إنتقل إلى عنواننا الجديد
  منزل الأقـنان
 
منزل الأقـنان
ناصرفالح الريماوي

"سطور مائية من دفتر السياب" (1) كاد "السياب" وفي غفلة منها ان يعثر على سيرته البائسة وقصائده التي لم تُكتب بعدْ، وأشد ما خشيتْهُ أن يقرأ نهايته التي حسمها القدر منذ ثلاثة عقود أو يزيد، لكن ذهوله بنواح شكلية كجودة الطباعة والتصفيف وتلوين الغلاف، ثم تاريخ النشر الذي يشير إلى زمن لم يأتِ بعدْ، أفقده التركيز وطفق يتصفح أطراف الكتاب في نهم مفرط، لجمتها المفاجأة فتسمرت أمامه كتمثال قديم وهي ترقب بلا وعي يديه المعروقتين تتصفحان أوراقه المصقولة في إرتعاش وإضطراب شديدين، غشيتها صفرة مرعبة أمام أحتمال مرتقب حين استوقفه شيء ما في فصله الأخير، حنى جسده الضامر إلى خارج المقعد، وراح يحدق في الصفحة باهتمام شديد، حاولت ان تهمس له في رجاء ان يترك عنه ذلك الكتاب، وانها لم تأذن له… لكنها لم تجرؤ، توجس لما هو مكتوب فأنشده في قلق : (…آه لو تدرين ما معنى ثوائي في سرير من دم ميت الساقين محموم الجبين تأكل الظلماء عيناي ويحسوها فمي تائها في واحة خلف دار من سنين".) ولم تمهله ان يستزيد، فاختطفت ذلك الكتاب من بين يديه، وتذرعت بأمر لم يقنعه في حينها، وان هذا الكتاب هو أطروحة قديمة من جامعة "السوربون" لنيل إجازة الدكتوراة وأن ترجمته إلى العربية ليست دقيقة، لكنه من وقت لآخر وفي مناسبات عديدة ولغاية يصعب إدراكها، كان يرجوها باصرار أن تمنحه ذلك الكتاب … ولو لمرة واحدة! وبينما كان بعيداً عن قريته معدماً يجوب بقامته النحيلة مقاهي شارع الرشيد وابو النواس بين بغداد الرصافة والكرخ، كانوا ينقلون إليه البشارة بالتمام والقبول وبأن "إقبال" قد رضيت به زوجاً وما عليه إلا ان يحضر لإتمام الزفاف، استوقفه الأسم للمرة الاولى وشغله عن فرحته بهذا الحدث، وعبر الطريق على عجل إلى محلة "المنصور" قاصداً دار الترجمة حيث تعمل "غيداء" ، ولما لم يجدها ، يمم شطر الرصافة حيث تقيم، بحث عنها في النزل المطل على جسرالشهداء، غمرها سرور كبير لحضوره المفاجىء فاستقبلته بابتسامة صافية لم تلبث أن تلاشت حين طالبها بلا مقدمات وبصوت لاهث أن تمنحه ذلك الكتاب… قائلاً بإلحاح: سأتصفح بعضاً من فصوله فقط … وأمامك هنا، ولما لم تجدِ محاولاته، لخص غايته في سؤال مقتضب : لمحت أثناء تصفحي له إسم "إقبال" فمن تكون؟؟ بعد سنوات وعلى سرير جللته ملاءات بيضاء ناصعة إلى جانب أنبوب دقيق يقطر بما تبقى من نبض في وريد متعب ليمنح جسده الهزيل دفقاً يسيرا من حياة هي أقرب للموت ، كان يتذكر في إحدى صحواته ذلك المقطع الشعري ويردده وهو يجزم بأنه لم يكن لشاعر آخر، وإنما له… على فراش الموت تنشط الذاكرة إلى جانب الهذيان، ومن خلال حشرجات واهنة كان يهمس لمن تحلقوا حوله: لقد كانت تلك سيرتي … وتلك كانت قصائدي، وأما الأسم فقد كان لزوجتى… كيف لم تمنحني تلك المرأة سرها… الذي هو سري؟؟! (2) انتظرت " غيداء" ثلاثة أسابيع هذه المرة قبل ان يحين دورها في الحصول على كراسة الشعر، وكانت كلما تسلل إليها الحنق أمام هذا التهميش تعزي نفسها بجديد الشعر عله يتطرق إلى ذكرها ولو بمقطع عابر، إحتضنت كراسته اخيراً بعد أن سلمها لها "السياب" تحت شجرة السدر الوحيدة في دارالمعلمين العالية معرباً عن إمتنانه المسبق من إعادة الكراسة إليه في اقرب وقت، لم يكترث للضيق الذي بدد شيئاً من سرورها على ضوء ما قاله، لكنه تدارك مبرراً بقليل من الحياء: عزيزتي هناك أخريات… ينتظرن دورهن. أمام دجلة ومن شرفة النزل المطل على جسر الشهداء، أخذت "غيداء" بزمام الامسية باكرا لكنها لم تقدها إلى نهاية المطاف، بل أعادتها إلى نقطة الصفر مع "السياب"، لتبدأ من جديد… طوت كراسة الشعر على خيبة جديدة فركنت إلى صمتها وهي تنظر لشموخ النخيل على ضفاف دجلة بعد الغروب …كيف تحصده العتمة، ولم تفق إلا على هاجس "الأطروحة"، إن لم يقل شعراً يوثق به وجودها كصديقة أو زميلة أو حتى عابرة سبيل فلن يكون هناك أدنى مبرر للتعديل عليها أو إعادة طرحها، أسلمت نفسها لنفحة عابرة من هبوب خريفي فمالت على حائط الشرفة وهي تضمر أمراً وقالت لنفسها في تجرد تام: مسكين هذا الشاعر… مسكين هذا السياب من أين له ان يعلم؟! تفوح كراسة الشعر بعطرها الآدمي تنشقته " غيداء" مع كل صفحة طوتها، غمازتاها تطلان من بين السطور فترتعش الفواصل ثم تذوب في السياق، وشاية الحروف المتصلة لم تضف شيئاً، فهي تعلم بأمر " لبابة"، حين يرتعد الجسد النحيل أمامها في كل مرة، تنطلق القصيدة، وسمتها "غيداء" بالحب الخامس للشاعر "للسياب" وافردت لها خانة مستقلة وواسعة أسفل القائمة تحت بقية الأسماء الأربعة، وصلت دار المعلمين باكراً فهي لم تنم ليلة الامس، جلست تنتظر فوق مقعد حجري في الحديقة المقابلة للبوابة الرئيسية، كان طلبة السكن الداخلي أول القادمين حين عبروا من بوابة فرعية ربطت بين الجانبين، غسلوا وجوههم بالندى في صباح يوم خريفي ينذر بطقس معتدل في ذلك اليوم، توافد الجميع فامتلأت ساحة التجمع المركزية وفاضت حتى تجاوزت بهم حدود الحديقة، ترقبتْ حضوره في قلق وافضت للنخيل من حولها بسر: إن لم يأتِ فسوف أذهب إليه… وحين توجه الجميع -كعادة مألوفة- نحو لوحات الجدار الموزعة على صدور المباني الداخلية للوقوف على آخر المستجدات من إعلانات، ونشرات أكاديمية، قبل الولوج إلى قاعة الدرس، أدركتْ " غيداء" بأن ما أضمرته لاحقا قد تكفلت بتنفيذه بضع أبيات قليلة، تردد الهمس بانفلات غير مقصود لضحكات مكتومة تبادلها بعض الطلبة الشباب ممن يعرف "السياب" ، بينما أحست كل الزميلات بأنهن هدفاً لذلك الهمس وعلى وجه الخصوص من كن على تواصل معه في إحتضان كراسة شعره، لم يرق الأمر لأحد، نفثت " لبابة" سحابة صغيرة من جام غيظها أمام لوحة الجدار وهي تهمس لرفيقتيها: كيف يجرؤ؟ هرعت غيوم ورياح خريفية غطتا غابة النخل ساعة السحر، ميزها " السياب " من مكانه … إنها " جيكور" لم يبق إلا أن يفيض نهرها فتكتمل، ووجه يغمر الأرض بحنان كالمطر، يدنو من باب حجرته الصغيرة، ينثال ناعماً يبدد وحشة الدار حين تطرقه اليد الحانية، أتراها الرياح ككل مرة أم أنها أمي…؟ تراقصت اهدابها، إنها هي… أماه تفضلي… تفضلي…، أطل وجه " غيداء" من بين ظرفتيه وهي تبتسم: مساء الخير … إنها الظهيرة! عدل من جلسته فوق السرير بصعوبة بينما واصلت عيناه تبحثان عن شيء مفقود ومنذ زمن، أفاق على صوتها دعاها للدخول بنصف إشارة خائرة من يده، جلست إلى حافة السرير في تأمل لهذا الكائن المعدم النحيل وهو يلوذ بفراشه، فأشفقت عليه، لمست جبهته ففزعت: أنتَ تغلي كجمرة! مابك؟ - كيف تسللتي إلى هنا؟ ماذا لو ضبطكِ الحرس؟ كما انها ليست المرة الأولى… لستِ في "درم" أو "لندن" لتقتحمي سكناً للطلبة… - لا عليكْ… أنتَ تحتاج إلى عناية، سأجلب لك الدواء…، غمستْ منديلها في الماء، طوقت به جبهته ثم غادرت دونما إبطاء. يا ليتني أصبحتُ ديواني (( لأفر من صدر إلى ثان قد بت من حسد أقول له يا ليت من تهواك تهواني ألك الكؤوس ولى ثمالتها ولك الخلود وأنني فاني؟)) في مكتب عميد الدار، كان الدكتور "متي عقراوي" يثير زوبعة محدودة، حين سلم السياب نسخة مشفوعة بتوقيع تذيل أبياته القليلة، إستدار حتى صار قبالته ثم قال وهو يربت على كتفه الضامر: - هذه واحدة من عشرات النسخ التي ملأت جدران هذه الدار، لا ينبغي لهذا الشعر الجميل أن يوظف للتشهير وبهذه الطريقة… - أصابه بعضُ الخجل، وكثير من الحيرة، ولما لم يعلق كان الأمر يشير لحسم مؤقت، ما لبث أن تحول في وقت لاحق إلى حيرة سوداء، "تغلبت حيرة السياب على خجله"، هذا ما أفضى به "سليمان العيسى" لبقية الزملاء في مقهى "عرب"، أكد له البعض أن "غيداء" كأنت اول الواصلين في ذلك اليوم، لم ينقم عليها، أحس بنفسهِ تدين لها بالكثير، لحنان مشبوب أحس به تحت وطأة الحمى ولمنديلها الذي بات ليلة كاملة في فراشه، لم يعاتبها، واكتفى بالسعي لتبديد حيرته: فقط أخبريني… كيف علمتِ بتلك الأبيات، لقد كتبتها قبل ليلة واحدة فقط، ولم تزل حتى هذه اللحظة حبيسة الأدراج… لم تدقق أوتُنقحْ بعد!! (3) ينحل البياض تدريجيا، لتسبح ألوان اخرى باهتة في فضاء الغرفة، رنين المعول الغامض يقوده إلى نبض الأجهزة السريرية، تحاصره الملامح إلى جانب الاجهزة وهي تقترب من سريره ثم تنزوي على مقربة من حافته بالتناوب، يميز همسها واختلاف ملامح أصحابها وهي تتضح وتصفو شيئاً فشيئاً، حتى تكتمل، يلقاها بابتسامة باهتة ووجه شاحب تلك العيون المحدقة، فتنكمش ملامحه وتمعن في الذبول، ويهتز انبوب دقيق تدلى إلى جوفه الضامر، ثم يتابع: وهكذا تغيرت " لبابة" فلم تعد تطلب مني كراسة الشعر، أو تميط عن وجهها " البوشي" في وجودي، ينداح صمت المتعبين فيسكب شعراً هو آخر ما يملك على دفتر أخفاه تحت الوسادة، ثم يخرق الصمت متطلعاً بالحضور،هل بَدَرَ مني ما يسيء؟؟ وقبل أن تأتيه الإجابة يعتذر بحرارة، لم يعد يسأل أحداً عن صوت المعول الغامض، فقد كان وقتها على يقين بأنه المعني، وان الصوت لا يسمعه أحد سواه، ثم يذوي بلا وعي في غيبوبة أخرى. يُلحْ بشدة، فيحظى بنصوص شحيحة "لشكسبير" وقصائد مبتورة "لإليوت" وعلى فترات متباعدة، تذرعتْ " غيداء" أمامه بضيق الوقت، فالترجمة تحتاج إلى تفرغ تام، لكنها حظيت بكراسة الشعر على مدار اليوم ولأشهر " فالسياب" ، لم يعد يحتاجها إلا لتوثيق ما يكتب من جديد، وكلما التقيا تحت تفريعة "السدر" بادرته في لهفة غامضة: ها … ماهو جديد الشعر لديك؟ يناولها كراسته في ضيق ثم يمضي دون إجابة، راح يبدد أمسيات الربيع الرائقة في حي "الوزيرية"، بين الجلوس في مقهى "عرب" المجاور لدار المعلمين العالية وبين المشي وحيداً تحت أسوار البيوت الوارفة، يقوده شيطان الشعر الجديد إلى رفاق الدار، يحتسي الشاي بنهم يفرك جبهته حين تضيق الرؤية، ويقوده سلطان الحب نحو بيت لا يعرفه تقطنه "لبابة"، "لا بد انها تحت عريشة ما يظللها النخيل المكلل بعثوق التمر" غالباً ما حدث نفسه بهذا، تمادى ذات مساء مأخوذاً بسحر المكان فراح يتلمس أسوار البيوت الوادعة، ينتقي أناساً خلفها ركنوا إلى مقاعد خشبية مزدوجة يثرثرون في إسترخاء، تمادى في توغلاته المهجوسة، فأصطادته الأزقة الضيقة، تجرعَتْهُ لوقت قصير ثم لفظتهُ عند تخوم حي "الأعظمية" حيث إستمالهُ بعض الصخب، لمح "الشناشيل" وهي تطل على الأزقة من طوابق البيوت العلوية، هالهُ إنبعاث أنغام شجية نائحة، مصحوبة بأصداء خافتة لهمس حورٍ فاتناتٍ توارين خلفه، رائحة الشاي المهيل صعدت إلى رأسه المزدحم بشتى الذكريات القديمة والأخيلة، فحررتها، أطلقت ما تيسر منها، فأرتجت الشعاب عطشى بين نهير يتلوى في غابة النخيل وأقنية هزيلة شح منها الماء فأمتدت يد الغمام لها على إمتداد "جيكور" الجميلة وحتى مشارف شط العرب، فلا تلبث أن تبرقَ السماء فيلوح حيث تعرج النهر، وحين يتبعها الرعد يرنّ قاع النهر ويرتعش السعف، ثم يهطل الغيث ويفيض على جنباته فيبتلع الرطب، كم سنة مضت على رحيلها؟ عانقتني يوم ولادة أخي الاصغر، بدت واهنة، لم تستجب عيناها لرجائي لكنها أحتضنتي بما تبقى لها من قوة وأطالت حتى سرى خدر البيات في جسدي الصغير وغلبني النعاس فنمت في حجرها حتى الصباح، كان صباحاً عاصفاً إنتزعني والدي من دفء يديها إنتزاعاً: عليك اللحاق بالمدرسة… أمك بخير. على اعتاب غرفتها وأنا أغادر مرغماً أصغيت لها تعيد وصية الأمس بنبرة واهنة حزينة هي أقرب للتوسل: إبننا "بدر" يحتاج إلى حنان مضاعف… فأرفق به. كنتُ أقتص "لأحمد الناطور" حكاياه المجتزئة بالمرور عن عمد، غير آبهٍ بجنّية البستان، حين برزت فجأة سقائف غريبة تناثرت فوق بستان النخيل، وَثَبَتْ على جذوعه العارية فأظلّها السعف، تسمرتُ في مكاني مشدوهاً تائهاً ترددتًُ بالعبورغير مصدق لما أرى، يدٌ رقيقة قبضت على معصمي برفق، شجعتني لأمضي، سرتُ خلفها مرغماً ومسكوناً بخوف طفولي، كانت في عُمر أمي، أفضتْ الطريق إلى جموع غفيرة لنسوة يعملن على فرز التمر وتخزينه، بشرة سوداء فاحمة وشفاه غليظة، ميزتهن من بين شقوق السعف المجدولة للسقائف، على مقربة من تلك الجموع ترامت أرض سبخة غاص فيها رجال سود بسيقان عارية حتى الركبتين، جباههم سوداء داكنة، وشفاههم غليظة تشققت بفعل الملح والريح، نظر السود كلهم نحوي تركوا كل شيء تقدموا صفاً واحداً، جفلتُ على صدى تصفيق جماعي مفاجىء، وبينما كنتُ أرتجف كان كل واحد منهم ينحنى بإجلال نحو ذلك المصدر الغامض، أفلتُّ يدي من قبضة الجنية، وأخذت أسابق الريح لألحق بالدرس. حنى من قامته أمامي ليسكب غيظه التربوي المبتذل بأثرٍ حاسم، معقباً على تبريري له بنبرة تهكمية لاذعه: - الزنج … تقول أنك مررت بالزنج!!! - لا أدري … لقد كانوا عبيدا - لقد رحلوا منذ ما يزيد عن ألف سنه عن هذا المكان ثم تقول أن جنيّة قادتك إليهم… ورأيتهم وهم يكسحون الملح…!!؟؟ - بلى… - ….هناك بالقرب من "جيكور" ؟! - بلى … أحكم رتاج الباب خلفه ورجع، تلك الغرفة الملعونة توسوس للجميع بعقاب صارم، وحدها الريح تزحف نحو المدرسة تعبر من ثقب الغرفة المرصودة أولاً ثم تركض خلفنا، في ذلك اليوم طاردتْ رياح الخليج كل التلاميذ، دحرتهم باكراً نحو براري"أبو الخصيب"، كان صوته يتلاشي وهو يبتعد: ستبقى حتى الظهيرة، لتلتهم فئرانها لسانك، ليس صحيحًا ان تأتي متاخراً خير من ان لا تاتي ابداً… تعود الريح بعد غروب الشمس، بعد أن تنبهت لوجودي، نسيتني هناك حين غفوت … مثلما نسيني الجميع، كانت برودتها تلسع أطرافي، ووجه يغمر الأرض بحنان كالمطر، يدنو من باب الغرفة المرصودة، ينثال ناعماً يبدد وحشة المكان حين تطرقه اليد الحانية، ليتها أمي، تراقصت اهدابها، إنها هي… أماه أنا هنا… شهقتْ صاحبة الوجه مذعورة حين رأتني أغط في العتمة ظننتها جنية البستان في حينه، لكنها غدت مألوفة، الآن أعرفها، إثني عشر عاماً مرَا ولم أعرفها إلا هنا… في باحة البيت الرحبة لم يلحظ أحد غيابي، تحلق أفراد العائلة في وجوم، كلهم، إلا أمي، تجالسهم الطير في سكون مريب وكأن مولداً قد إنفض للتو، عبرتُ إلى غرفتها، كانت موضبة إلى حد الفزع، لحقت بي جدتي، وهي تقول لا عليك يا "بدر" ستعود… بضعة أيام فقط وتعود، إثنتا عشرة سنة مضت مسرعة… لم تتسع لأنتظر وهي بدورها لم تعد. (4) درب "الملايات" مقفر، تجتاحه الهواجس كلما تردد صوت "الجالغي البغدادي"، خلف إحدى"الشناشيل" كان يعلن السياب عن سر الحياة البسيطة، الدافئة التي ينشدها، وعن مرور الوقت بالسرعة القصوى، وعن سر التبصر ونشاط البصيرة، وأن إستعادة الوقائع المهملة لطفولته في "جيكور" بهذا الوضوح اللافت، إنما هو دلالة أكيدة على ذلك النشاط المفاجىء، تلك المغالاة لم تقنع احداً ولم تعطِ مبررا مقنعاً لإختفائه طيلة الأيام الماضية، مما حدا " بغيداء" وبعد أسبوع واحد على ظهوره إلى مراجعة الأطروحة بشكل دقيق للوقوف على تفاصيل المرحلة، إستعانت بمراجع تاريخية إضافية تناولت حياة السياب بشيء من التوسع والدقة لكنها لم تفلح، فغالباً ما تقتصر تلك المراجع على سرد وقائع معروفه من دون التطرق للخبايا والتفاصيل لتظل سراً لا يطلع عليه احد. قبل أن ينتصف الليل غادرتْ نزل المغتربات لتسري عن نفسها بعد عناء بحث طويل لم يجد نفعاً في الوصول إلى سر إختفاء "السياب" المفاجىء ثم ظهوره على تلك الشاكلة المختلفة، كان جسر الشهداء تحتها يحجب قسطاً يسيراً من مياه دجلة وبعضاً من قوارب " البلم" الطافية على جانبيه، بعضها كان يشق عباب الماء ببطء شديد في نزهات ليلية توشك أن تنفض، "البلم" الوحيد الذي قطرتهُ المياه نحو مصدر الضوء أسفل الجسر، كان يطفو بحمل لشخصين ميزت " غيداء" احدهما من بعيد، لم تصدق أول الأمر، ركضت فوق الجسر ثم إنحدرت على جانبه نحو مرسى الرمل، وقفت مشدوهة أمام صدفة لا تصدق، كان "السياب" يأخذ بيد إمرأة يافعة نحو رمال الشاطىء بلطف مفرط، تثنى قوامها رشيقاً بينما تنحسر العباءة قبل ان يصعدا وحيدين في ظلمة الشارع لتكشف عن عينين مرسومتين بسواد كحل السهرات وخصلات صفراء منسدلة، لم يلتفتا نحوها، فدارت كؤوس الصدمة في رأس " غيداء" سريعاً لكنها لم تستجب لِما رأت وانكرتْ أن يكون قد حدث، حتى تجرعتْ خمرها دفعة واحدة مع خيوط الصباح. بعد تجواله المسائي الأول في درب " الملايات" بالأعظمية، عاد "السياب" ليحدث الجميع عن لذة جديدة للشعر، لذة خالصة تكمن في الإصغاء أولا لما يغنى، ثم للتفتح الذهني المرافق بصفاء مطلق، كان يتحدث بفرح لافت أمام زميليه " سليمان العيسى" و"علي الملا إسماعيل"، في مقهى "عرب" أصغيا باهتمام غير مسبوق لبرهة، ثم أطلقا كامل العنان لخفة الظل: هذا رديف الخمر! قال له "العيسى" فأين الجديد يا "بدر"؟؟ إنتصب واقفاً بقامته النحيلة فسقط ظله على أرضية المقهى بلا تفاصيل وهو يردد: الجديد… يكمن في سحر الإنشاد لشعر مرسل تحكمه الضوابط البسيطة دون ان تقيده … خلف تلك "الشناشيل" … لم يكتفِ واصل مدفوعاً بغريزة غامضة، حملته الامسية في اليوم التالي لنفس الزقاق، عاد ليسترق السمع في شغف ذهني، تردد الشعر حياً خلف ذلك البيت، محمولا على وقع آلاتٍ شرقية عمرتها "الدفوف" وصوت "السنطور"ثم"الجوزة" فتسمر تحت الشناشيل، مخموراً بعذوبة الصوت الشجي المنبعث "يا من هواه أعزه واذلني…" ثم بالخاتمة حين تقفل بمقام الصبا وبـ"بسته" … شلون حالي شلون…، صرير ذلك الباب الثقيل تكفل بالصمت فزعزع أركانه، تناثر الضوء على ارض الزقاق ثم إستقام أسفل قدميه، وقبل ان يلتفت كان صوتٌ خشنٌ لا ينتمي للمكان يناديه: يا أفندي… يا أفندي… من فضلك تفضل… تطلع حوله، لم يكن أحد سواه، وظل إمرأة كهلة حنت ظهرها نحو الطريق، عبَرَ الباب دون تفكير، تلقفته فسحة سماوية رحبة يغسلها النور بذبالة جذلى لمصابيح فارسية تدلت من رفوف الطابق العلوي، حفها نبات عطري ومقاعد خشبية مزدوجة مرصعة بنقوش أثرية قديمة، تعثر وهو يخطو أمام جوقة النساء في إستراحة الشاي المهيل ثلاثة منهن جلسن جنباً إلى جنب فوق مقاعد رخيصة من القنب وأخرى بدت مختلفة تجاوزتهن عمراً وهيبة، تقدمت منه بمشية رصينة، رفعت عن رأسها البوشي وحدثته بلهجة صارمة: يا افندي منذ يومين وانت تركن للباب في مثل هذا الوقت..تارةً كأنك تصغي لهاتف ما مغمض العينين، وتارة أخرى تحدثُ اشباحاً بلغة الإشارة، لمحناك من خلال الشناشيل… فما شأنك؟ - كنتُ مأخوذاً بسحر الصوت، هل كنتِ انتِ سيدتي من يشدو بتلك المقامات؟ …هكذا حالفته البداهة في خضم الذهول، حين ظن لوهلة بانه يحلم وأن ما يراه الآن ليس إلاّ إمتداداً بديهياً لصفاء ذهنه المفرط… - نعم … أفندي كنتُ انا … - لا أصدق… ظننتُ انني أصغي لصوت آخر… لـ"صديقة الملاية" أو "سليمة مراد" على الأرجح!!! لم يعِ حقيقة الأثر البالغ االذي احدثه التشبيه، على نفس تلك المغنية، إلا بعد مرور وقت طويل، كان لتلك الأسماء اللامعة وقعها المميز على مسامع الحضور وامام جوقة " الردادات" تحديداً، تهلل وجهها ورحبتْ ببقاءه، تبادلا تعريفاً مقتضباً: أنا "سماح"، ثم صفقت للجوقة إيذاناً بانتهاء الإستراحة وبالعودة من جديدة لإتمام التمارين. طاردته بعينين كحيلتين وشَعرٍ أصفر على دكة النوم في سكن "الدار" حتى خيوط الفجر، زحف النهار ببطء شديد نحو مساء اليوم التالي حين تغلب طيف الملامح على عذوبة الشعر المغنى لدى "السياب"، لم يلتحق بزميليه في مقهى "عرب" ولم يطرأ جديد على دار المعلمين في ذلك النهار، سوى أن "غيداء" اعترضته وهو يغادر قاعة العلوم الإنسانية، حين سدت امامه الطريق، لتدعوه باصرار إلى مرافقتها عصر اليوم التالي إلى سوق"السراي" فأومأ بالموافقة ثم مضى، في تجاهل مقصود. عندما تحرر المساء بعد إنتظار طويل، كان "السياب" يتهادى فوق إحدى عربات الخيل الواسعة إلى جانب الحوذي، قاصداً ذلك الزقاق في حي الاعظمية، عند عطفة الطريق الضيقة إستوقفه هناك وطالبه بالإنتظار، هرول نحو آخر الزقاق ففتحت له العجوز قبل ان يطرق الباب، تبادلا تحية مبتورة، اسعفته البصيرة في تمييز "سماح" من بينهن جميعاً لإمتلاء قوامها حين خرجن امامه يرفلن بعباءات قاتمة منشاه بطيب الحفلات المسائية، تضم كل واحد منهن آلتها العزفية إلى صدرها برفق، وحدها العجوز تعود ادراجها بعد أن سلمت له رزمة من شموع الكافور مغلفة بأوراق نبات الياس وبضع طاسات من الفضة، في الطريق إلى جادة أبو أقلام من حي الكرادة همست له "سماح" من وراء برقع سميك: أرأيت كم هي حاجتنا إلى رجل في مهنتنا هذه؟ فكيف به إن كان شاعراً؟ في أمسية الحناء تلك، وتحت عرائش العنب شاطر السياب المدعوين من الرجال إحتفالهم واحاديثهم حتى تلاشى شعوره بالخجل والإنبهار ببذخ الأثرياء، ثم دارت عليهم كؤوس العرق المستكي فلم يجد مناصاً من المجاراة فأسرف حتى الثمالة، بينما توارت "سماح" بعيداً في قاعة داخلية من القصر حيث يعلو صخب النساء ، كل ما علق بعد تلك الامسية هو سقف الحجرة الموشوم بزخارف ملونة ووجه "سماح" بملامح هلامية مشوهه إلى جانب وجوه نسائية اخرى غائمة، وأصوات بعيدة متداخلة تقضي بوجوب بقاءه حتى الصباح، ليس من اللائق ذهابك لسكن الدار وأنت بهذا الحال … يرد عليه الصوت وهو يقترب كلما حاول النهوض، ثم دثرهُ سواد فضفاض وهو ينزلق نحو بئر سحيقة حجبت عنه تلك الوجوه ، قبل أن تهمد أطرافه في ذلك المكان. ميز الزخارف الملونة اولاً ثم مصدر الضوء الغامض الذي ينفث هواءً ساخناً نحوه، لم يكن بأفضل حال كان الصداع يمزق رأسه ويفقده التركيز، حاول النهوض مراراً لكن ساقيه كانتا لا تستجيبان لشيء، حتى وقع في تلك المحاولة فاندفعت نحوه الخادمة العجوز تسنده وتأخذ بيديه كي تعيده إلى السرير، ما الذي حدث؟؟ أين انا؟؟ خاطبها في قلق وحيرة… لكنها لم تجب وأسرعت تغادر الحجرة وهي تردد: سأخبر السيدة… حمداً لله على السلامة… - إنها الحمى أليس كذلك ؟ قال " لسماح" وهي تعصر خرقة بيضاء قطنية من بقايا ماء عالق - نعم لقد أخفتنا… ظننا انه الإفراط في تناول المشروب، لكن الطبيب أكد لنا انها حمى عابرة… - الطبيب!!! - نعم لم تكن في وعيك، كنتَ تهذي حاولتَ الوقوف فسقطت، يبدو ان لهذه الحمى أثراً قوياً على ساقيك… إعتذر امام صاحبة الوجه الذي إستعاد نضارته عما سببه لها من إرباك ثم ساوره قلق شديد حول أسباب هذه الحمى التي تداهمه من وقت لآخر، وأن آثارها في تزايد مستمر… فقد هاجمت ساقيه هذه المرة… وأفقدته وعيه مع الليل كان يستعيد جزءً يسيراً من عافيته، صحا على أنغام بات يعرفها جيداً، تنطلق مع إستراحة الشاي، "الفونوغراف" بصوته الرخيم يصدح بالمقامات "للقابنجي" و " صديقة الملاية"، راح في سكون الليل، يرتب الأبيات لكل مقام، يردد البستات ويستبدل مفرداتها المحكية بلغة فصحى، يردد بينه وبين نفسه: هذا أفضل… هذا أفضل… ثم يطل من فوق سريره صوب الزقاق المقفر من خلال الشناشيل فيبتسم لغرابة الدنيا وتبدل احوالها، ثم يغلبه التعب فينام. (5) عثرت "غيداء" على رابط مذهل في بحث قديم أعد لنيل الدكتوراة من جامعة "السوربون"، قفزت عن سريرها وأخذت تذرع حجرتها في ذهول، ثم إستدارت نحو رزمة الكتب والمراجع الجديدة، تصفحتها في شغف واحدا بعد آخر، قفزت عن وقائع كثيرة تعرف بعضها مسبقاً واخرى عاصرتها بنفسها مع "السياب"، لكنها كانت تصل في كل مرة إلى معلومة محددة وثابته، مكررة بلا تفاصيل (( نشر السياب أولى قصائده في جريدة الأتحاد)) نبشت حولها بعناية في كل المراجع علها تجد ما يشير إليها فلم تصل لشيء. وجدت نفسها فقط مع غبش الصبح أمام نتيجة مروعة ومؤلمة لخصتها في ضياع الوقت وعجزها عن إحداث أي تغيير فعلي، وان دورها بات محصوراً فقط بتنفيذ ما هو مقدر له ان يحدث سلفاً. قبل إختفاءه الغامض بيومين كان "السياب" يشق طريقه نحو أكشاك الكتب القديمة في باب المعظم، ثم يقف امام واحد تكدست على رفوفه الخارجية كتب صفراء إلى جانب صحف يومية نشرها على إمتداد الواجهة، باب المعظم هو نقطة إلتقاء محتملة حيوية يقصدها الجميع في تنقلهم اليومي بين ضواحي بغداد حيث المحطات الأخيرة لحافلات الامانة، لمحته غيداء يتصفح إحدى الجرائد، تسحبتْ خلفه في هدوء كي تفاجئه، لكنه إستدار بهدوء مماثل، فهتفت بأبتسامة صافيه: كيف عرفتْ؟ بادلها الإبتسامة بحذر شديد ثم إستردها ببطء تدريجي ولم يعلق. سارا مشيا نحو الوزيرية حيث دار المعلمين العالية، ران صمت ثقيل بينهما لم تعتد عليه غيداء، فبادرته باعتذار عما حصل، فرد عليها:عن أي شيء تحديداً، عن نشر تلك الأبيات على الملأ، أم عن حجم الالم الذي سببته لي يوم وفاة والدتي؟ عجبتْ لعمق بصيرته وتألقها، ولم تخف صدمتها إزاء حديثه، لكنها إستوقفته لإستيضاح المزيد، كيف ذلك وما شأني بموت والدتك؟ ردت عليه بإنفعال مبتذل فأدرك أنها تراوغ، هيأ نفسه لفزع محتمل، فلربما قال ذلك غير واثق مما رآه حين إستعاد وقائع طفولته المهمله، اما هي فلم تجد مناصاً من رأب ذلك الصدع بتأكيد ظنونه أولا ثم بتبرير ما حدث لاحقاً، نمت لديه حيرة خفية وشعورعميق بقلق غامض وهو يصغي لما تقول: لم يكن ذنبي ، هناك رأيتك للمرة الأولى في حياتي عند بوابة المسرح القومي بمدينة البصرة، كنتُ بصحبة والدي، وكنتَ طفلا خجولاً ظهرتَ وحدك من عدم المكان بين يديك حقيبة مدرسية بالية من الكتان، وقعت عيناي عليك كنت خائفاً وخجولاً، دعوتك للدخول فأذعنت ، شدتك المسرحية أو أذهلتك… لا أدري على وجه التحديد فقد كانت عن ثورة الزنج، وعندما صفق الحضور في نهايتها قفزتَ مرعوباً وانت تصرخ أطلقت ساقيك للريح فلم اقدر على مجاراتك، إستاذنت أبي ولحقت بك، لم أعثر عليك كنتُ وحيدة بين غابات النخيل، وكان الجو عاصفاً، دلني البعض على بيت العائلة، بحثت عنك بين الحضور، لم تكن هناك، ووجدتُ جنازة يمم مشيعوها نحو تلة مجاورة، أشفقتُ عليك عندما علمت انها امك، لم يتنبه أحد لغيابك، سواي، دلني البعض على مدرستك، وصلتها عند الغروب، لست ادري ما هو الدافع، ربما حدس قوي، عبرتُ غرفة التوقيف، ثم حررتك، فما ذنبي؟؟ سحبته نحو القاع عبر دوامة أكبر، قبل ان يفترقا من دون تعليق عند بوابة الدار. في صباح اليوم التالي هبطت "غيداء" سلم النزل مسرعة نحو ردهة الزوار، تهلل وجه رجل أنيق جاوز الخمسين من عمره حين رآها مقبلة، لقيته بفرح هستيري وهي تهتف: الغالي ناجي العبيدي…متى عدتْ؟ ، سلمها رزمة مغلفة بعناية وهو يقول: هذه نسخ لمراجع وأبحاث تهمك من جامعتي "السوربون" و "درم" أرسلها والدكِ حسب الطلب…، ناولها مغلفاً بريدياً أيضاً، وقال: هذه رسالة خطية منه، تبادلا حوارا حميماً، حدثها عن إنتقال العائلة للإقامة في "نيوكاسل" لأسباب مجهولة مع إحتفاظ والدها بوظيفته في جامعة "درم" كأستاذ في الادب المقارن، تطرق الحديث لدار المعلمين، عن جيل المبدعين، سألها عن جماعة الشعر " أخوان عبقر" عن نازك الملائكة، وعن زياراتها للدار حتى بعد ان تخرجت منها، وعن جريدة الأتحاد التي يرأس تحريرها، قاطعته بسؤال عن " السياب" إن كان قد إلتقاه أو سمع بأسمه، اجاب بالنفي، فأسهبت بالشرح حول تميزه وإبداعاته وانه أحد أعضاء جماعة الشعر، وانها ترغب بشده في تعريفه بالسياب ليستمع إليه ثم يحكم عليه بنفسه، ثم منحه فرصة النشر على صفحات جريدة الاتحاد، أطرق "العبيدي" قليلا ثم قال بنبرة جادة: عزيزتي… أما النشر فهذا يتطلب مني قناعة عميقة بموهبة الشاعر، واما لقاؤه فلا مانع عندي، نلتقي غدا في مقهى "الزهاوي" … بالقرب من سوق " السراي". عند الظهيرة وفي دار المعلمين، تحينتْ " غيداء" فرصاً عديدة لإبلاغه، لكنها لم تفلح امام صدوده، كان إذا لمحها تسير نحوه تراجع مغادرا ذلك المكان أو زج بنفسه إلى أقرب مجموعة يصادفها من الطلبة، تربصتْ حتى ظفرت به وهو يغادر قاعة العلوم الإنسانية فأستوقفته على مدخلها بعد أن سدت في وجهه الطريق، فلم يجد مناصاً من الإستماع، أبلغته بموعد اليوم التالي، وان عليه أن يرافقها لسوق "السراي" وأن حضوره هو الأهم، إنتزعت منه الموافقة قبل ان تفسح له الطريق، فمضى دون ان ينبس بكلمة . لم تجد له أثراً في اليوم التالي، ولم يشعر احد بغيابه، تميزتْ غيظاً أمام هذا التجاهل المهين، تنبه البعض لغيابه في اليوم الثاني، مما دعاها للتقصي والتساؤل بعد طول إنتظار، في اليوم الثالث شعر الجميع -الذين يعرفونه- بهذا الإختفاء ونعتوه بالغامض بما فيهم " غيداء"، شرع الجميع بالبحث عنه في كل الامكنة التي تحتمل وجوده مع حلول يومه الرابع ، توزعوا للبحث بمشاركة "غيداء" بعد ان تلاشى غيظها تماما وحل مكانه قلق حقيقي. في قيلولة "الدار" بمطعم الطلبة، تردد النشيد هادئاً، ناوش المتخمين على مقاعد الخيزران وقد أسندوا ظهورهم إليها في تراخ وكسل، ظنها البعض هاجساً من تداعيات الخمول، فرددوها بلسان ثقيل: يا مطرا يا حلبي… عبر بنات الجلبي… يا مطرا يا شاشا… عبر بنات الباشا… إنطلق الصوت منفعلاً، كان اقرب للصراخ، أين قد كنتْ؟؟ إنتفضت اجساد البقية، ثم تحلقتْ حول هذا القادم، كانت عيناه تفيضان غبطة على الرغم من شحوب وجهه النحيل. - هناك… حيث يمر الوقت سريعاً، خلف الشناشيل… خلف الشناشيل دعاهم لإفراغ ما علق في نفوسهم من غيظ ولوم نحوه، ثم هتف قائلا وهو يضحك: بلا ضوابط أو قيود … هيا… هيا… مما زاد في غيظهم لقلة المبالاة… ثم ترفض أن تعترف أين قد كنت!!! رد "سليمان العيسى" ثم اضاف: هل تعلم من نبش بغداد كرخاً ورصافة … بحثاً عنك؟؟ - أطرق "السياب" أمام سحابة قلق عبرت، فأظلم وجهه … ثم ردد كأنما يحدث نفسه: أعلم…أعلم إنها غيداء… كان يبدي حرجاً وهو يجلس إلى "ناجي العبيدي" برفقة "غيداء"، إزاء هيبة المقهى، بددت بعض الروائح العابقة للشاي ومنقوع ليمون البصرة بعضاً منه، "فونوغراف" قديم فوق نضد مرتفع يصدح بأغنية "لناظم الغزالي" ومقاعد تناثرت حول المكان، رفع "العبيدي" بصره عن كراسة فوق الطاولة وحدق في "السياب" ثم تبسم وهو يقول: تمرد جديد على بحور الشعر، فمن تعدد القوافي في القصيدة الواحدة، إلى قصيدة الشطرين والتفعيلة، ثم هذا المرسل من الكلام بضوابط إيقاعية… ثم راح يردد: ((…وأرعدت السماء، فطار منها ثمة انفجرا شناشيل ابنة الجلبي … ثم تلوح في الأفق ذرى قوس السحاب . وحيث كان يسارق النظرا شناشيل الجميلة لا تصيب العين الا حمرة الشفق…)) بعد أيام كان يطوي الطريق أمامه نحو أمسيات جديدة أكثر نضجاً وأمكنة جديدة سيبذل جهدا حثيثاً في سبيل أن يأنس إليها، نحوالرشيد ومقاهي شارع الرشيد حيث سلمته الصحيفة وأشارت له بسبابة حاذقة نحو إسمه الثلاثي الذي تصدر القصيدة، زهت "غيداء"بذلك الحلم حين شاطرته سعادة لم يشعر بمثلها، ولم تألُ جهدا في إستدراجه إلى هناك لتقول: فلتطوي ورائك مقهى "عرب"، وكل النساء اللواتي عرفتهن… هنا مكانك يابدر بين هؤلاء… برفقتي وحدي. (6) تلاشي رنين المعول القاسي في تخامد تدريجي، يُحرر الألوان ويطلقها في سماء الغرفة، لتنهض الأشياء من حوله بوضوحها التام وشكلها المعتاد من جديد، عندها يدرك انه لم يعد يهذي، أسبل جفنيه في نصف إغماضة نحو زائر ينوس في إقتراب حذر، توقف الزائر عند حافة السريرامام ذلك الأنبوب الدقيق الذي يهب الحياة، جحظت عيناه في فزع، ود " السياب" لو يصرخ لكن صدره لم يستجب، أطرافه ايضاً لم تستجب، كان يراها للمرة الأولى بعد إندلاع سنين القلق وتفشي رنين المعول الحجري، لم تتغير أو تكبر، وكأن السنين الماضية لم تمر بها، شكلها هو ذاته منذ أيام " الدار" … بل ومنذ سنوات عمره الاولى، منذ وفاة امه في ذلك اليوم العاصف، كثيرا ما اقلقه سرها كيف لم تكبر منذ ذلك الحين؟ حتى الجنية تكبر!! قالها ذات يوم لنفسه… مررت اناملها فوق ذلك الأنبوب ودست يدها الاخرى تحت وسادته، وأنطلق صوتها كفحيح أفعى: هذا … أم تلك الكراسة يا بدر؟ ولم تنتظر الرد، سحبت كراسته وضمتها إلى صدرها، تنشقت عبيرا وهميا وهي تضمها إلى صدرها ووجهها، رمقته بنظرة مرعبة تفوق إحتمال البشر ثم غادرت وهي تجر خلفها اجراساً كثيرة تتبعها، ظلت تقرع في أذنيه حتى المساء. أمام بعض زواره كان يبكي بحرقة، ويقول: ضاع شعري الجديد… ضاع يرد الصوت الذي بقربه: شعرك لم يضع… ما أفقرنا لو ضاع منّا يا بدر. ثم يمضي، يسرد على أسماعهم ما فاتهم: ربما كان الذنب ذنبي، بعد نشر قصيدتي الأولى، لم أدعُ "غيداء" لنزهة النهر، لكنها كانت تلك أقل ما تستحق، ودعوت بدلاً عنها ملهمتي، تلك التي ملكت عليّ شغاف قلبي "سماح"، نزهة ليلية برفقة "بلام" أصم يجيد فقط مهارة التجديف، وصلنا شاطىء "الكاظمية" برفقة النجوم، كان دجلة لنا وحدنا، والليل ينسل من علب المدينة الراكدة كلها، نحونا، يحيطنا بعنايته، حظيت "بالسمك المسقوف" من يديها، غلبتني الشجاعة فصرحت لها بحبي وعرضت عليها الزواج، وان بضع سنين تكبرني بها ليست ذات قيمة، لجمتها المفاجئة ولم ترد، لكنها طلبت مهلة للغد، بعد يوم واحد، وواحد فقط، كان كل شيء قد تبدل… وإلى غير رجعة، كنتُ بدأتُ أعبر أياماً تنوء بالقلق، تلك التي طالت فغدتْ شهوراً ثم سنيناً لم تنأى أو تندمل، أدركت خلالها بأنني لم اكن اكره "غيداء" … لكنني كنتُ أخشاها حد الفزع. لم تنم " غيداء" حتى بزغ الصباح، وهي توسوس لنفسها: من تكون تلك الحمقاء، ذات الشعر الأصفر؟ ما الذي يمكنني فعله لأحظى بهذا السياب وحدي أو بما يكتب؟ كانت نزعتْ مغلف البريد عن تلك الرسالة التي سلمها لها "ناجي العبيدي"، فقرأتْ فيها ما أشعل حيرتها وضاعف همها، كان والدها يحضها على العودة إلى "درم" بأسرع وقت، وأنها لن تجد شيئاً ذا قيمة يستحق ان يضاف للأطروحة، وان مسرحية "ثورة الزنج" التي حضراها معاً منذ شهر تقريباً على مسرح البصرة، تعرض الآن في مدن شمال " إنجلترا"، لم تفهم شيئاً من الرسالة، سوى ما تعلق بالأطروحه، أما تلك المسرحية فقد حضراها معاً، لكن ذلك كان منذ عقد أو يزيد، لمعت عيناها في دهاء حين إلتقطت كتاب سيرة السياب والذي أعد لنيل الدكتوراة من جامعة "السوربون" ساورها بعض القلق، فهي أشبه بالمغامرة، فما الذي سيحدث إن تعثرت في الوصول إلى مبتغاها، لم تجرؤ على التوقع، فهذا سهمها الأخير، ضمته إلى صدرها مع باقي الكتب ثم غادرت مسرعة نحو"الدار". إلتقيا بين الممرات المشجرة في ربوع "الدار"، منذ زمن لم يتجاذبا أطراف الحديث بهذا الصفاء، كان ذلك اليوم هو الأثنين، ووفقا لبرنامج الأنشطة الموازي، فهو يوم المحاضرة العامة الأسبوعية، لكن السياب وغيداء كانا قد تخلفا، فآثرا التسكع في حدائق الدار على الإنضمام، بعد الإنتهاء وفي صالة الجلوس المفتوحة على منتدى المحاضرات العامة، فوجىء السياب بأن تلك المحاضرة كانت لنازك الملائكة، بحضور الشاعر الكبير مهدي الجواهري وبلند الحيدري وغيرهم، وانها تناولت قضايا الشعر المعاصرة، فأبدى حرجاً شديداً، وقدم إعتذارا لها أمام الجميع، فردت بابتسامة صافية وهي تقول: النشر على صفحات الجرائد هو أول المطاف يابدر… وليس منتهاه. كان يصغي لهمس غيداء بالمقابل ويلتفت لتحديقها الغريب بالحاضرين، تناهى لسمعه وهي تحدث نفسها وتزفر في ألم: ويح قلبي، شعراءً الغربة، يموتون على أرض غريبة…بعيداً عن العراق…كلهم. عاود "السياب" بعض النفور، والقلق من شخصها ومما قالته، وانتظر حتى غادر الضيوف، وضعت رزمة الكتب فوق النضد المجاور واستأذنته بالغياب لبرهة، جذب إنتباههُ ذلك الكتاب فوق بقية الكتب، بغلافه المصقول الملون، وتصفيفه الرائع، تناوله متفحصاً، قلّبَ صفحاته الداخلية، كانت مصففة بأناقة عالية، مطبوعة بتقنية لم تكن موجودة آنذاك، قرأ جامعة "السوربون"، أثار إهتمامه التاريخ أسفل الغلاف، صعقه العنوان، وهو يرى إسمه وسيرته، إبتلع ريقه، وهو يقلب صفحاته، تسارعت ضربات قلبه، وهو يقرأ عن وقائع عاصرها، وأخرى لم تقع بعد، مرّ عن قصائد كثيرة، وأسماء عديدة، قرأ في باب السياسة عن تقلبات الزمن القادم، وردد جملة تقولها إحداهن له، تكررت عشر مرات في صفحة واحدة: إحذر تقلبات السياسة… وأمزجة النساء، فتذكر والده على الفور، وكيف تقاسمته النساء، تذكر نزهة الأمس فعاوده طيف "سماح"، تصفح في إضطراب عله يجد ما يشير إلى سماح، أو عن ردها المرتقب، أو عن أي دور لها في حياته، كان إسماً واحداًً يتكرر لإمرأة وهي تغدق عليه بنصيحة التحذير من السياسة والنساء، دعاها المؤلف بإسم" إقبال"… تكنس شاطىء العشار على تخوم شط العرب، مرةً في العام أو مرتين، تحمل طستاً فضياً كي تغرف من ماء البحر فقاعات الزبد، ، توقف " السياب" عند هذا الفصل أكثر مما ينبغي، فأضاع فرصته الوحيدة بمعرفة المزيد، أنشد مقطعاً حزينا من قصيدة، لخصت لديه قلقاً مزمناً عن فصل حياته الأخير قبل أن تخطف " غيداء" من بين يديه الكتاب بإنفعال وعتاب