http://kouttab-al-internet-almaghariba.page.tl/
  مؤسس "فايسبوك"
 
"الشبكة الاجتماعية" جديد دايفيد فينشر حول السلوك الإنساني والاجتماعي
مؤسس "فايسبوك" المتفرّد بثرائه وعبقريته والوحيد مثلنا جميعاً
 
المستقبل - الجمعة 26 تشرين الثاني 2010 - العدد 3840 - ثقافة و فنون - صفحة 20

ريما المسمار
من "سبعة" إلى "قضية بنجامن باتن المثيرة للفضول" ومروراً بـ"نادي القتال" و"غرفة الرعب" و"زودياك"، اشتغل المخرج الشاب دايفيد فينشر على موضوعة السلوك الإنساني بتجلياته المتراوحة بين العنف والهوس والإرهاب الاجتماعي. في الظاهر، تبدو أفلامه متصالحة مع الأنواع السينمائية السائدة أكانت الرعب أو البوليسية أو التشويق. ولكنّها في العمق تناقض التوقعات التي يمليها النوع فتذهب في الاتجاه المعاكس كما هي الحال مع "زودياك" الذي يصور على مدى ساعتين ونصف الساعة تحقيقاً في جرائم قتل عدة من دون أن تصل خاتمته إلى حلها كما تفترض شروط النوع السينمائي الذي ينتمي إليه أو الأحرى يوظّفه. بقدر معاندتها الالتزام بمعايير النوع، تتشارك أفلام فينشر على أرضية سوداوية تبعث القلق في النفوس وتولّد الإضطراب قابضة على ذلك المجهول الذي لا سبيل إلى فهمه - ناهيك بحلّه - في السلوك الإنساني. ينطبق بعض تلك المواصفات على جديده "الشبكة الاجتماعية" (The Social Network) ويتناقض بعضها الآخر معه. فعلى الرّغم من مقوّمات الحكاية المتجذّرة في السلوك الإنساني والاجتماعي، يحافظ الشريط على نبرة جذلة وأجواء مرحة من دون أن يبتعد تماماً من سوداوية الظرف الإنساني التي وسمت شخصيات أفلامه الأخرى. ولكنّ على الرغم من المشهد الأخير الذي يصور مارك زاكربرغ في وحدته المدوّية، لا يخلّف الشريط تلك الغصّة أو الاضطراب المعهودين. هل لأن لزاكربرغ ما يعوّض عليه؟ أم لأننا نحن المشاهدين بيت القصيد الذي يغمز فينشر من قناة وحدته وعزلته؟
يتناول "الشبكة الاجتماعية" سيرة مارك زاكربرغ مؤسس موقع التواصل الاجتماعي الأشهر على الإنترنت "فايسبوك" وزميله المشارك في المشروع إدواردو سافرن، استناداً إلى سيناريو اقتبسه آرون سوركن عن كتاب بن مزريتش "الملياردير بالصدفة" الصادر عام 2009. محور الكتاب كما الفيلم هي الدعاوى القضائية التي واجهها زاكربرغ بعيد إطلاق الموقع ضد طرفين: سافرن والأخوين وينكلفوس. اتهمه الأول بإقصائه عن المشروع بتخفيض أسهمه إلى ما دون الواحد في المئة، بينما تلخّصت دعوى الأخوين وينكلفوس باتهام زاكربرغ بسرقة فكرتهما لإنشاء "فايسبوك". والواقع أنه لولا تلك الدعوى التي أقامها سافرن لما أبصر كتاب مزريتش النور ذلك أن الأخير شكّل أحد مصادر الكاتب الرئيسية في استقاء المعلومات الواردة في الكتاب. على الرّغم من ذلك، لم ينجُ الأخير من النقد الموجّه تحديداً إلى اشتماله على معلومات غير دقيقة، يعزّزها أسلوبه السردي البعيد من النبرة التوثيقية المعتادة في الكتب غير المتخيّلة. على أن فينشر المفتون بالسلوك الإنساني وتأثيره الاجتماعي لم يبالِ بكل ذلك النّقد، منطلقاً إلى إنجاز فيلم يعرف مسبقاً أنه سيثير الجدل لا سيما أن شخصيته المحورية واقعية وما تزال حية ومؤثرة في الزمن الحاضر. في معظم الأحيان، يشهد هذا النوع من الأفلام القائم على سيرة شخصية واقعية على إسهام الأخيرة في حال كانت موجودة كما حدث، على سبيل المثال لا الحصر، في فيلم "أرين بروكوفيتش" الذي مثلته جوليا روبرتس. وفي الغالب، تبصر أفلام السيرة النور بعد ارتحال شخصياتها من دون أن يجعلها ذلك أقل عرضة للجدل.
في حالة مارك زاكربرغ، تكتسب الحكاية مشروعيتها من تمحورها حول أحداث محدّدة رافقت الحدث الأكبر أي إطلاق الموقع الإلكتروني. ولكن فينشر يوسّع دائرة عدسته ليلتقط أجواء الطلاب داخل جامعة هارفرد، حيث درس زاكربرغ وسافرن، التي تقول الكثير عن دينامية العلاقات وتحكّم الطبقية ومكتسبات الأثرياء منهم.
