الامبراطورية، بل نتيجة لتقاليد سياسية أخرى هي من النسيج المروّع للولايات المتحدة. ليس من عادة هذه الدولة العظمة أن تتعايش مع أخطائها وانتهاكاتها وفضائحها بسلام، لا تحتمل شيئاً من هذا القبيل على الأغلب. غالباً ما تكافئ نفسها بأن تزعم بأن لها الحق المطلق في أن تعتبر عثراتها فائضاً لا يجدر التوقف عنده بقلق بالغ لأنها، بكل بساطة، امبراطورية يحق لها ما لا يحق لغيرها. ومع ذلك، ورغم هذا التقليد الذي يرقى إلى مستوى الحقائق المتعارف عليها هناك، فقد دأبت هذه الامبراطورية على أن تقيّد معاناتها وهمومها ومخاوفها ضد مجهول. تحرص، في هذا السياق، على أن تلقي بأعبائها على مَن يستحق بجدارة أن يفتديها بروح رياضية، ان يتطوّع للانضمام إلى قافلة "الشهداء" الكبار الذين يتقبلون التضحية بأنفسهم من أجل أن تعيش الامبراطورية طويلاً جداً. لا تقوى هذه الدولة العظمى على شطب هذا التقليد المخيف من ذاكرتها، ولعلها تزداد يقيناً بأنها تتطهر بذلك من ذنوبها طالما انه بمقدورها ان تحمّل مَن يقع عليهم الاختيار فعل الندامة. أسوة بزملائه السابقين واللاحقين ايضاً، ينبغي على الرئيس باراك اوباما أن يستعد منذ اللحظة ليؤدي دور الضحية بامتياز، والأرجح انه أخذ على عاتقه هذه المهمة المقدسة منذ أن تلقى نبأ فوزه في الانتخابات الرئاسية. شهيد جديد يفرض عليه فرضاً ان ينوء تحت هذا الوزر. والمفارقة ان لا حجة لديه بأن يتنكر لهذا النير. أو أن يتجاهله، أو أن يتظاهر بأنه ليس معنياً بذلك. أن يصبح الفرد رئيساً للولايات المتحدة أمر يؤدي بالضرورة إلى أن ينتهي مهشماً من رأسه حتى أخمص قدميه. كل الرؤساء الذين تعاقبوا على زعامة الامبراطورية أجبروا على تسديد هذه الضريبة الباهظة. وليس مستغرباً أن يقبلوا على هذه "المحرقة" إذا جاز التعبير باندفاع مثير للعجب، بفرح كبير، ببهجة يكاد صاحبها أن يتحرق شوقاً لملاقاة النهاية. كثرة من المؤلفات وضعها كتّاب ومفكرون من النخبة المتقدمة في الوسط الثقافي الأميركي الشاسع. صدرت جميعاً في العام 2010، وهو الموعد الدوري الذي يتكرر كل أربع سنوات، وفي منتصف الولاية، للبدء بإعداد واستكمال المراسم والشعائر للاحتفال بإرسال الرئيس إلى المحرقة، إلى حيث يتكبد وحيداً سقطات ومآسي الدولة العظمى. فتنجو ويسقط. بانتظار أن ينتخب المواطنون رئيساً آخر يدرك سلفاً انه الضحية المرتقبة للقيامة الدائمة للامبراطورية. تشير الدراسات والمؤلفات الواردة أدناه إلى رغبة جارفة لدى أصحابها في بذل محاولات مستميتة لإسقاط الرئيس اوباما بالضربة القاضية. يكيلون له أصنافاً من التهم والادانة لو كانت وُجهت إلى مواطن عادي لحكم عليه بالسجن المؤبد مع الأشغال الشاقة. كتّاب ومفكرون وشخصيات إعلامية وسياسية من الطراز الأول في الولايات المتحدة، يسخّرون أقلامهم البارزة، وهي فعلاً كذلك، من أجل تبرئة الامبراطورية وإدانة الامبراطور. كل الوسائل والذرائع والضغائن والأحقاد أمور مباحة في هذا السياق الجهنمي. يجري استخدامها على النحو الأمثل والأدهى والأخبث