مبتذلين. غمر"السياب"إحساس ثقيل بعدمية الأشياء، تجلى بنزعة تأملية وعدم إكتراث، وفتور لتلك الرغبة الجارفة نحو الدراسة، كان يذرع المسافة بين باب المعظم والباب الشرقي لبغداد عبر شارع الرشيد صامتاً وحيداً حتى تكلّ قدميه فيفترش الرمال على ضفة دجلة، أستعاد ذات أصيل عند ذلك الجرف بعضاً من وقائع الطفولة، فتسرب شيء يسير أوحى بالإنفراج إلى نفسه، ومثلما إلتحق بمدرسة المحمودية الإبتدائية ذات يوم، بعد فترة مماثلة قضاها في مدرسته الإبتدائية الاولى بباب سليمان بأبي الخصيب، مطارداً بهاجس ملعون يأبى إلا ان يذكره بموت امه مع كل لحظة يقضيها امام غرفة العقاب، كان يأخذ قرار مماثلا بتغيير إختصاصه ليلتحق بقسم اللغة الأنجليزية وآدابها بدار المعلمين العالية، أحس بارتياح كبير، وبانه سيصبح اكثر قربا من "إليوت" و"شكسبير" و"بودليير" وأنه لن يعود بحاجة لـ"غيداء" كي تتفضل عليه بترجمة نصوصهم وفقاً لأهوائها. حمل العام الدراسي إليه كل أشكال التجديد، ليستعيد مرحه وإتزانه، لم يعد يرى "غيداء" إلا ما ندر، أما "سماح" و"درب الملايات" فقد أصبحا حكراً على دهاليز الذاكرة، تقاعد عميد الدار السيد "متي عقراوي" ليستقبل الجميع خلفاً جديداً له بكل المقاييس وهو الدكتور خالد الهاشمي، ليكتمل التغيير عند السياب، فبدا منكباً على موسوعة التراجم، تحدث الانجليزية بطلاقة مع زملاءه القدامى بعد فترة وجيزة، سيطرت عليه الصور الشعرية في نصوص "إليوت" فنفذ برفقتها إلى عوالم سحرية بعيدة، توالت السنين على "الدار" لتضخ دماءً جديدة جامحة في شريانها الواسع، وجوه طامحه فتية تطفح بالحياة، كان يظفر بها السياب في كل وقت وهي تملأ المكان، لمس إزاءها مرورا سريعاً للزمن، أحس بوحدة مقبلة عندما تخرج زميله الشاعر "سليمان العيسى" والذي عقد النية بدوره على الرجوع لسوريا، لم يعد يذكر متى جرى التعديل على عاداتها المتبعة لتتبع "الدار" بذلك انظمة جديدة وبرامج مغايرة، كان بمنظوره إختلالٌ مرّ من تحت معطف الزمن، لكنه لم يصل بأي حال من الأحوال لتبديد نظامه الخاص، فقد أصبحت الدار لا تزدان إلا بذكرى المولد النبوي الشريف، تفرد للذكرى اياماً ثلاثة، ومهرجانا خطابياً، اما المناسبات المعتادة فقد أهمل بعضها وحُجم بعضها الآخر، من الغرابة بمكان أن يفتقد "غيداء" وأن يبحث عنها في كل مكان فلا يجد لها أثراً حتى شجرة السدر الوحيدة لم تعد مكانها الذي يستدل عليها تحته، وأن احداً لم يعد يذكرها او يأتي على سيرتها ولو بمرور عابر، أطلع صديقه القديم "علي الملا إسماعيل" على هذه الغرابة مستفسراً منه عن آخر مرة رآها، تأمل علي صديقه السياب طويلا وقد أغمض عينيه، ثم أوعز بضرورة تذكيره بها: أي شيء مميز يا بدر… انا لا أذكرها على الإطلاق!! عزا ذلك السياب إلى ذاكرة سقيمة لدى صديقه، فتطرق لذات الموضوع بعد أيام بحضور زميل آخر، فأجابه بالنفي وانه لم يسمع بها مطلقاً من قبل: هل كانت معنا هنا… في قسم اللغة العربية؟! لقد كنا نعد الزميلات على أصابع اليد الواحدة في تلك الآونة… فكيف تخونني الذاكرة يا بدر؟؟؟ كانت حاضرة كوجه جديد، جذبت إليها نخباً عديدة من الطلبة، برزت كصوت شعري ثائر، متمرد، ينبذ التقاليد الإجتماعية الزائفة وينعتها بالظالمة، جامحة، صلبة الإرادة، فرضت حضورها بقوة في أمسيات "الدار" المفتوحة… إلتقى بها السياب بعد تلك الأمسية، كان إنجذابا فكرياً، لم يلبث أن تبدل بعد أن تعارفا، راحت تكيل له المديح حول شعره المنشور على صفحات الجرائد، حتى تعثر في خجله، توطدت تلك العلاقة بينه وبين "لميعة" بعد ذلك اللقاء، وأحس بانجذاب قوي نحوها، نحو تمردها المعلن على كل شيء، سلبيات النظام الإجتماعي والسياسي، وحضورها الدائم لطرح البدائل، ولم يفتر هذا التقارب حتى بعد أن أدرك مبكراً انها أول الغيث في تقلبات السياسة بعد أن كانت "سماح" سيدة المزاج المتقلب في حياته، شارك السياب "لميعة" بمعية النخب الجامحة من طلبة الدار، بالتعبير عن سخط الأمة، تدافعت من حوله الجموع كموج هادر حتى لفظته نحو المقدمة، فسار على رأس التظاهرة والتي تجاوزت حرم "الدار" وجابت شوارع الوزيرية، قبل أن تتبدد على أيدي رجال الأمن، بعد أيام كان مكتب العميد " خالد الهاشمي" يقرّ بنشرة رسمية بفصل بعض الطلبة ولمدة عام دراسي واحد، بأمر من السلطات الأمنية، كان السياب واحداً منهم. حزم "السياب" حقيبته الوحيدة، وغادر "الدار"، توجه نحو البصرة، عاد ليرتب أنفاسه على خرير نهره القديم، "بويب"، يكتب ثم يمزق، ينثر أوراقه على سطحه الرقراق، تشي كومة الأوراق بوجوده فيُستدل عليه، يمر ببيت الأقنان، فيذكر والدته، وجدته، ولعبه، يجوب زقاق جيكور الطينية، برفقة عمه عبد المجيد، لم تمضِ شهور قليلة حتى تسلل الضجر بعد أن تشرب ما حدث واستعاد شيئاً قليلا من توازنه المفقود ، فيمم نحو بغداد، هناك في شارع الأمين عثر على نزل قديم بدى للوهلة الاولى عالياً كقنطرة عبثية، يحجب الضوء بشرفاته الكثيرة، الضيقة، وهي تطل كالدمامل على زقاق الشارع المذكور، أرشده الزقاق ذات يوم إلى مقهى "الفرات" عند اول الشارع، وإلى بعض الحانات الرخيصة، اعلن عن أولى إنتمائاته الحزبية سراً حين إلتقى "لميعة" فأيدته، وحثته على التخلص من رواسب الطبقة البرجوازية، وان يرتب اولوياته فلا يقدم عمال سكة الحديد في تشيلي على كادحي مرسيليا … مثلاً… أو كاتباً أممياً على آخر… قادته أدبيات الإنتماء، لتكريس وقت إضافي لأشعار بابلونيرودا و لويس آراغون والشاعر التركي ناظم حكمت، فاهتدى لمسلك جديد يقضي بحتمية الصراع والمواجهة لرفع الظلم، فأستنفر طاقاته الكامنة وملكاته الشعرية لتلك الغاية، كان لاحقاً يستعيد خشيته من غيداء وهي تعيد على أسماعه تحذيرها المسبق: لم تخلق للسياسة يا بدر… بل للشعر وللشعر فقط… ألا تذكر ذلك التحذير من مغبة التقلبات في السياسة؟ كان هذا بعد بحث مضني وطويل عن عمل يقتات منه، حين قادته قدماه ذات يوم إلى محلة المنصور، إلى احد دور الترجمة، في غرفة الإنتظار حيث إستعاد هناك قَدَراً حتمياً لا فرار منه، حين خرجت إليه من حيث لا يدري بتلك الملامح التي لا تخضع لناموس التبدل أو التغيير بمرور الزمن، ظل في مكانه جالساً لوهلة يحملق إليها في ذهول، وهي ترقب ردة فعله الباردة، حتى صاحت به: بدر…هل هذا معقول؟؟ ردد في تيه: غيداء ؟؟ عمل لدى الدار في الترجمة الوافية لنصوص الأدب العالمي، لقاء أجر مقطوع، فعاد زميلاً يومياً لغيداء، كانت له عوناً في بداياته، تعقب على بعض نصوصه المترجمة تجري تعديلاً حيث يلزم ثم تشير: يابدر… عليك أن تبقي على روح النص المترجم…هذه أولوية … تستقيم الحياة على نحو منتظم، تبدأ عند الظهيرة، بإطلالة يلفها الخمول على سطوح المنازل المجاورة لفندق الأمين، دار الترجمة والعودة مساء، مقهى الفرات والتردد الممل على الحانات الرخيصة، ثم السهر حتى الصباح منكباً على الترجمة، علاقات هادئة مؤطرة بسمات حزبية، تشذ احياناً فتقوده إلى ملهى ليلي، أو مقهى حسن العجمي فيلتقي بأصدقائه الجدد أكرم الوتري ومحي الدين إسماعيل وخالد الشواف، كان يتناهى إلى سمعه أسماء كثيرة لمطربات وراقصات تشتعل بهن تلك النواد الليلة، منيرة الهوزوز، زكية جورج وغيرهن، لم يستوقفه غير إسم وحيد ذات صيته مؤخراً أخذت تردده الألسن بشيء من الثناء، مطربة تؤدي المقامات والبستات الدارجة بتميز، في ملهى "الهلال"، جميلة،: أغلب الظن انها ذات أصول تركية ، أما كنيتها "سوسو الملاية" فهو تيمناً بالمطربة المعروفة " صديقة الملاية" بلا شك… هذا ما أسر به أكرم الوتري، جرفته الذكريات إلى ماضٍ غير بعيد، إلى ثلاث سنين خلت، إلى ذلك الدرب الضيق في الاعظمية، "درب الملايات" لكن هل يعقل؟ حدث نفسه ذات مروة، ثم قرر أن يستطلع ليقطع الشك باليقين، قصد الملهى، ذات مساء، على مدخله المدعم بأعمدة مستديرة ضخمة طالعته رسومات دعائية، لتلك المغنية، إرتجف للحظة وكأن روح " سماح" قد مسته، كم تشبهها!! من يصدق ان هذا الوجه يخفي ورائه مزاجاً هو الأغرب بل هو الاكثر تقلباً في تاريخ النساء قاطبةً… هز رأسه في أسف، تحت وطأة الهواجس… إستعاد حيرته بالكامل، فبعد يومين فقط من تلك النزهة بقارب البلم، على شاطىء الكاظمية، تنقلب عليه بلا سبب واضح، تحدثه على باب منزلها بوجه محتقن: أرجوك هذا بيت محترم… لا نستقبل الرجال عادة… ثم تصفق الباب خلفها دون سبب واضح، في اليوم التالي، تضاعف من قسوتها برد جارح على لسان خادمتها العجوز وهي تخرج إليه محنية الظهر: يا ولدي أرجوك أن تنسى هذا المكان وان لا تعود إليه…هكذا تريد السيدة…ليدخل في دوامة جديدة، تقوده إلى كآبة خانقة ليغرق في العدمية. صحا من هواجسه على تقاطر الحضور، دفعه إشتياق جارف إلى رؤيتها فقرر المجازفة، في وسط الملهى كان يجلس إلى طاولة إختارها لنفسه في الصفوف المتقدمة حول الصالة المستديرة، تسلل نحو الكواليس في إستراحة الوصلة الثانية، لم تفاجأ بإقتحامه الهادىء لمكانها، أو بانعكاس قامته النحيلة عن مرآة المشجب العريض، بادرته بتهكم وهدوء دون ان تستدير أو تلتفت نحوه: ها…هل جئتَ كي تكمل بحثك الجامعي هنا… أو تحقيقك الصحفي… لا ادري أيا يكن؟ لم يعلق لكن رأسه الصغير ترنح بآلاف الأسئلة… فواصلت بإلتفاته مباغته ونبرة حازمة: لسنا مومسات يا بدر… ألم تقم بيننا فترةً كافية لتدرك ذلك؟ لجمته المفاجئة امام قول لم يتوقعه في حياته: لم افهم… لم قلتِ ذلك…هل عنيتُ هذا يوماً؟ - إسأل زميلتك… - من…؟ - تلك الصحفية…في دار المعلمين…؟ - عن ماذا؟ وما شأنها بهذا… أياً كانت تلك الزميلة؟ - بعد يومين من تلك النزهة الليلية، حضرت إلينا تلك الزميلة… وقالت انها تريد أن تقوم بتحقيق صحفي مماثل … او بحث عن أسباب الإنحراف والتي تؤدي بمن هم مثلي إلى طريق …-صمتت ثم تابعت بانكسار-… طريق الرذيلة… كان في ذهول تام لما يسمع في حين قفزت إلى ذهنه صورة إعتيادية لغيداء، طمسها مؤقتاً لينفي قائلاً: وما شأني انا بها؟؟!! - إن لم تكن أنتَ من أرسلها… فكيف إهتدت إلى " درب الملايات" … بل كيف إهتدت إلى بيتنا… ها… كيف؟ (7) حظيت "غيداء"بنسخة موقعه من ديوانه الأول "أزهار ذابلة" كتب على صفحته الأولى بخط يده، إلى الزميلة العزيزة… غيداء مع التحية…، قلبت صفحاته كلها، فلم تجد ما يشير إليها، كانت على إطلاع مسبق بكل قصائده المنشورة، بالمناسبات الحاضرة في ذهنها فقط والتي كانت هي خارجها دوماً… إجتازت مقاهي الرشيد نحو باب المعظم في وجوم، وحنق شديدين، عثرت عليه يلوذ بامتعه السفر، إبتهج السياب لوصولها: خشيتُ ان لا تأتي… ردت وهي تداري غيظها: هل هذا معقول يا بدر؟! تحاورا طويلا بناء على رغبته، عزز من شعورها بالثأر أن يحاورها كعرافة تقرأ البخت، أن يطلب منها النصيحة… - سوف تثنيك السياسة عن نفسك… عن الشعر… سوف تهزمك السياسة يا بدر… قالت له بتشفٍ عميق، كان يرجوها أن تقرأ له الطالع، فهو مقبل على مرحلة جديدة من حياته، المرحلة المهنية بمؤهل جديد… "الليسانس" كأستاذ للغة الانجليزية في بلدة "الرمادي"، هزت رأسها بالرفض، إذن تمنحيني ذلك الكتاب، الذي تضمن سيرتي، بدأتُ أصدق بعض ما جاء فيه… واصلت رفضها بابتسامة صافية مصطنعة وهزة خفيفة من رأسها، وافترقا عند محطة النقل الداخلي في باب المعظم. بعد شهور قليلة وتحديداً في العطلة الإنتصافية للمدارس عندما أقتيد من بيته في "الرمادي" ولأسباب امنية، كان يستعيد حديثها بتأمل، لقد كانت على حق… على سرير بارد في سجن بغداد، كان يجري تقييماً ذاتياً لسلوكه المهني والسياسي، مؤكداً لنفسه ضرورة التوقف وعدم الإنجراف، مرت اسابيع ثلاثة خلف زنزانته الصلدة، أتت على كل ملكاته الشعرية، لتجعل همه الوحيد ينحصر في خروجه والعودة لوظيفته، قيل له بعد أن إستعاد حريته، أن إمرأة حضرت وكفلته رسمياً، فتعهد خطياً بعدم مزاولة أي نشاط مناويء للحكومة تنفيذاً لإشتراط وحيد قضى بإطلاق سراحه ، عاد من فوره إلى مدرسة الرمادي ليجد خطاباً رسمياً بإنتظاره، يقضي بفصله من وزارة المعارف ومنعه من التدريس، عاد إلى بلدته "جيكور" محطماً ينشد فيها بعض العزاء لنفسه …دون ان يفكر بتلك المرأة التي كفلته… أو أن يمر ببغداد. حين عاد لبغداد ينعى إليها دروب الرزق الموصدة في البصرة، لم يعلم احد بعودته، ترنح تحت وطأة البؤس أياماً على أرصفة المقاهي، يجتر النهارات الطويلة بلا طائل، لا يكتب الشعر او يفكر فيه، حتى إلتقاه أكرم الوتري ذات مساء، منزوياً وحيداً يلوذ بمقهى "الفرات"، فكان عتابه شديداً أعاد للسياب شيئاً من سكينته المفقودة، إقتاده مرغما نحو مقهى "العجمي" لينضم إلى رواده، في اليوم التالي كان برفقة "الوتري" يجلس إلى الاستاذ خالد نجم المحرر المسؤول لمجلة "الطليعة" ليعمل لديه في تصحيح المسودات وتأمين مستلزمات النشر من"كليشهات" وورق، وحين أعتدلت شؤونه المالية قليلا، قصد الطريق إلى فندقه القديم، في شارع الامين، عاد إليه لينظم الشعر من فوق شرفته الكئيبة، تدفق الشعر بعد إنقطاع طويل، فنشر العديد من تلك القصائد في الصحافة اليومية، لكنه ما أن إستعاد انفاسه الموتورة حتى إلتقطتها منه أصابع السياسة، فعاد ليلتصق من جديد مع هموم الطبقة الكادحة، مطالباً بتحسين أوضاعها المعيشية، والمشاركة كعضو فعال في الحركة الوطنية نحو إطلاق الحريات العامة والديموقراطية السياسية، ليس هناك ما يخشى عليه، هكذا أوحى لنفسه، فغاص حتى أذنيه في زبد السياسة. عند إنعطافة السوق في "الشورجة" أثناء سيره إلمعتاد إلى" خان كبة" حيث كان يلتقي هناك في غرفة فقيرة تطل على شارع الرشيد ببعض ممثلين عن الحركات الوطنية، إستوقفه أحد أعضاء الهيئة المؤسسة لإتحاد الشبيبة العراقية، وهو مهندس من "أربيل" تصافحا بحرارة، ليطلعه بعدها على أمر تحقق بعد طول إنتظار وهو إعادة التأسيس للإتحاد وبشكل رسمي ونهائي وانه قد تم الإعلان عن النظام الداخلي والبرنامج السياسي له، في الإجتماعات اللاحقة كان السياب يشدد على ضرورة منح الطلبة والفئة المثقفة دوراً أكبر في مراحل النضال المقبلة، فأنتهج سياسة التحريض والإعداد النفسي في مقالاته الموجهة، إلتقى به عضو مؤسس آخر هو عبد الرزاق الشيخ منح السياب بحذر نسخة من كتابه " اجراس السلام" وقال له ممازحاً: سيكون هذا الكتاب إختباراً لمدى هامش الحرية الممنوح… فرد عليه السياب بعد ان تصفح بعضاً من فصوله: هذا إن لم تقودك بعض صفحاته إلى حبل المشنقة… وأنفجرا معاً في موجة من الضحك. بعد أيام، وقبل ان تنفذ النسخ الاولى من فوق رفوف اكشاك الصحف في باب المعظم كان عبد الرزاق الشيخ يستعيد عبارة السياب بشيء من القلق… في زنزانة المعتقل. في تشرين من ذلك العام، تندلع المظاهرات بزخم كبير لتجوب الشوارع الرئسية في بغداد، اوقدت شرارتها الأولى في كلية الصيدلة ولأسباب أكاديمية بحته، ثم أذكتها مشاعل السياسة لتخرج عن حدود السيطرة، تواصلت يوماً بعد يوم لتستقطب في كل مرة فئة جديدة من فئات المجتمع، الفئة الكادحة وطبقة عمال المصانع المدربة، كان السياب يتابع بإهتمام شديد تلك الحشود وهي تندد وتطالب…، من خلال غرفة اللقاءات الملحقة بخان كبه في الشورجة، يطل من فرجتها المشرعة على شارع الرشيد، بصحبة العديد من ممثلي تلك الحركات الوطنية، فيبدي حماساً كبيراً ببذل المزيد، وتفاؤلاً أكبر بحصد نتائج سريعة من شأنها أن تلزم الحكومة بمنح المزيد من الحريات العامة، وخلق أسس جديدة للديموقراطية. ذلك المساء كان كغيره يشي بتطورات خطيرة وتصعيد مرتقب، كان وحيداً يجلس إلى طاولة في تلك الغرفة كانت قد أعدت لنسخ التقارير والمنشورات السرية، تناهى طرق خفيف على بابها الخشبي، أخفى ما كان يدونه، ثم تمهل قبل أن يزيح مزلاجه الضخم، ليشهق: "غيداء"… !!! كانت آخر إنسان توقع أن يراه خلف ذلك الباب، دلفت إلى وسط الغرفة بإبتسامة غائمة يصعب تفسيرها، لم يرحب بها، لكنه دعاها بإشارة من يده، كقضاء مستطير يطلب اللطف فيه، بادرته باللوم: إنتظرت زيارتك لكنك تجحد… كعادتك. - لم أرغب بتقديم الولاء للجنسية " البريطانية" مقابل تحريرها لي من معتقل في بلدي. قالها بنبرة لاذعة. - لكنني عراقية الأصل… وكفالتي كانت لشخصك فقط…فما دخل جنسيتي بذلك؟ - لن أسألكِ كيف عثرتِ على هذا المكان، فثمة أمور كثيرة لا جواب لها منذ عرفتك… - هل هذا تلميح بالترصد وأقتفاء أثرك… أم بالتجسس لجهة ما… ظل صامتاً، فتوسلت إليه أن يعود للشعر، وان يترك عنه السياسة، أشارت للنافذة وهي تؤكد: هذه الحشود لن تحقق شيئاً… ثم عليك ان تفهم أنني قد كفلتك رسمياً… وهذا لن يعفيني من المسائلة إن تماديتَ أكثر وتم إعتقالك مرة اخرى. لم يستجب، او يعلق، فأدركتْ أنه سيمضي لقدره المحتوم، فودعته محذرة: سوف تقهر الخليج بعبور مستحيل… ربما…فهذا قدرك، لكن السياسة ستقهرك بالنفي… نحو أرض غريبة… بعد شهور قليلة، كان يصارع الموج برفقة ربان سكير، تشتد الرياح فتتقاذفهم أمواج الخليج العاتية كقطع الليل المظلم، كان من بينهم من تسلل اليأس إليه فأذعن للنهاية الحتمية وراح يتلو الشهادتين بصوت مرتفع، قفز السياب نحو الشراع وراح يطويه، فقلل من تاثير الرياح، ثم إلى دفتي ذلك القارب ممسكاً بعارضتيه المشروختين، وهو يصرخ بالركاب يحثهم على بذل ما بوسعهم وأن في الحياة ما يستحق ان نحياه، فأستجاب البعض، حتى إذا إستعاد القارب قليلا من توازنه، تدفق الماء إلى سطحه من فجوة سفلية، فأزداد الأمر سوءً، قفز السياب بتلقائية وراح يحكم إغلاق الشرخ بأطراف الشراع، ويطلب من البعض بخلع قبعاتهم لإفراغ جوف القارب من الماء، وهكذا حتى طفى القارب فوق أرض رملية فصاح البعض: هذا بر الكويت… ثم تحلقوا حول "السياب" وهم يهتفون: لقد قهرت الخليج… قهرت أمواجه العاتية يا افندي بهذه السفينة المثقوبة… وانقذت حياتنا. لم يتلاشَ هتافهم، أو يضمحل، حتى بعد شهور مرّت على تلك الرحلة البحرية من عبادان إلى بر الكويت، كان يستعيد في كل مرة حين يسرّح ناظريه نحو شاطيء البصرة البعيد، تحذير " غيداء": سوف تقهر الخليج… لكن السياسة سوف تقهرك… حتى إمتقع وجهه ذات مرة، وصاح بمن حوله في فزع: إنها تعرف على وجه التحديد … تاريخ موتي… يا إلهي كيف غاب عني ذلك؟! بعد تلك الزيارة الغامضة لغيداء، في غرفة السوق، عاد السياب ليكمل مقاله التحريضي مبشراً بالوثبة الثانية، دعى عمال النفط