تبدأ فصول الحكاية في العام 2003 في هارفرد. يختار فينشر مشهداً افتتاحياً، يسلط الضوء على شخصية زاكربرغ: خباياها، دوافعها، هواجسها... في حانة ليلية مكتظة، يجلس (جيسي أيزنبرغ) قبالة صديقته "إيريكا ألبرايت" (روني مارا). المشهد معاصر بامتياز وكذلك شخصيتا زاكربرغ وألبرايت. ولكن النقاش الدائر بينهما يبدو مستلاً من أفلام الأربعينات والخمسينات التي تدور أحداثها في أروقة المدارس الداخلية وسكن الجامعات. يدور الحديث حول "الأخويات" وشروط الانتساب إليها والحظوة التي تمنحها المنتسبين إليها. الإثنان شديدا الذكاء، يلتقطان الإشارات بين السطور ويفسران على أساسها دوافع الآخر وأفكاره. هكذا عندما يُقول لها إنه بانتسابه إلى تلك الأخوية المرموقة سيعرّفها على طبقة لا تحلم بها، تنتفض "إيريكا" وتغادر المكان بعد أن تشتمه وتنهي علاقتها به. ولكن هذا المشهد الذي نقع على مثيله في عدد لا يحصى من الأفلام لن يؤدي إلى محاولة صلح أو اعتذار من أحد الطرفين بل إلى غضب وحقد يدفعان بالشاب إلى هجاء صديقته السابقة بأشنع العبارات على مدوّنته الإلكترونية. إنه عصر تشريع الخصوصية وجذب الانتباه بواسطة الاستعراض من داخل القوقعة الذاتية. هكذا يلتقط الفيلم أول خيوط موضوعه بإعلانه الفضاء الافتراضي مسرح الشخصيات المنكسرة والمضطربة. يتخذ انتقام "زاكربرغ" شكلاً إبداعياً غير بعيد من فكرة "الألم الذي يولّد الإبداع" خلا أنه في عصر السرعة والملتيميديا والتواصل الافتراضي يصبح رد فعل سريع ومؤثر في حيوات كثيرين. البارقة الأولى لعبقرية "زاكربرغ" تتجسد في شكل برنامج الكتروني ينشئه بظرف دقائق ويرسله إلى كافة المنتسبين إلى الجامعة ويمكّنهم من الاختيار بين طالبتين من خلال التصويت على أي منهما تمتلك إثارة جنسية. يتسبب البرنامج بمشكلة كبرى لشبكة الجامعة العنكبوتية بما يضع "زاكربرغ" في مواجهة مع مجلس الجامعة وفترة اختبار. تصل أخبار عبقريته إلى الأخوين وينكلفوس المتحدرين من عائلة ثرية والعضوين في واحدة من أكثر الأخويات تميّزاً في هارفرد، يجدان فيه المبرمج المثالي لمشروع إنشاء موقع "هارفرد كونكشن" الذي يشكل صلة وصل بين طلاب الجامعة. يوافق "زاكربرغ" على عرضهما ولكنه لا يلبث أن يأتي بفكرة أفضل يطلق عليها اسم "ذي فايسبوك" ويعرّفها على أنها "شبكة تواصل اجتماعية حية بين طلاب هارفرد" تتيح لهم التواصل ومشاركة المعلومات بطريقة آمنة وحصرية. يطلع صديقه "إدواردو" على فكرته ويطلب مشاركته من خلال تأمين المصاريف الأولية. مع اكتمال العمل على الموقع، يطلقه أولاً داخل الجامعة ثم لا يلبث أن يتوسع ليشمل جامعات أخرى ومن ثم بلداناً عديدة.
يصوغ فينشر فيلمه بين زمنين: الأسابيع التي سبقت إطلاق "فايسبوك" والمواجهات القضائية بين زاكربرغ وسافرن والأخوين وينكلفوس. على طول الخط السردي، يقدم "زاكربرغ" في هيئة العبقري وما يترتّب على ذلك من سلوك اجتماعي غريب أو انطوائي لإحساس صاحبه بالغربة عن محيطه. ولكن اللافت في كل ذلك أن الفيلم لا يتخذ أي موقف أخلاقي أو إنساني ولا يملي على مشاهده أي أحاسيس جاهزة تجاه شخصيات الفيلم. يستدر زاكربرغ التعاطف في بعض المشاهد ويولّد الحنق في أخرى. البرودة التي يعتمدها فينشر توازي تلك التي تتحكّم اليوم بعلاقة الناس بالانترنت وببعضهم بعضاً. والنص المكتوب على ملصق الفيلم يقول ذلك كله بذكاء ووضوح: لا تصل الى 500 مليون صديق من دون أن تكّون بعض الأعداء". هذه هي حال زاكربرغ الملياردير الشاب الذي قام بإنجاز ضخم في مجال الإنترنت والتواصل هو سمة العشرية الأولى من الألفية الثالثة، حتى الآن على الأقل، وهو بذلك متفرّد. أما الوحدة والعزلة فهما العنصران المشتركان مع كل البشر الآخرين. مثلهم يحاول جاهداً التواصل أو الإبقاء على صلة مع العالم والأشخاص الواقعيين كما تقترح نهاية الفيلم المذهلة: زاكربرغ في مكتب المحاماة وحيداً يقوم بإرسال "طلب صداقة" إلى "إيريكا" ويضرب مفتاحاً على الكومبيوتر كل ثانية أملاً بوصول جواب منها.
بخلاف أفلام فينشر السابقة، يبدو "الشبكة الاجتماعية" أقلّها عمقاً لجهة ما يقوله بين السطور. لا شيء خلف الحكاية مخبأ. ولكن اليست تلك طبيعة الوسيط الذي يتناوله الفيلم؟ العبرة ليست في ما يقال بل في كيفية قوله وهذا هو جوهر الموضوع والفيلم.

 
   
 
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=