للتشهير القاتل بالرئيس الذي كان أذهل الأميركيين في الأمس القريب بسحر بلاغته الخطابية وصدق نبرته وطموحه الكبير. ومع ذلك، فقد دقّ ناقوس المحاكمة المرتقبة على وقع التصدع المالي المخيف للولايات المتحدة وتقهقر مواقعها السياسية على الساحة الدولية، والأهم، في هذا الاطار، انه كلما ازداد حجم القلق في الفضاء الأميركي مترامي الأطراف، ارتفعت وتيرة التوجس من الرئيس اوباما باعتباره هدفاً مجانياً وجاهزاً للانتقام منه في اللحظة المناسبة. وقد آن أوانها. والأكثر خطورة في هذه المؤلفات ومدعاة للدهشة وربما التقزز والغثيان كذلك، انه كلما كان الإجهاز على الرئيس، بشتى الوسائل، أسرع، جاء إنقاذ الامبراطورية من أقدارها الغامضة أسرع. وكأن في هذه المعادلة شيئاً كثيراً من السباق المحموم بين نهاية الرئيس وشفاء الدولة الأعظم من أمراضها الفتاكة. حبذا لو كان الأمر كذلك في الولايات المتحدة وسواها. مؤلفات توحي بأن غريزة الانتقام من الرئيس قد تتحول بعد ذلك إلى انتقام فاضح من مرتكزات الدولة الأعظم في التاريخ الحديث. تتفاوت المؤلفات الواردة أدناه بين كاتب وآخر من حيث خطورة التهم الموجهة إلى الرئيس اوباما وإدراجها في سياق متسلسل بذريعة القبض عليه بالجرم المشهود. ومع ذلك، يتوافق أصحابها على نحو من سيناريو مشترك بينهم جميعاً، الغرض منه سحب البساط من تحت قدميه تمهيداً لإلحاق الهزيمة به في الانتخابات الرئاسية المقبلة. ثمة سيناريو آخر يجعل من بعض هذه الاصدارات مكملاً لبعضها الآخر في الشكل والمضمون على حد سواء. هو ان أصحابها يتعمدون التوجه، برسائلهم السياسية إذا جاز التعبير، إلى السواد الأعظم من الشرائح الأميركية على اختلافها. على هذا الأساس، لا يتوخى هؤلاء الكتاب أسلوباً معقداً في التعبير عن آرائهم لمخاطبة فئات النخبة الثقافية والفكرية في الولايات المتحدة. وهذه الأخيرة قليلة العدد مشتتة الصفوف ضعيفة التأثير في البنية السياسية. من بين الاصدارات الهامة في هذا المجال، كتاب للمؤلف الأميركي المشهور ديفيد لمباوغ بعنوان "جرائم ضد الحرية: ادانة للرئيس باراك اوباما" الصادر عن "منشورات ريغنيري"، 2010. يدخل الكاتب مباشرة إلى صلب الموضوع بالقول ان الرئيس اوباما هو المناهض الأقسى والأشرس للحرية الفردية في الولايات المتحدة. يعلل هذا التصور المروع بأن الرئيس يفتقر، في الأساس، إلى احترام الحريات الفردية، لأنها تنتقص من سلطة ادارته السياسية. دليله على ذلك، ان الخطة العامة التي وضعها اوباما لارساء سياساته الصحية، إضافة إلى اهتمامه بحماية البيئة، أمران من شأنهما أن يرجحا كفة الدولة القاهرة على حساب الحرية الفردية. وفي حال تمكن اوباما من تقليص قدرات الفرد، في هذا الاطار، فإنّ الأمن القومي للولايات المتحدة سيكون عرضة بأكمله للاهتزاز. وهو يلمح بذلك إلى ان الخطة الصحية المذكورة بدأت ترهق المواطنين بأعبائها المالية الباهظة. الأمر الذي يتعارض بالضرورة مع رغبة الفرد في الامتناع عن المساهمة في هذا الواجب الوطني الكبير. ولا