في كركوك للإضراب مرة أخرى على غرار ما تم سابقاً، في اليوم التالي، كان المشهد الأمني مخضباً بلون الدم، حين تدفقت حشود غاضبة إلى مركز الشرطة بباب الشيخ في مواجهة عنيفة مع حرس المركز المدججين بالاسلحة، ليسفر الموقف عن حريق ضخم وسقوط العديد من الضحايا، تدافعت أعداد كبيرة من الجيش تفرقت نحو أهداف منتقاة من العاصمة لتفرض طوقاً امنيا مشدداً على مداخل ومخارج تلك المناطق، كان من بينها تلك الطريق الواقعة بين مدخل سوق الصفافير ومدخل سوق البزازين في الشورجة، حيث يقبع "السياب" في تلك الغرفة الصغيرة، يرقب عن كثب، دفع الباب أحد الرفاق، في حالة من الجزع، ثم قال: يا بدر عليك ان تغادر هذا المكان، ان تختفي تماماً…من الواضح ان الجيش ينتظر الليل لينفذ حملة إعتقالات واسعة وضد رموز محددة، وأظنها ستطالك هذه المرة بلا شك… كان الطوق الأمني يضيق حول أهدافه المنتخبة باقتراب المساء، مما يجعل الفرار مستحيلاً، فأذعن السياب لقدره، وبينما هو كذلك، راح صوت نسائي منخفض يناديه بحذر: بدر هلا فتحت الباب انا غيداء… لم يقدّر الموقف كما يقتضيه الظرف، ففتح الباب على الفور، بدت مرتبكة… توشك أن تقدم على أمر…ما … وقفا متقابلين في صمت، حدقت إليه في دعوة مبطنه، لكنه راح يشهق وهو يرقب تلك الانامل الناعمة وهي تنزع عنها برفق تلك العباءة السوداء، شيئاً فشيئاً… ثم تدعوه إليها صراحةً. بعد قليل كانت بين الجنود سيدة عجوز ملفعة بعباءة سوداء، وبرقع سميك، واخرى شابة حسناء تهدل شعرها المموج على كتفيها، تخرقان ذلك الطوق بلا عناء، عند رأس جسر الشهداء كان الليل قد أخفى قامتيهما، فضمهما نزل المغتربات سريعاً، قالت له غيداء: هنا لن يعثر عليك احد… خلع عن جسده العباءة، في حرج وإمتنان، جال ببصره في حجرة غيداء، نضد وسرير وخزانة، مكتبة تطاولت برفوفها المزينة بشتى الكتب، وأريكة واسعة، لمحته، فرجتهُ ان يعتبر نفسه في بيته…. - أخشى أن أُثقلَ عليكِ… يا غيداء. همسَ في حياء. - لا عليكْ… تبقى حتى أرتب فرارك من بغداد. ( 8 ) بعد أن تدبرت غيداء أمر فرار السياب، وودعته عند بوابة "النزل" للمرة الاخيرة، همست في أذنه: إعلم أن العمر قصير… فلا تفرط في لحظة منه!! كانت تعثر وبكل وضوح على أول دليل قاطع قادها لتفسير تلك الحوادث الغريبة، بدءً بالرسائل الغامضة، وإنتهاءً بالكوابيس المبهمة، فبعد تواطؤ مقصود مهد للسياب أن يقرأ بعضاً من سيرته المكتوبة في ظهيرة ذلك اليوم البعيد بدار المعلمين العالية، كانت هي تتلقى أولى الرسائل الغامضة، "، لتتوالى بعدها رسائلٌ كثيرة هي أشبه بالقصاصات البريدية، كان فحواها غريباً، كانت الأولى تكيل لها اللوم لإنفصالها عن الوفد المنتدب من جامعة "درم"، بعد إضطرار والدها إلى مغادرة البصرة والعودة إلى "إنجلترا"، والأخرى تشدد على عودة الوفد بعد أسبوع واحد من إنتهاء فعاليات مهرجان "المربد" … أما الثالثة والتي تسلمتها من موظف الإستقبال في "النزل" فقد كانت تعبر عن صدمة شديدة بعودة الوفد من دونها، وانها قد تمادت كثيراً بتركها للبصرة والذهاب إلى بغداد، كما حذرتها الرابعة من مغبة التعلق الوهمي بشخصية "السياب" وطالبتها بأن تكون اكثر نضجاً. كانت تلك القصاصات تضاعف من غربتها وكآبتها، فبعد ذلك الوداع بباب المعظم وإنتقال "السياب" للعمل في الرمادي، داهمها شعور بالوحشة والخواء، مما حدا بها لأن تفكر جدياً بالعودة إلى "نيوكاسل"، لكنها احجمت وعللّت لنفسها بان الوقت لم يحن، كان ذلك بعد ان ظفرت بنبأ إعتقاله ونقله للسجن المركزي ببغداد… من السذاجة أن اغادر الآن… فقد حان موسم القطاف، هكذا بررت لنفسها. توقفت تلك القصاصات عن مداهمتها تماماً، ليجتاحها ما هو أغرب، فبعد عودة " السياب" لبغداد، وأثناء عمله في مجلة "الطليعة"، كانت ترى ذلك المنام للمرة الأولى، ظنته كابوساً حين إستفاقت، ثمة شيء غريب يلفه، ساورها القلق، خرجت إلى شرفة "النزل" لفحها هجير الليل المتخم بخرير دجلة، تحت جسر الشهداء، وفوقه، فظلت تقلّب الرؤيا بلا طائل حتى توقفت عند الصباح. لم تُحدث به احداً في "دار الترجمة"، وكأنه ليس بحلم، خيط رفيع يفصلنا عن واقع يموج بالإحلام، هكذا عللّت لنفسها فبدت قانعة، في الليلة التالية، أقبلت على النوم في سريرة معتادة، لم تَشُبهَ عوالق النهار، تسلل في خفة مع أول غفوتها، بدى وكأنما أحال جدران حجرتها إلى شراشف بيضاء ناصعة وسقف داكن، تعبر الرياح ثم تندفع نحو السقف لتنفض عن قبتهِ ديدانًا سوداء تتلوى في كل إتجاه، فيستحيل مصقولاً كمرآة، تنظر نحوه لأعلى، تلمح من بين الديدان الباقية، بعضاً من جسدها المدثر بغلالات بيضاء رخيصة فوق سرير حديدي ابيض، تحاول ان تنهض كما فعلت في الليلة السابقة، لكنها لا تقدر، أطرافها لا تستجيب، تصلبت كأثقال من الرصاص، صدرها يضيق وانفاسها تتلاشى، فقط عيناها تلحظان ظلالا باهتة لأجساد ساكنة تحلقت على جانبي سريرها، تلهث فتمتد يد قريبة تهزها، لتقفز عن سريرها في فزع قبل أن تختنق، يحتويها سكون الليل في الحجرة الصغيرة، تخرج للشرفة، تعود للأريكة، تفتح الباب ثم تغلقه، تمسح بيدها عرق بارد تصبب للتو عن جبهتها، ثم تبدأ بالبسملة فتهدأ لتبقى مستيقظة حتى الصباح. في الليلة الأولى مع "السياب" تقاسما أثاث الغرفة، فنام هو فوق الأريكة وتمددت هي فوق السرير، تحدثا لبرهة، حدثها عن نيته في التسلل نحو إيران وإذا إقتضى به الأمر فسوف يذهب بعدها إلى الكويت ، وان رفاقاً هناك بإنتظاره، في اليوم التالي، خرجت وحدها لتدبر شأن فراره إلى البصرة، أحست بالرضى كونها غفت بعمق ليلة الامس وان ذلك الكابوس لم يداهمها للمرة الاولى، ومنذ زمن طويل. افاق السياب، تسلل نحو الشرفة الموصدة في حذر كان يستطيع سماع الهتافات وهي تأتي من قلب العاصمة لمختلف الحشود، لكنه آثر البقاء في الداخل، تسلل نحو رفوف المكتبة، تذكر الكتاب الذي يحكي عن سيرته فخفق قلبه، طفق يبحث عنه وعن غلافه المميز، فلم يجده، أحس بفرصته توشك أن تضيع، وانه لن يجد فرصة أنسب، حاول مرة بعد مرة، لكن بلا فائدة، جذبته قائمة متسلسلة دونت عليها بعض الأسماء، كانت ملصقة على جانب المكتبة، تسمّر أمامها وهو يقرأ أسماءً يعرفها جيداً، عددها، كانت لفتيات أحبها… قرأ، هويلة، وفيقة، …، لبابة، ثم توقف عند الإسم المدون في الخانة الأخيرة، ليندفع من صدره بركان من الغضب نحو "غيداء" كان ذلك الأسم هو الأخير على القائمة…كان لـ"سماح". في الليلة التالية، كان يرجوها بشتى الوسائل، ان تمنحه ذلك الكتاب الذي تحدث يوماً عن سيرته، فتأبى وتتذرع بضياعه تارة وبتمزيقه تارة اخرى، رجاها أن تطلعه على وقائع المرحلة المقبلة، لكنها صاحت في دلال: يا بدر لست عرافة … بالله عليك…هذا يكفي. بعد رحيله عن العراق، أيقنت أن تلك الكوابيس لن تزول فهي كالنذر، إنما تحذرها من التمادي في لعبة القدر، فلم يكن من الحكمة ان تتواطأ مع نفسها في ذلك اليوم لتطلعه على بعض من تلك الوقائع المستقبلية. بعد فراره عن بغداد بليلة واحدة عاودتها الكوابيس ذاتها، لم يتبدل سوى مواقع تلك الاجساد الغائمة وهي تحيط بجانبي السرير، في كل مرة تمتد يد حانية غريبة لتهزها، فلا تميز أي أحد منهم، كانت تهجر النوم، حتى يستبد بها الأرق، فأرداها السهر وافقدها التركيز بمرور الوقت، بدأت تعاني توتراً وأضطراباً عميقين، تتحدث في عصبية طوال الوقت، فقدت شهيتها للأكل تماماً حتى غدت ناحلة متغضنة أكثر مما يجب، هدها التعب أخيراً فأقعدها الداء في سريرها الصغير، ولفترة طويلة، لم تكن تغفو أو تنام إلا لماماً، لم تعلم كم مضى عليها وهي حبيسة حجرتها المطلة على دجلة، تغلق عليها نوافذها بإحكام، حتى تململ في أجوائها هواء ثقيل، لم يلبث ان تحلل إلى أبخرة رطبة، ففاحت عفونته … لقد تحولتْ إلى قبر… هكذا أسرّتْ لنفسها دون ان تعلم كم مضى من الوقت. أحسّتْ بنشاط مفاجىء، فرأت ان تطرد الهواء الفاسد أولاً، وأن تستعيد بعضاً من نضارتها المفقودة تحت الشمس، إن كان الوقت نهاراً، فتحت نافذة الشرفة على هواء الدجلة فتسرب المساء إليها كنشوة مفقودة، تجنبت عناء النظر لمرآة الجدار، وهي تخطف عباءتها بلمح البصر، أحستها فضفاضة اكثر مما يجب، أخفت وجهها خلف لثمة سوداء وهي تتلمس الطريق إلى شارع الرشيد، في خطى وئيدة، عاثرة، تبدلت حتى ملامح الناس، مالذي تغير في بغداد؟. حدثت نفسها… عند باب المعظم راحت تدقق في وجوه القادمين وكلما عثرت على زائر مرّ بالبصرة، تسأله عن شاطيء العشار، عن شط العرب، ثم تلح بالسؤال عن تمثال من "البرونز" بشموخ رجل يعرفونه… عن سيدة تأتي مع الصباح في أول أيام " المربد الشعري" تغسل التمثال بطست من الفضة، تدعى "إقبال"… تومىء الوجوه بالنفي… كلها، تزفر وهي تهمس: لم يزل حياً…لم يزل حياً. عبرت شارع الرشيد، على رصيف مقهى البرازيلية والزهاوي دنتْ في تردد من بعض الطاولات لتسأل مرتاديها، هل عاد السياب؟ هل من جديد؟ ثم تقفل في خيبة، تشيعها نظرات مشفقة، واخرى متسائلة. درجت على منوال مماثل لأيام قليلة، فلم تصل لشيء، حتى عثرت على ديوان جديد في "كشك" للصحف بباب المعظم، كان للسياب ويحمل عنواناً لم تسمع به من قبل…" أساطير" ، وبضع كراسات مطبوعة لمطولات شعرية مما خطهُ السياب، "أنشودة المطر" ، " غريب على الخليج"، " بيت الأقنان" توقفت كثيراً عند هذا الاخير،… عادت لحجرتها تحلق في فرح طفولي، فَرَدَتها على نضد قريب من سريرها، حدقت إليها طويلا، لكنها لم تجرؤ على تصفح أياً منها، أبقتها هكذا، مرّ أسبوعان أو يزيد قبل أن تشرع بالقراءة في توجس حذر، لم تنكر أنها لمست تراجعاً ملحوظاً في سطوة الكوابيس مؤخراً، لكن ثمة أمر محير وسؤال يلح أمام تلك القصائد المطبوعة أعادتها لجادة الأرق… فمن يدري كم مضى من الوقت وهي معتكفة وحيدة في حجرتها؟؟ مع طي آخر صفحة كان للتوجس القديم ما يبرره، خيبة أخرى… هذه المرة، احستها بمثابة طعنة … كان "السياب" يطرق بابها للمرة الأولى وهي على تلك الشاكلة، إنتفضت مرحبة وغير مصدقة، عيناه تنظران نحوها في تيه، دعته للجلوس على نفس الأريكة، تحت النافذة، فبادر قبل السؤال عن أحوالها: قبل قليل هاتفني عمي واخبرني بأن فتاة تدعى" إقبال" قد وقع إختيار العائلة عليها لتكون زوجتي … وقد وافقتْ… ولم يبق سوى ان أذهب لعقد القران… أرجوكِ… أن تمنحيني ذلك الكتاب الذي يتحدث عن سيرتي… لقد بتّ أؤمن بكل ما ورد فيه، فقد قرأت إسم تلك الفتاة بين طياته… إنطفأ شعاع ابتسامة باهته لقيته بها "غيداء" لتعكس تلك الملامح خيبة مزدوجة: عزيزي لا أستطيع… إن فعلتُ هذا سأختنق عند أول غفوة… في أول كابوس… أنت لا تعلم. بدى وجهها نحيفاً شاحباً هجرته النضارة، رأى "السياب" في جحوظ عينيها ونتوء صدغيها تغيراتٍ لا تصدق، رثى لحالها قبل أن يعرف السبب… أسترد نظرته الفاحصة وهو يقول: إذن أتصفحه أمامكِ… هنا، لست مضطرة لمنحي إياه. - لن تفهم … هذا شيء يفوق إستطاعتي… - أعترف بأنكِ فعلتِ كل ما بوسعك لأجلي… لكن لم هذه المرة…؟ - وأنتْ… مالذي فعلته لي يا بدر؟ ما الذي قدمته لي؟ وأشارت في مرارة إلى النضد المجاور حيث ديوانه الأخير وكراسات شعره المبعثرة فوقه… لتكمل في حرقة: لم احظَ منك حتى بقصيدة … أو بيت شعر، او حتى بكلمة واحدة… ألا أستحق أن أدرج إسمي مقروناً بأسم شاعر الحداثة، في أطروحتي…؟؟؟ لم يعلق كان مشدوهاً إزاء ما يسمع،… أيةُ غاية جمعتنا؟…قال لنفسه. ثم تجاسر ليسألها في إنكسار: غيداء … ألم يكن حباً… ألم تحبي بدراً لشخصه قط..؟؟؟ أشاحت، وهي تدلي بخلاصة الحديث، في حزم: هذه… بتلك، يا بدر… قصيدة واحدة مطبوعة … وامنحك الكتاب . لم يصدّق… عاد بجرح إضافي، تمنى للمرة الأولى… وبصدق… لو أنها كانت تحبه. ( 9 ) بدت "غيداء" كسيدة عجوز، تلف حول جيدها الضامر عباءة سوداء واسعه، تغطي بها رأسها ووجهها، لا تغادر حجرتها في نزل المغتربات إلا للمكتبات الثقافية في شارع المتنبي، لقراءة المجلات المحلية والعربية الجديدة، قبل غيرها، تشق طريقها مع الفجر، نحو اكشاك الصحف في باب المعظم، لتكون أول من يظفر بالصحف المعلقة قبل طلوع الشمس، تستقيم حياتها على إختلال منتظم، لم تتخلف عن متابعة الجرائد ولا ليوم واحد، تدرك الوقت وزمن اللحظة الراهنة من تاريخ إصدار كل صحيفة، تقلّب الصحيفة ثم تلقيها في جوف أقرب حاوية تصادفها، تأقلمت مع تلك الحياة الباهتة، بانتظاركل جديد قد تأتي به الصحف… وحدها الصحف، تأتي بكل جديد … في هذه الحياة…! قالت لموظف الإستقبال في "النزل" ذات مرة، سايرها بالموافقة، ثم نعتها بالبلاهة في سره… أدمنت فظاعة الإختناق في كابوسها الليلي، قبل ان يستأثر طنين غامض برأسها المعتب، ذات مرة، صحت كعادتها بعد كابوس الغفوة الأولى من الليل، على صدى إرتطام منتظم لمعول معدني بحجارة صخرية، إستهجنت أن يقوم احد ما بهذه الحماقة بعد منتصف الليل، هبطت درجات السلم على عجل لتجد موظف الإستقبال يغط في نوم عميق، مما زاد من غرابة الأمر لديها، أيقظته في نزق، طلبت منه أن يجد حلا مع هذا المختل، لم يستوعب الموظف وظل مشدوهاً لبرهة، وحين وعى الأمر رد بلباقة: أي صوت … تعنين يا سيدتي، انا لا أسمع شيئاً؟! حين أيقنت انه لا ينبغي لأحد غيرها ان يسمع ذلك الصوت، وانها هي المقصودة، كانت تلعن فطنتها: كيف لم يخطر ببالي؟ هذا مؤشر نحس … توجهت للمرة الاولى، صوب مقهى الفرات في اول شارع الامين دون ان تعبأ برواد ما بعد منتصف الليل، ظفرت بمن تبقى حول طاولات الأدب والغناء، سألت إن كان احد ما يعرف السياب، أو يعرف عنه شيئاً، إلتفت إليها كل الحاضرين، أية سيدة تأتي بهذا الليل… لا تبدو ممن يعملون بالحانات الرخصية. قال البعض… دعاها أحد الحاضرين، عرفته فأطمأنت إليه لكنه لم يميزها، كان رفيقاً للسياب فيما مضى، اخبرته بحكاية المعول الحجري، وأنه مبرر للقلق على حياة السياب، رد بالنفي: قد يكون معتلاً قليلاً تقوده عكاز ذميمة إلى بيته بالبصرة، لكنه بخير… ثم انه يحتفي بمولوده البكر،في سعادة… وهي بنت جميلة اسماها… "غيداء"… تحول صوت المعول الحجري إلى طنين في رأس "غيداء" لتطلب منه ان يكرر … من فضلك …ماذا أسماها ؟ يرد الرجل في هدوء: "غيداء" … تضاعف الطنين، صار كخلية نحل يدب في رأس غيداء، لم يبخل عليها القدر على الرغم مما حدث… كانت تقول لنفسها، حين رأته يقف لها بباب الحجرة، هتفت من كل قلبها: اهلا يا بدر… رد وهو يدخل مستعيناً بعكاز خشبي، اهلا… اهلا بادرته بأنها لم تجد ما تقتل به الملل لتبرر لنفسها حب الحياة سوى قراءة الصحف، ثم لتبقى على تواصل بما يكتب من شعر، وانها كانت بأنتظار قصيدة تخصها، قالتها في حياء…كانت تتحدث باندفاع وتلقائية، أخرج السياب كراسة ورقية في صمت ووجوم، سلمها لغيداء، وهو يقول، رزقتُ بطفلة أسميتها تيمناً بكِ… لأرد بعضاً مما لديكِ عندي… وهذه الكراسة فيها مطولة شعرية، لتثبيت تلك المواقف العظيمة، وهي عنكِ… مثلما طلبتِ… لأسترد سيرتي… لأعرف مصير إبنتي هذه… وغيرها. غمرها إحساس مريح، لا يوصف، لم تشعر به من قبل، ضاهى الإرتخاء بعد نشوة عارمة هزت لديها الروح و الجسد، دهمها مصحوباً برغبة هائلة لنوم عميق، لم تصدق بأن هذا قد حدث… بين ليلة وضحاها، تسلمت منه كراسة الشعر تصفحتها بسرور عظيم، وجدت فيها تفويضاً خطياً بقلم السياب موجهاً لأي صحيفة تختارها "غيداء" بالنشر دون إبطاء. عمدت لكوة جانبية فتحتها، اخرجت ذلك الكتاب وسلمته له: ضمهُ "السياب" إلى صدره، إسترخت على وجهه ملامح جديدة… غادر دون تحية أو إلتفاته نحوها…لم تتنبه بدورها إلا بعد إنتصاف الليلة التالية بأن السياب قد رحل… وانها ظلت ليومين تقرأ القصيدة، كلما اتت عليها أعادتها من جديد… لم تخطر ببالها العاقبة، إلا حين أنهكها التعب، فجردها من قدرة التمييز بين الاشياء، هاجمها النعاس على شكل موجات عاتية أول الأمر، فأختلطت عليها المشاهدات ثم تداخلت ليغدو فهمها أكثر تعقيداً، ثم داهمها كسيل جارف، خلصها من كل مقاومة، لتذهب مرغمة في سبات عميق… هذه المرة بدت لها أفعى برأس ضخم أتت على ديدان السقف دفعة واحدة، خرجت للمرة الاولى من كوة جانبية في الجدار… تدلت نحوها، أطبق حمل ثقيل على صدرها، زاد من تيبس الجسد المسجى، كانت بانتظار اليد كي تهزها فتصحو، تلفّتتْ لم يكن أياً من الأجساد الغائمة يحيط بها، شعرت بالموت وبأنها فقدت آخرما تبقى من نبض، تذكرت في اعماقها تلك العاقبة… وانها هي من إختارت، حاولت أن تقول شيئاً، فأستحال الصوت أنيناً، وهمهمة… بياض كثيف لف المكان وانبوب دقيق تدلى حتى جوفها… أصوات توالت لم تميزها… صوت أجش تردد في الحجرة بعد أن تلاشى صوت المعول الحجري: إنها تتحرك… إنها تصحو… أصدرت أنيناً قبل قليل!! تبرز الأجساد من حولها، تتضح للمرة الاولى، يرتدي بعضها ملامحاً مألوفة… تقذفها سلة البياض المتقن للغرفة من جديد، ويدٌ حانية تعرفها، تمتد إليها تمسد شعرها برفق… - لا …لا شيء عضوي على الأطلاق… فقط حالة من الرفض… ربما للواقع … أو ربما للتعلق الشديد بواقع مفترض … بتلك العبارة لخص صاحب الصوت الأجش حالة "غيداء"، تبدد القلق لدى الرجل الآخر، حنى قامته، لثم جبتها، ثم ضمها إليه في حنان… - أين كراسة السياب؟؟؟. تهذي غيداء بصوت واهن بين يديه… - يرد مبتسماً: حبيبتي… لا عليكِ …يبقى لديكِ الأسم… أليس كافياً؟ رمقته باصغاء واهتمام شديدين، حتى غلبها الفضول فهمست في لهفة: كيف…؟ - بلى…فمنذ ما يزيد عن سبع وعشرين عاماً، كنتُ أنا من بين القلائل الذين شيعوا جنازة السياب، وقد صادف ذلك يوم مولدكِ … بحثتُ لكِ عن إسم مناسب، فلم اجد سوى إسم إبنته الكبرى… " غيداء". حانت منها إلتفاتة خاطفة نحوه، عضت على شفتها السفلى، أغمضت جفنيها على جمر لذكرى باردة، ثم أطرقت في حياء … استعادا مقطعاً شعريا قديماً، كانا يرددانه في ذكرى رحيل ذلك الشاعر، فانشداه معاً في خشوع: (( منازل فانزع الأبواب عنها تغد أطلالا خوالٍ قد تصكّ الريح نافذة فتشرعها إلى الصبح تطل عليك منها عين بوم دائب النوح . وسلّمها المحطم ، مثل برج دائر ، مالا يئن إذا أتته الريح تصعده إلى السطح ، سفين تعرك الأمواج ألواحه……….. ………………………………. ألا يا منزل الأقـنان ، سقتك الحيا سحب تروّي قبري الظمآن ، تلثمه وتنسحب !))

 
 
   
 
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=