يخلو هذا الانتقاد المشكوك بصدقيته، على الأرجح، من اتهام للرئيس، يفيد بأنّ هذا الأخير قد عقد اتفاقاً مزعوماً مع شركات الأدوية الكبرى ليوفر لها هامشاً واسعاً من الأرباح الخيالية نتيجة لخطته المذكورة. ولا يفوته كذلك أن يتهمه بصفقات مماثلة مع شركات عملاقة أخرى يصعب تعدادها في هذا المجال. واضح، في هذا الهجوم الكاسح، ان المقصود بهذه التهمة جعلها دامغة إلى الحد الذي يبدو فيه اوباما شخصية مستهجنة لا تتآلف مع النسيج الأميركي. وقد يذهب بالامبراطورية إلى الهاوية في حال لم يتمكن المواطنون من إيقاف زحفه لتغيير معالم الدولة. [الرئيس الراديكالي من تهم أرادها الكاتب آنف الذكر موثقة دلالة على انتفاء القيم الاخلاقية للرئيس اوباما، إلى مزاعم أخرى أعنف وأكثر تحريضاً على الرئيس للنيل منه ومن الأكثرية التي أوصلته إلى البيت الأبيض. الكتاب بعنوان "الرئيس الراديكالي: باراك اوباما والقصة التي لم تُروَ عن الاشتراكية الأميركية"، الصادر عن "منشورات ثريشولد"، 2010. يفتتح هذا المؤلف إصداره المشوّق، في حقيقة الأمر، بمشهد مسرحي ينبئ بالغموض ويوحي بالأسرار والخفايا، ليقدم بعد ذلك على كشفها وكأنّ في الأمر إماطة اللثام عن واحد من أكثر الألغاز حيرة والتباساً في التاريخ الحديث للولايات المتحدة. يرى الكاتب بكثير من الاعتزاز والثقة بالنفس والتفرّد بالتحليل، ان فصلاً مفقوداً في الحياة السياسية لاوباما ينبغي العثور عليه وإطلاع الناس على محتوياته. ويعزو إلى نفسه هذا الكشف الكبير والفضل العظيم بالقول ان رؤيا واحدة وعميقة في ذاكرة اوباما من شأنها أن تدل على شخصيته الحقيقية والدور السياسي والاقتصادي والاجتماعي أيضاً الذي ارتأى أن يؤديه وهو في سدة الرئاسة. ومع ذلك، فإنّ الفصل المفقود الذي ينطوي في داخله على هذه الرؤيا لا يتعدى كونه تلك المنظومة من الاتهامات المزعومة التي كانت أطلقت ضده أثناء حملاته الانتخابية التي تجلت فيها مواهبه في استقطاب الجماهير الأميركية. يقرأ الكاتب في محتويات هذا الفصل بصوت عال جداً ليقول ان الهمّ الأوحد للرئيس اوباما يتمثل في تمهيد الطريق للولايات المتحدة لتصبح أكثر اقتراباً من الاشتراكية الراديكالية. ويزعم الكاتب أيضاً، ان من أكثر النجاحات أهمية لباراك اوباما خلال السنتين الأوليين من ولايته، انه استطاع بمهارة فائقة أن يخفي عن الأميركيين معتقداته الاشتراكية تحت طبقة سميكة من الكلمات المنمّقة والخطاب السياسي الساحر الذي كان يستحوذ به على قلوب الجماهير ومخيلتهم. يبدو اوباما في هذا الكتاب الذي يعتمد صاحبه الحبكة الدرامية المشوقة، منشغلاً في إبعاد الأضواء عن ماضيه السياسي. كما يبدو متوارياً عن إبداء الرأي في ما يعتبر شتاتاً واسعاً من المعلومات التي يُقال انها تتحدث عن ارتباطاته المشبوهة بمنظمات وجماعات ذات ميول اشتراكية متخفية. ويتطرق المؤلف كذلك إلى قضية مماثلة في الأهمية، بالنسبة إليه، هي ان اوباما الذي استحوذ على إعجاب الجماهير بمقولته الشهيرة انه براغماتي بطبيعته الفكرية يتجاوز بأشواط بعيدة حدود المعتقدات الايديولوجية الضيقة، هو نقيض هذا التوجه في قرارة نفسه. فقد استقر هذا الأخير على البدء في تطبيق ذكي للغاية لنمط من الاستراتيجيا الاشتراكية بما يتلاءم مع الشكل السياسي والاجتماعي للولايات المتحدة. برهان الكاتب على ذلك، شروع اوباما فعلاً في الدمج بين الاجراءات الحكومية المتعلقة بالقطاع الخاص من جهة، وبين تعزيز القطاع العام للدولة على نحو تصبح فيه الولايات المتحدة نموذجاً صاخباً لاشتراكية الدول الاسكندنافية. يتحوّل الرئيس اوباما، في سياق هذه المزاعم التي تلقى رواجاً لدى المواطنين، نموذجاً منحرفاً لخيانة المسار الرأسمالي للولايات المتحدة، وجعله عرضة لضرب ممجوج من الحداثة الأوروبية التي يشمئز منها الأميركيون، على اختلاف شرائحهم السياسية والثقافية والاجتماعية. والمقصود بذلك، على الأرجح، ألا تعود الدولة الأعظم منارة عالمية لنمط من الديموقراطية من صنعها هي. بل تصبح بالضرورة تابعة لنظام اجتماعي سياسي لا يتآلف مع معتقداتها الدينية ونظرتها إلى ذاتها والعالم والكون. [صلات بالاشتراكيين كاتب مرموق آخر هو آرون كلاين بالمشاركة مع زميلة له هي برندا إليوت، يزعمان انهما يكتشفان في شخصية الرئيس اوباما ما عجز غيرهما عن التوصل إليه. الدراسة بعنوان "الرئيس المنشوري: صلات باراك اوباما بالشيوعيين والاشتراكيين ومتطرفين آخرين مناهضين لأميركا"، صادرة عن "دبليو.ان. دي بوكس"، 2010. يسعى هذان الكاتبان إلى أن يجعلا من إصدارهما وثيقة تختلف عن مثيلاتها من حيث الاستنتاجات التي يوفرانها للجمهور الأميركي العريض. ولعل هذا الإصدار هو الأكثر جرأة من بين التحليلات التي تندرج في هذا الاطار من حيث إحكام الحصار على الرئيس والدعوة إلى عزله على نحو قاطع. يلجآن من أجل تحقيق هذا الغرض إلى استخدام ما يعتبرانه تكويناً اشتراكياً راديكالياً للبنية الفكرية لاوباما ليتوجها بالقول إلى الأميركيين بأنّ زعيم الدولة العظمى في العالم يفتقر إلى المقومات الأساسية التي تمكنه من الادارة السياسية والاقتصادية والحضارية للولايات المتحدة. دليل الكاتبين على هذه المزاعم التي أراداها دامغة بشكل أو بآخر، الحلقات الغامضة من حياة الرئيس أثناء سنواته الجامعية، علاقاته الملتبسة بعدد من المنظمات الإرهابية الناشطة داخل الولايات المتحدة، ميله إلى الأخذ بتعاليم الإسلام وتحديداً ما يسمّى ثيولوجيا التحرر، انتسابه إلى جماعات اشتراكية، مشاركته الفاعلة في منظمات اشتراكية ذات توجهات شيوعية. منظومة من التهم التي ينكشف كل منها على ادانات أكثر خطورة. يراد بها، وفقاً للكاتبين، تشكيل صورة حقيقية عن شخصية الرئيس من وراء الستارة. توحي هذه الدراسة، بشكل أو بآخر، ان الذكاء الذي يتمتع به الرئيس، هو نوع من الاستثنائي. إذ يشيران، على نحو صريح أو مضمر، إلى قدرة نادرة على استخدام الخداع في لعبة السياسة ليبدو في نهاية المطاف أن هذه الميزة التي يتقنها جيداً، هي جزء من البراغماتية الأميركية. يأخذ هذان المؤلفان على عاتقهما إلقاء اضواء ساطعة على هذه الشخصية المنطوية لإظهار ما خفي منها على الأميركيين، إضافة إلى ما لا قدرة للمواطن العادي على فهمه واستيعابه من ألغاز هذه الشخصية المحيرة. يتحول الكتاب على هذا الاساس، إعادة بناء لصورة اوباما، من الداخل والخارج على حد سواء، لا تستجيب بالضرورة للحقائق الموضوعية لهذا الزعيم بقدر ما تنحاز، إذا جاز التعبير، إلى تصورات مسبقة تنحرف بهذه الشخصية إلى ما يبتغيه هذان المؤلفان. أفكار مسبقة، على الأرجح، توظف، على نحو ايديولوجي مسبق، بشكل مدروس جيداً لإيهام الأميركيين بأن العلنية التي يتميز بها اوباما تخفي وراءها ما يتعذر فهمه من دون النفاذ إلى الأماكن المظلمة لتركيبته الفكرية. [جذور الغضب من ناحيته، يتعمّد الكاتب المشهور دنيش دسوزا أن يتخطى زملاءه آنفي الذكر، في الكيفية التي تنبغي مقاربتها من أجل قراءة أفضل لشخصية الرئيس اوباما. والأغلب انه يتوخى، في هذا المجال، تقنيات فكرية أكثر خطورة في محاولة جادة لتهشيم سمعة الرئيس. الإصدار بعنوان "جذور غضب اوباما" الصادر في العام 2010 عن "منشورات ريجنري". يستهل المؤلف تحليلاته التي يتفرّد بها بالقول ان الحافز الرئيسي لسياسات الرئيس اوباما إنما تكمن في ايديولوجيته المناهضة للنزعة الاستعمارية (الكولونيالية) التي تهيمن على الإدارات الأميركية المتعاقبة. يزعم الكاتب أنه ورث هذا الحقد المتجذر في ذاكرته من والده الافريقي الذي يعتنق الإسلام ويتهم الغرب الصناعي بإفقار القارة الافريقية وحشرها في درك التخلف القاتل. ويعزو المؤلف إلى هذا السبب بالتحديد، رغبة اوباما في تقليص القوة الأميركية وإضعاف تأثيرها العالمي وتقهقر مستوى الحياة فيها. ينجرف الكاتب، على الأغلب، وراء مخيلة غنية بالتهيؤات والهواجس. يزعم ان الغضب الذي تمتلئ به نفس أوباما يحمله على الاذعان لشروط إيران النووية لتتحول هذه الأخيرة دولة اقليمية عظمى بمقدورها أن تنافس الولايات المتحدة على الساحة الدولية. باختصار، ينبري هذا الكاتب إلى الاستنتاج بأن الرئيس اوباما مزمع على لجم اندفاع أميركا لتبقى الدولة العظمى. وهو مصر، نتيجة لخلفيته الايديولوجية على جعلها ارثاً من الماضي لتبطل امبراطورية العصر. وتنقلب، بدلاً من ذلك، دولة عادية جداً أسوة بسواها، مهددة بما يتعرض له بلدان العالم الثاني والثالث. [أكذوبة الأمل يدلي الكاتب ذائع الصيت، رودجر هودج، بدلوه في الحملة الشعواء على الرئيس اوباما. الدراسة التي وضعها بعنوان "أكذوبة الأمل: باراك اوباما وخيانة الليبرالية الأميركية" عن "دار هاربر"، 2010. يجتهد المؤلف، من خلال تحليلات سياسية فكرية اقتصادية في محاولة قل نظيرها لإثبات ان اوباما ليس "المسيح" المنتظر للارتقاء بالقيم الليبرالية في الولايات المتحدة، وفقاً لتعبيره بالتحديد. ثمة ما يجعل من هذا الإصدار قراءة مختلفة عن سابقاتها الواردة إعلاه. ينشغل المؤلف، في كتابه الهام إذا جاز التعبير، ليوجّه طعنة في الصميم إلى الوعود التي كان أطلقها اوباما أثناء حملاته الانتخابية المظفرة. يتساءل: ماذا بقي من شخصية الرئيس وهيبته وصدقيته في غياب الترجمة العملية لهذه الوعود التي حجزت له مقعداً تاريخياً في نادي الرؤساء؟ يأخذ عليه إحجامه عن الحد من توريط الجيش الأميركي في حربين قذرتين في العراق وافغانستان، التلكؤ في معالجة الانهيار المالي في الولايات المتحدة وإبطال مفاعيل التدهور الاقتصادي، الفشل الذريع في القضاء على اخطبوط الفساد الإداري والسياسي في كبريات المؤسسات التابعة للحكومة. ولا ينكر الكاتب ان هذه الآفة الأخيرة هي صنيعة الرئيس السابق جورج بوش، من دون أن يعفي الرئيس الحالي من استئصالها ليصبح بعد ذلك شريكاً حقيقياً في استشرائها. أما التهمة الأخطر التي يستخدمها لوضع الرئيس اوباما في قفص الادانة المبرمة، فهي مساهمته المشبوهة في إشعال فتيل حرب طبقية في المجتمع الأميركي تحقق فيها شريحة الأثرياء من أصحاب المصالح الضخمة انتصاراً حاسماً ونهائياً على الشرائح المتوسطة والفقيرة. وبغض النظر عن طبيعة هذه التساؤلات وأحقيتها أو خبثها، فإنّ الطعن في المنحى الليبرالي للرئيس اوباما هو نسف من الجذور للنظام السياسي برمته. وقد يستعصي على رئيس بمفرده أن يقترب من هذه البؤر الساخنة وبعضها محظور بالمطلق، من دون أن يسبب زلزالاً مدمراً في البنية السياسية للولايات المتحدة. وهذا ما لم يدخل اوباما إلى البيت الأبيض من أجله. [سيناريوهات الاطاحة الرئيس اوباما، في هذه الإصدارات والدراسات، على قاب قوسين أو أدنى من الولوج إلى ساحة المحرقة. ثمة الكثير من الكتاب والمفكرين والمحسوبين على صفوف النخبة السياسية والثقافية والمالية، يستعدون للمشاركة، بحماسة، في رجم الرئيس باعتباره مارقاً، انتهازياً، مخادعاً، تسلم سدة الرئاسة من أجل أن يحدث تغييراً عميقاً في البنية الدينية والايديولوجية والسياسية للامبراطورية. أوصاف قليلة من منظومة طويلة جداً تكاد لا تحصى ولا تعد وردت في "مضابط" الاتهام فعلاً في الكتب آنفة الذكر. حان وقت إصدار حكم إبطال اهلية الزعيم الذي هتفت له الأكثرية ودفعته دفعاً ورجته رجاء لينقذ الامبراطورية من السقوط في الهاوية. ولعل هذا الجمهور العريض قد وقع اخيتاره على اوباما لينقذهم من أوهامهم، وهواجسهم، وإحساسهم المرير بأفول العصر الذهبي للولايات المتحدة. وهي الامبراطورية التي لم يغب عن سمائها فجر الأمل والحلم والاشتياق الدائم إلى القوة والمجد والعظمة والهيمنة الكونية. فإذا بها اليوم تتلمس ذاتها فلا تعثر إلا على شيء قليل من هذا وذاك لا يتلاءم على الاطلاق مع الطموحات الكبيرة التي كانت الامبراطورية قد صنّفتها في خانة الحقائق التاريخية التي لا تتبدل ولا تتغير. يسمح هؤلاء الكتاب لأقلامهم بأن يخترعوا أصنافاً من السيناريوهات تليق في نظرهم بالنهاية المأسوية لرئيس يتطلعون إلى طرده من تاريخ الامبراطورية. ولا يتقبلون، في الوقت عينه، ان يقدم هذا الرئيس على الدفاع عن نفسه لدرء التهم التي أُعدت، في الاساس، للذهاب به إلى الجحيم. وكأنّ الناخبين في الولايات المتحدة قد اقترعوا لباراك اوباما ليحمّلوه وزر الهزائم المحتملة للامبراطورية وهي آتية واحدة بعد الأخرى. ولعلهم كذلك قد اختاروا اوباما وفي مخيلتهم انه ذاهب سلفاً إلى حتفه السياسي. وكأن بهذه الدولة العظمى أصبحت تفتقر إلى الثقة بأي رئيس مرتقب، على قاعدة ان مَن يدخل إلى البيت الأبيض سيبقى على هامش أزمات الامبراطورية وأمراضها المستعصية ومخاوفها الدفينة. باراك اوباما واحد من هؤلاء، على الأرجح، الذي سيزيّن لهم الناس الطريق إلى جنة الرئاسة ليخطوا خطواتهم الأخيرة إلى الهاوية. الرئاسة في هذا السياق التراجيدي هي الممر الإلزامي إلى السقوط في الفخ المميت. ولعل هذا المعبر هو الصعود بعينه إلى الهاوية. حسنته الوحيدة أن يسلك الرئيس المسافة المتبقية له لينتهي كالبطل في التراجيديا الاغريقية. ومن عجب إصرار هذه الامبراطورية على ان تنهي رؤساءها على هذا الغرار. ومع ذلك، فإنّها غالباً ما تحرمهم من الحصول على هذه الخاتمة المبجّلة. توحي إليهم بذلك، ثم تقدم على تجريدهم من هذا الامتياز، ثم تلقي بهم في التهلكة، ثم تجيء بغيرهم واحداً بعد الآخر التزاماً منها بتقليد مقدس هو: حرق الرؤساء أحياء. ومع ذلك، فإنّ لهذه الاصدارات دلالات هامة للغاية على مستويات أخرى. من بينها: ان الرئيس في المخيلة الشعبية الأميركية هو صمام أمان ليس للحفاظ على عظمة الولايات المتحدة بل لإلتقاط إشارات مبكّرة عن الأزمات العنيفة والاهتزازات المفاجئة والمخاوف المداهمة التي قد تطرأ في لحظة ما على جسد الامبراطورية أو مرتكزاتها الأساسية. الرئيس في هذه الأحوال المربكة والمواقف الغامضة يتحوّل تلقائياً ناقوساً يدق بعنف إيذاناً باقتراب المخاطر من الخط الأحمر أو تجاوزه في أحوال محددة. يؤدي الزعيم، في هذا السياق، كما هي حال باراك اوباما، دوراً حيوياً شبيهاً بجرس إنذار يدعو إلى التعبئة الفورية دفاعاً عن الأمة وتجييشاً لطاقاتها الضخمة. غير انه وهو يضطلع بهذه المهمة المقدّسة، يتلقى وحده بصدره المكشوف مغبة الفشل أو الهزيمة المحتملة أو الكارثة المرتقبة. ونادراً ما توجّه إليه عبارات الثناء في حال الفوز أو تدارك الخطر أو إنقاذ الامبراطورية من الأهوال. حتى لو حصل على شيء يسير من هذا، فإن أي انتكاسة متوقعة أو مفاجئة تضرب الأمة من شأنها أن تشطب بالكامل ما ناله من "علامات" متفوقة على هذا الصعيد. الامبراطورية مستنفرة بأقلام كتّاب ومفكرين ينتمون إلى صفوف النخبة الفاعلة، للانتقام من نفسها بإسقاط غضبها العنيف على الرئيس الذي بدا محاصراً معزولاً منذ اللحظة الأولى لتسلمه زعامة الدولة العظمى. غضب مشوب بعقدة اضطهاد على الأرجح تحيل اوباما حلقة من سلسلة صنع الخرافة في الولايات المتحدة. خرافة ملوثة بالبطش وأحكام الإدانة التي لا مسوّغ حقيقياً لها باستثناء أنها من الادوات التقليدية التي تستخدم هناك لتطهير الذات بمعاقبة الرئيس. وثنية مبتذلة على الأغلب. المستقبل - الاربعاء 15 كانون الأول 2010 - العدد 3858 - ثقافة و فنون - صفحة 20
 
   
 
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=